أجرينا مقابلة مع مؤسسة مبادرة ”احتواء“ لدعم مصابي الحروق

”لازلنا نواجه عنف وتمييز مجتمعي“.
هدير الحضري

March 15, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

مرّت سنوات طويلة ولا زال فستان زفافها حبيس الخزانة، تنظر إليه من حين لآخر لتدرك ما حصلت عليه من نبذ ومعاملة غير عادلة.

بسبب حرق في يدها واجهت هند البنا (36 عامًا) أشكالاً مختلفة من التمييز الصريح ضدها سواء كان عاطفيًا أو مجتمعيًا أو مهنيًا، لكنها وبعد عشرين عامًا، قررت أن تحول ألمها إلى تحرك ملموس كي لا تكون كمصابة بحرق عرضة للقسوة والنبذ من جديد.

بسبب الحرق، واجهت هند الطرد من عملها، تركها خطيبها بعد قصة حب طويلة، انهارت لها أربعة علاقات خطبة، وأغلقت الشركات أبواب التوظيف في وجهها لتشعر في النهاية بأنه لا مفر، وبأنها ستبقى للأبد أسيرة ابتلاء لم تختاره أبدًا لتحاسب عليه بهذا العنف.

في نوفمبر الماضي، أطلقت هند مبادرة “احتواء” لدعم مصابي الحروق ضد أوجه مختلفة من التمييز المجتمعي تمارس ضدهم، آملةً أن تلعب حملتها دورًا في مساندتهم وأن تكون بمثابة منبر تخرج حكاياتهم من خلاله إلى النور بعدما دفعهم المجتمع جبرًا إلى العزلة.

أجرينا في “مرآه” مقابلة مع هند لنتعرف على قصتها وتفاصيل المبادرة.

 

الشيف البحرينية تالا باشمي

 

مرآه: لماذا قررتي إطلاق هذه المبادرة؟

هند: ”في نوفمبر الماضي، كنت أعمل في أحد صالونات التجميل، قلت لنفسي إنه مكان جيد لأعمل به بيدي بعد أن تقدمت لوظائف مختلفة وواجهت الرفض الحاسم لأنني مصابة بحرق في يدي، ولأن سني أيضاً 36 عامًا.

في المركز واجهت أسئلة جارحة من الفتيات من الزبائن والعاملات معي: “كيف تعاملين الناس بهذا الحرق؟”، “هل رأت الإدارة هذا الحرق قبل أن توظفك؟” وغيرها من الأسئلة، لم يمض على عملي سوي خمسة أيام فقط حتى استدعتني مديرة المكان لتقول لي: “جاءتني الكثير من الشكاوي منك”، شعرت بالحزن لأنني كنت شديدة الالتزام بالعمل ولم أرتكب أية أخطاء. أنهوا عملي فجأة لأنني مصابة بحرق فخرجت من المركز لأسير فترة طويلة وأنا أبكي وأقول لنفسي: “إلى متى سيظل التعامل معنا هكذا وإلى متى سيظل الناس ينظرون إلى مصابي الحروق على أنهم درجة ثانية؟”، وحينها خطرت ببالي فكرة المبادرة“.

 

ما المشكلات التي يواجهها أصحاب الحروق في رأيك ولها أولوية الطرح؟

”قررت طرح المشكلات التي نواجهها كأصحاب حروق ليعلم المجتمع الحجم الحقيقي لمعاناتنا، أردت التساؤل من خلالها لماذا لا يتحدث أحد عنا، ولماذا نجد صعوبة بالغة في إيجاد وظائف، ولماذا لا نستطيع الجلوس في أماكن عامة مثل أي شخص عادي؟، ولماذا لا يتقبلنا المجتمع كعنصر مختلف ويهمشنا مع أن هناك الكثير من المختلفين الذين يتقبلهم ولا ينبذهم كما يفعل معنا.

أردت أيضاً أن يفهم الناس أن مصابي الحروق مرضى يتألمون ومعرضون لمضاعفات طبية وآلام مزمنة ويحتاجون إلى علاج وهي أمور لا يعلم كثيرين عنها“.

