إيسمار: الاستجابة الزوالية الحسية الذاتية

ثورة في عالم الاسترخاء، أم نزهة في دهاليز اللاوعي؟
دانية أ. موسى

December 25, 2018

وقت القراءة: 3 الدقائق

من منا لم تعتريه حاجة ملحّة لإلقاء جسده في حوض دافئ بعد يوم عملٍ مضنٍ؟ أو رغبة عارمة في تسليم جسده لمُدلّك خبير يجيد تخليص عضلاته من جمودها؟ كل ذلك وأكثر في سبيل تسهيل الارتماء أخيراً فوق السرير الوثير والاستغراق في نومٍ عميق. لا تبدو عملية الاسترخاء بهذه البساطة في خضم حياتنا المعاصرة التي تعج بشتى أنواع الأنشطة والهواجس التي تحرم واحداً من كل ثلاثة أشخاص في هذا العالم من الاستمتاع بنوم هادئ وفقاً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية حول “الأرق”.

رغم سوداوية الصورة عند الكثيرين، تجد على موقع يوتيوب قوائم بمقاطع مختلفة، تدّعي قدرتها على منحك سلامك الداخلي المفقود ومساعدتك على الاسترخاء مجاناً. فمن مقطع لطي أوراق الكتب، أو سكب الزيت في آنية زجاجية، أو سقوط قطرات الماء على أرضية إسفلتية، أو تحرك عقارب الساعة، ستكتشف أن الأمر الذي يبدو أشبه بدعابة… حقيقي، بل ويسمى علمياً بظاهرة “الاستجابة الزوالية الحسية الذاتية “Autonomous Sensory Meridian Response المعروفة باسمها المختصر “ASMR”. تتمثل أعراض هذه الظاهرة في الشعور بتنميل ووخز خفيف (لذيذ ومحبب) يتولد في مؤخرة الدماغ ويمتد للعمود الفقري والأطراف نتيجة التعرض لمؤثرات سمعية وبصرية، ليعطي المستمع إحساسًا بالمتعة وشعورًا بالراحة والاسترخاء. الغريب في الأمر أننا لا نتحدث عن موسيقى من نوع خاص، بل عن أصوات قد يجدها بعضنا مستهجنًا حيث أن التأثير يختلف من شخص إلى آخر، فبينما يساعد صوت النقر بطرف القلم الجاف على ورقة أحدهم على النوم، يسترخي آخر بشكل أفضل بفضل صوت تمشيط الشعر!

وكأي ظاهرة جديدة تلاقي رواجًا عند شريحة واسعة من الجمهور، لم يفوّت صنّاع المحتوى أو مصممو التطبيقات فرصة الاستفادة من شغف البعض بتقنيات ASMR واعتمادهم عليها في الاسترخاء، فتخصصوا في تقديم المقاطع التي تخاطب شريحة المتابعين هؤلاء باستخدام ميكروفونات عالية الحساسية، حيث يتفاعل صنّاع المحتوى مع أدوات منزلية متنوعة ذات أصوات مختلفة بشكل متكرر لخلق مقاطع تمتد أحيانًا لساعات متواصلة، تساعد في عملية الاسترخاء. أما بعضُ تطبيقات الهواتف الذكية صممت قوائم استماع متنوعة يمكنك الاستماع إليها مجاناً بمجرد قيامك بتنزيل التطبيق، ولكي لا تتأخر تطبيقات التوقيت عن ركب هذه الموجة، أدرجت بعضُ تطبيقات الساعة، مجموعات محددة من مقاطع ASMR جنبًا إلى جنب مع المنبه، لتكون الرفيق الأمثل لمستخدميها عند اليقظة والنوم.

