أمهات يطرقن باب التعليم المنزلي

نساء ارتضين التضحية بما تبقى منهن عن طيب خاطر.
رانيا هلال

March 17, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

“الإنسان الوحيد الذي أتمنى أن يكون أفضل مني هو أنت”.

جملة يرددها الآباء والأمهات على مسامع أطفالهم منذ الصغر، دلالةً على الآمال أو الطموحات التي يعلقها الأهل على مستقبل فلذات أكبادهم، فيحرمون أنفسهم من الضرورات أحيانًا بغرض توفير فرص دراسية وتعليمية ورياضية لأبنائهم، أفضل من تلك التي أتيحت لهم. لكن ماذا لو كان الواقع يشمل ظروفًا غير منصفة تضع الطفل والأهل في موقف لا يُحسدون عليه؟

هذا ما آل إليه وضع العديد من الأسر التي لجأت – مضطرة – إلى اللجوء للتعليم المنزلي، معتمدةً بالكامل على الأم بدلًا من التعليم النظامي المصري المتعارف عليه، حيث تؤدي الأم – في هذا النظام – أدوار متعددة، أساسية ضرورية في حياة أبنائها بدءًا من دور الأم، مرورًا بالأخصائية الاجتماعية، فالمعلمة، والميسرة الخاصة به. بكل ترحاب أخذت هؤلاء الأمهات على عاتقهن تلك المسؤولية الشاقة، وبلا شك فلهذه المسئولية الكبيرة آثار عليهن وعلى أسرهن مع الوقت.

“عاوز أروح عند ربنا”

لم يكن يسيرًا على طفلي وأسرتي اتخاذ هذا القرار، خصوصًا أني بجانب كوني زوجة وأم وربة منزل، فأنا امرأة عاملة، ولكن عندما يتطرق الأمر إلى السلامة النفسية لطفلي وبناء شخصيته بشكل سوي، فلن أتراجع.

رغم تضاعف مصروفات المدارس في مصر في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يقابلها تحسن ملموس في الخدمات المقدمة للطفل، ومع تدني الأجور وارتفاع أسعار المنتجات المحلية من ورق وملابس ومواصلات ساءت الخدمة المقدمة للأطفال في المدارس رغم نزف الأهالي معظم دخلهم لصالح بند التعليم.

هذا كله كنت أتحايل عليه بالتعويض الدراسى والاستذكار مع طفلي بعد الدوام المدرسي، ولكن ما لم أحتمله هو الأسلوب غير التربوي الذي تتبعه العديد من المدارس في عقاب الطفل منذ سن صغيرة وإرهابه وتنميطه وعدم احترام الفروق الفردية والإبداعية لكل طفل، والسعي لجعلهم جميعًا نسخًا مكررة من بعضهم البعض. ولم ينج من هذه الفئة من المدارس سوى تلك الدولية، والتي تتعدى مصروفاتها مليون جنيه، وهذا رقم مستحيل على الأسر المتوسطة التي أنتمي إليها، فلم يكن أمامي سوى أن أطرق باب التعليم المنزلي.

بنسبة كبيرة اطمأن قلبي عندما استوت نفسية طفلي عن ذي قبل، كان يقول لي عقب يومه المدرسي: “أنا عاوز أروح عند ربنا ألعب في الجاردين بتاعته”، أما يومه الحالي فأصبح زاخرًا بالألعاب والفسح واللقاءات، إلى جانب المذاكرة في مجموعة من الأطفال الآخرين. واكب هذا التغير في شخصيته ومعنوياته ضغوط كثيرة على الشخص الوحيد المنوط به الدفع بهذا الكائن الصغير والاستمرار في تقديم كل الواجبات المعتادة له ولأخيه وللمنزل وللعمل، هذا الشخص هو أنا.

أعلم أنني قبلتُ التضحية وأحاول الاستمتاع قدر الإمكان وأبحث في كثيرٍ من الأوقات عن لحظات ألتقط فيها أنفاسي في لقاء بالأصدقاء أو مشاهدة فيلم أو حتى قضاء بعض الوقت منفردة بنفسي وكوب النسكافيه. وعندما لا أجد وقتًا لأي من هذا يكفي أن أفكر في حال طفلي قبل التعليم النظامي وبعده، حتى أستمد طاقتي منه.

“اتخذت قراري بعد أن رسم ابني نفسه مقتولاً”

“أخذت قراري بعد ما رسم ابني نفسه مقتولاً”، تقول سالي أسامة، معدة برامج وأم لطفل يتعلم منزليًا، مضيفة: “نحن لم نختر التعليم المنزلي، بل هو من اختارنا، ابني لا يستطيع التأقلم والفهم والتعايش مع الأنظمة التي ينعدم فيها الاحترام لعقله ولسنه؛ فكونه طفلاً بحاجة للعب والاكتشاف والدعم أكثر من احتياجه التذنيب واللوم والحبس داخل مقعده في فصلٍ مكتظ”.