 

في رأيك، هل تتأثر الفتيات المصابات بالحروق مجتمعيًا أكثر من الذكور؟

”نعم بالطبع، نحن كفتيات مصابات بحروق نواجه نفورًا من المجتمع أكبر بكثير من الذي يواجهه الرجال خاصّةً فيما يتعلق بالارتباط العاطفي والزواج، على سبيل المثال، لا تتقبل العائلات فكرة زواج ابنهم بامرأة مصابة بحرق ودومًا ما يقال للرجل: “لماذا تتزوج من مصابة بحرق وهناك أفضل وأجمل منها؟”.

سأحكي لكِ مواقف عشتها بنفسي لتتصوري كيف ينظر الناس إلينا، كان لدينا ضيف في منزلنا ذات مرة وطلبت منّي أمي أمامه أن أقطع الطعام لنبدأ الأكل، حين بدأت في التقطيع فوجئت به يقول: “من فضلك لا تلمسي الطعام بيديكِ فأنا أشعر بالقرف”!

وفي موقف آخر، كان لي صديقة مصابة بحرق أيضاً ومرتبطة عاطفيًا، واجهت رفضًا قاطعًا من أهل حبيبها لدرجة أنهم قالوا له: “لو أتيت بها إلى المنزل سنقاطعك تمامًا، كيف ستتمكن من العيش معها ورؤيتها وتناول الطعام من يدها؟”“.

 

على صعيد العمل، هل لديكِ مطالب معينة؟

”نعم، نحتاج إلى قانون يلزم المؤسسات والشركات بتوظيف نسبة معينة من مصابي الحروق لديها إجباريًا لأننا لا نجد عملاً إلا بصعوبة شديدة وفي ظل ظروف غير مريحة، كما نحتاج إلى معاش ثابت لتأمين مستقبلنا خاصةً أن هناك حروق معينة تتدهور حالتها ويتعرض أصحابها لتآكل الأطراف أو مضاعفات أخرى.

بشكل شخصي، حصلت على العديد من التدريبات في مجالات مختلفة ولم ينفعني ما تعلمته لأنني مصابة حرق ولا أحد يريد توظيفي“.

 

هل واجهتِ تنمرًا في مهن أخرى بسبب الحرق في يدك؟

”واجهت الرفض في مهن كثيرة وتعرضت لمواقف سيئة شبيهة بالموقف الذي تحدثت عنه في صالون التجميل، ذات مرّة كنت أعمل في حضانة واستدعتني مديرتها فجأة وقالت لي: “والد أحد الأطفال قال إن ابنه يبكي حين يراكِ وأنا آسفة لأنني أستطيع الاستغناء عنكِ لكنني لا أستطيع الاستغناء عن الأطفال في الحضانة”، وفي مرة أخري تقدمت للعمل في شركة طيران فقالوا لي بوضوح أنه لا يجوز لي أن أعمل في الخطوط الأولى لأن مظهري غير لائق ولدي حرق وهذا سيشعر المسافرين بالقلق، وغيرها من المواقف“.

 

وعلى مستوى الخدمات الطبية، ماذا تفتقدين؟

”نحن في حاجة ماسة إلى مستشفيات مخصصة لعلاج مصابي الحروق في مصر، وإلى وحدات طبية متخصصة بالمجان منتشرة في كل مكان لأنه حتى الآن لا يوجد مثل هذه المستشفيات“.

 

أطلقت على المبادرة “احتواء”… لماذا اخترتِ هذا الاسم تحديدًا؟

”لأن الاحتواء والتقبل هو أهم ما نريده من المجتمع، نحتاج إلى فهم لآلامنا المزمنة التي لا يعرفها أحد وأن نظهر في الشوارع والأماكن العامة ولا نضطر إلى الاختفاء لأن الناس ينظرون إلينا بشذر، الاحتواء هو أبسط حقوقنا“.

 

كيف تقيمين ردود الفعل على المبادرة في شهورها الأولى؟

”تجاوب مع مبادرتي الكثير من مصابي الحروق الذين كان لديهم خوف من رواية قصصهم، وأدركت كم أننا في حاجة إلى الحديث والتعبير عن آلامنا المكتومة“.

 

هند البنا

 

تصوير مشاعل الساعي وفيروز حسني

مقالات مقترحة

سألنا نساء يمتلكن شعر ”كيرلي“: كيف يراكن مجتمع العمل؟
في السنوات الأخيرة بدأت النساء في العالم العربي يتحرّرن تدريجيًا من القيود النمطية المفروضة على مظهرهن خاصةً المتعلقة بشعرهن، وكجزء...