لكن، بعد التفكير المتعمق في تطويع الإنسان لهذه التجربة الحسّية الفريدة من نوعها، لابد أن نواجه حقيقة أنها تفتح الأبواب على مصراعيها الأسئلة الجدليّة عن مدى سيطرتنا على لا وعينا، ومدى قدرة لا وعينا على التفاعل بشكل حسّاس مع مؤثرات غير موجودة في واقعنا الفيزيائي الحقيقي. هل يمكن للمتأثر بظاهرة ASMR أن يصل إلى مرحلة الإدمان؟ هل يمكن لأحدهم من خلالها قراءة دواخلنا في غفلةٍ منا، كما يفعل بعض المعالجين بالإيحاء عن طريق التنويم المغناطيسي؟ هل يمكن أن تستخدم للسيطرة على عقول المستخدمين ودفعهم في اتجاهٍ ما- دونَ خيارٍ منهم؟

لا يتفق الجميع مع هذه التكهنات، بل يرى فيها البعضُ مبالغة. في هذا الصدد تتحدث سماح (20 عامًا)، طالبة جامعية: “لقد ساعدني الاستماع إلى مقاطع ASMR  على الخلود إلى النوم بعد أن استنفذت كل محاولاتي في التخلص من الأرق دون فائدة”، وتردف: “لكل فكرة جديدة محاربون، ولا أظن أن مقاطع اليوتيوب التي يعدها كثر حول العالم ترقى إلى القدرة على السيطرة التامة على أدمغة المستمعين. هي تمنحنا شعورًا جيدًا بالراحة فحسب”.

فيما ترى كشمالا (30 عامًا)، موظفة، أن الأمر ليس بهذه العشوائية: “لقد استُخدمت الأصوات المتكررة، كصوت قطرات الماء المتساقطة من صنبور، في بعض السجون حول العالم لتعذيب السجناء وتدميرهم نفسيًا، وبالتالي السيطرة على إرادتهم”، وتضيف: “يخيفني مجرد تخيّل أنني يمكنني الحصول على نشوةٍ ما عن طريق الاستماع إلى صوتٍ مجرّدٍ فقط”.

تشاركها هناء (54 عامًا)، معلمة وأم، مخاوفها قائلة: “يصعب التكهن بما تخفيه التكنولوجيا في عباءتها، إنها تجرف المراهقين إلى دهاليز مجهولة قد تقودهم إلى الإدمان بشكلٍ ما” وتعقّب: “لستُ مطمئنة لمستقبل هذه الظاهرة وأكرهُ أن يعتمد أولادي عليها للوصول إلى الاسترخاء، بدلاً من التأمل والتفكير المتوازن”.

من منظورً أكثر إشراقًا تتحدث دعاء (23 عامًا)، طبيبة أسنان، قائلة: “إنه من الإيجابي أن تحل تطبيقات هذه الظاهرة مشكلة الوصول إلى الاسترخاء لدى الكثيرين حول العالم، بأقل تكلفة ممكنة، في الوقت الذي قد لا تساعد فيه ظروف البعض المادية والاجتماعية على الاستعانة بالمعالجين النفسيين وسواهم”، وتشدد في ذات الوقت: “لا يمكن أن يعالج ASMR مشكلات عضوية تتسبب في صعوبة النوم بشكل جذري، فهي قد تكون وسيلة مساعِدة لتحسين تجربة الاسترخاء، لكنها لن تجدي نفعًا دون النظر في أسباب الاسترخاء الحقيقي كالتوازن النفسي والسلامة الجسدية”.

بين صوتٍ مؤيد وآخر معارض، لا يمكننا إلا الوقوف بدهشة أمام أصواتٍ أنثوية أخرى غزت صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وتخصصت في إعداد مقاطع ASMR  لتساعد ملايين المستمعين على الاسترخاء حول العالم عن طريق التحدث عن موضوعٍ هامشي بصوتٍ هامس، أو العبث بأدوات التجميل، أو تقليب صفحات قصة مصورة بهدوء، أو تدليك فروة الرأس بأطراف الأصابع برفق. ليمنحن المستمعين حول العالم تجربة حسيّة فريدة غير محدودة بمكان أو زمان.

 

رسوم ساشا حداد