توضح أنها ووالد الطفل مؤمنان أن التعلم لا يأتي بهذه الطريقة، فقررا البحث عن الخلاص، واكتشفت مع الوقت أن التعليم المنزلي لم يكن خلاصًا لطفلها فقط، بل ولها أيضاً: “نحن نبني حياتنا بما يتماشى مع مبدأ التعلم من كل ما حولنا، ابني يتعلم ونحن نتعلم معه”.

بنبرة استنكار تصف سالي ما لاقته ممن سمعوا عن تجربتها، وتصف ما وجهوه لها بالنقد اللاذع، خصوصًا ممن لم يسمعوا عن هذا النوع من التعليم من قبل، وتؤكد: “نعم تحملت اللوم وبعض الإحباط، لكن سرعان ما أتجاوز تلك المشاعر”.

وتعقب سالي أنها حتى الآن لم تواجهها مصاعب حقيقية، ربما لأنها درست تربية الأطفال وكيفية التدريس، ولا تفوت أي ورش تدريبية تتعلق بمجال التعليم غير التقليدي. أيضاً لديها طفلة لم تتم عامها الثاني، وقد يشكل هذا عبئًا إضافيًا في بعض الأحيان لكن غالبًا ما تكون الأمور سهلة، فهم كأسرة يحاولون أن يكونوا شركاء في ما يفعلونه، بدايةً من الواجبات المنزلية حتى البحث عن مناهج متجددة، فضلاً عن إتاحة الفرصة للطفل لحضور معارض وزيارة متاحف وتعلم أشياء لن توفرها مدرسة من ذات المصروفات المتوسطة.

“أيوة الموضوع مش سهل ولا بسيط”

شيماء نواف فنانة تشكيلية وأم لطفل يتعلم منزليًا، تقول بعدما أهداها الله طفلها الوحيد، أخذت تفكر في كيفية توفير أفضل مستوى تعليمي وتربوي وصحي واجتماعي له، بشرط يكون قدر استطاعتها، وعندما تعرض طفلها لتجربة نزوله للحضانة كان ما يزال متعلقًا بها، فيبكي كلما تركته، ولم يتوقف ومع الوقت، ففكرت ألا ترسله للحضانة مرة أخرى، وتبحث بنفسها عن أنسب الطرق لتعليمه، خصوصًا وأنه لم يتم احتواؤه جيدًا في الحضانة، بحيث تنجح تجربة انفصاله عنها، وحفزها ارتفاع تكلفة المدارس وتدني المستوى التعليمي والتربوي المتوفر للأسر متوسطة الحال، والتي تمثل السواد الأعظم.

تستطرد نواف أنها ومع الوقت وصلت لنتيجة مفادها أنه وإن لم يكن من اللازم ترك الطفل دون السادسة بعيدًا عن والدته فلا ضرورة للأمر، وكانت واحدة من أفكار منهج المنتسوري للتعليم المرن، والذي فتح المجال أمامها للعديد من التجارب والمناهج التي تشجع على التعليم المنزلي المرن بطرق تحترم عقل الطفل وإدراكه، وتستفز فيه حواسه، والحس الإبداعي بداخله، إلى جانب الأنشطة التفاعلية مع أطفال آخرين، وأيضاً انخراط الطفل في العديد من المجالات التي يمكن أن يجربها عوضًا عن المدرسة، وليس بمعزل عن المجتمع وعن أقرانه، وبمشاركة العديد من الأسر التي تتبع نهج التعليم نفسه مع أبنائها.

توضح نواف: “أيوة، الموضوع مش سهل ولا بسيط، والمسؤولية كبيرة ومستمرة من كل الجوانب”.

وتضيف: “بالطبع هذا يعني وقتًا ومجهودًا مضاعفًا وتركيز وتحضيرًا وقراءة لكل شيء وبتمعن، إلى جانب الدعم الذي يقدمه الأهالي لبعضهم البعض، ولا يخلو الأمر من إحساس بالضغط يزورني من وقت لآخر، وشعور عام بالقلق والخوف والتقصير في حقه، وأعتقد أن هذه المشاعر كلها طبيعية، فالمسؤولية ليست هينة، إضافةً إلى أن الشخص المسؤول عن الطفل تعليميًا هنا، سواء الأب أو الأم، يواجه ضغطًا آخر من ناحية تنظيم وقته ما بين طفله وبيته وعمله واهتماماته الشخصية والأسرية والواجبات العائلية وغيرها، فالوقت المخصص لي وحدي أفعل فيه ما يحلو لي يقل تدريجيًا مع تعاظم المسؤولية والمجهود الزائد، ولكن للحق أقول التجربة تستحق، لأنه مستقبل أغلى إنسان لي في الحياة”.

مقالات مقترحة

سألنا النساء عن شعور اللحظة الأولى التي رأين فيها مولودهن
الصورة من شترستوك في العاشرة من صباح يومِ شتوي في نوفمبر حدّد الطبيب موعد ولادتي، كنت متحفزة وخائفة كأنني أخطو...