“الاستيلاء الثقافي” في عالم الموضة: مُذنب أم بريء؟

هناك من ينظر للأمر بشكلٍ إيجابي وهناك من يرى أنه يحمل في طياته شيئًا من العنصرية والاضطهاد.
رحمة ضياء

December 27, 2018

وقت القراءة: 4 الدقائق

إذا أردنا أن نطرح هذا السؤال، لن نحصل على إجابة موحدة. فليس هناك إجماعًا حول تبرئة أو إدانة “الإستيلاء الثقافي”، وفي بعض الأحيان ستكون الإجابة علامات استفهام حول مفهوم المصطلح.

والمقصود بالاستيلاء أو الاستحواذ الثقافي هو “التبني غير المناسب لـعادات وممارسات وأفكار… إلخ، شعب أو مجتمع من قبل أفراد شعب أو مجتمعٍ آخر، وعادةً ما يكون أكثر هيمنة” وفق تعريف قاموس أكسفورد.

هناك من ينظر للأمر بشكلٍ إيجابي في إطار التبادل أو الاستيعاب الثقافي، وهناك من يرى أنه حين تتبنى ثقافة مسيطرة لثقافة الأقلية في الملبس أو الحُلي أو الموسيقى وغيرها، وتزال هذه العناصر من السياقات الثقافية الخاصة بالسكان الأصليين، يمكن أن تحمل معانٍ تبتعد بشدة، أو تكون لها فروق لا تكاد تُذكر، عن العناصر التي كانت موجودة لديهم، وأن ذلك يحمل في طياته شيئًا من العنصرية والاضطهاد.

وفي عالم الموضة، أوقع كثير من المصممين والعلامات التجارية أنفسهم في المتاعب من خلال ممارسة الاستيلاء الثقافي.

وتعرضت “غوتشي” لانتقادات واسعة في وقت مبكر من هذا العام؛ لأنها جعلت عارضات ذوات بشرة بيضاء يرتدين التربون – المستوحى من ثقافة السيخ – خلال أحد عروضها، وهو ما أثار اعتراضات أتباع الديانة السيخية الذين نشروا العديد من التغريدات المنتقدة لاستخدام رمز ديني كنوع من الأكسسوار، وفق مقال نشرته صحيفة “الإندبندنت“.

في حين أطلقت “فوغ” مجموعة العام الماضي مستوحاة من فتيات الغيشا (مصطلح يطلق على بائعات الهوى اليابانيات)، ولم تستعن حتى بعارضات يابانيات في عرضها.

وفي ذات العام تعرضت “فيكتوريا سيكرت” لاتهامات بالعنصرية والاستيلاء الثقافي لتبنيها ثقافات عدة بلدان آسيوية في أحد عروضها، وانتقدت الصحافية هيلين يونغ العلامة التجارية في مقالٍ لها، قالت خلاله أنها استخدمت تفاصيل سطحية وجمعت بين عدة ثقافات لتخرج بتصاميم لا علاقة لها بثقافة أي من تلك البلاد، واعتبرت أن هذا يعبر عن احتقار الغربيين لهذه الأمم العريقة.

وتعرض المصمم مارك جاكوبس لانتقادات مماثلة في عام 2016، لأنه استعان بعارضات ذوات بشرة بيضاء ظهرن خلال العرض بشعر مجدول، وكان رد المصمم: “كل الذين يبكون “الاستيلاء الثقافي” أو أي هراء حول أي عرق أو لون بشرة يظهر بشعر مثل شعورهم أو بأي أسلوب أو طريقة معينة، مضحكين”، متسائلاً: “كيف لا ينتقدون النساء الملونات من أجل تقويم (فرد) شعرهن؟”…

وطالت سهام الانتقادات فنانات مثل بيونسيه وكاتي بيري وسيلينا غوميز لرسمهن الحنة أو البندي (نقطة ترسم في منتصف الجبهة تعود لثقافة الهندوس) أو الارتداء مثل فتيات الغيشا اليابانية.

وتعرضت مراهقة أمريكية لهجوم لاذع بعد نشرها صور على الإنترنت وهي ترتدي فستان صيني في حفل تخرجها، ودافعت الفتاة عن نفسها بأنها لم تقصد الإهانة وإنما الاحتفاء بالثقافة الصينية. وهو ما رد عليه البعض بأن هذا زي ترتديه النساء اللاتي تقمن بواجبات منزلية ومن ثم فهو شيء لا يستحق الاحتفاء به وإنما يعبر عن العنصرية.

في حين دافع صينيون عن الأمر بأنه إذا لم يقترب أحد من ثقافتهم فلن يفهموها، وأن هذا يعني أن ثقافتهم فيها ما يستحق السرقة.

وهاجمت المصممة والناشطة سيلين سمعان في مقالٍ لها الاستيلاء الثقافي، مشيرة إلى أنه لا يمكن النظر للاستيلاء الثقافي في عالم الموضة بمعزل عن السياسة والتغيرات الاجتماعية، لا سيما مع الصورة التي يظهر بها العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

وأشارت في مقالها إلى مصممة أزياء باريسية ماريان سيري، أنها استخدمت رمز الهلال – الذي يشير إلى الإسلام – في 3 مجموعات من أصل 4 قدمتها المصممة الشابة حتى الآن، كما استعانت بعارضة أجنبية ترتدي الحجاب، لافتة إلى أن المصممة صرحت للإعلام بأن استخدامها للهلال مستوحى من الهجمات الإرهابية في باريس.

وفي الوقت الذي وصفت فيه سيرين الأمر بأنه يحمل إهانة، كان رد المصممة عندما حاورتها سيلين، أنها أرادت استخدام الهلال لإنشاء علاقات إيجابية مع الرمز في وسائل الإعلام.

وأضافت سيلين أنها تشكك في الاستيلاء الثقافي لأنه يعزز علاقات القوة القمعية، وبالنسبة إليها يتعلق الأمر بمكافحة الاستعمار، وأنه على الرغم من حسن النوايا، عندما تستخدم الموضة رموز تمثل الأديان يمكن للأمر أن يتحول إلى رموز للاضطهاد.

وفي محاولة لمحاربة الاستيلاء الثقافي، أنشأت ريم حامد الشريك المؤسس لـ””Collective، منصة إعلامية تستهدف نشر محتوى حول سرد القصص عن زمننا الحاضر، فيما تغذي بهذه الطريقة جهة ما أخرى، بحسب ما صرحت به في مقابلة نشرتها مجلة “فوربس” الشرق الأوسط.

وأوضحت ريم أن شركتها تقوم بوضع استرايتيجيات إقليمية وذات صلة لمساعدة العلامات التجارية على سرد القصص بطريقة لا تمس ثقافتنا.

في حين يقول المصمم اللبناني أنطوان سلامة، المدير التنفيذي لدار أزياء “لابورجوازيه“، في تصريح لـ”مرآه” أن المصممين الغرب عادةً ما يستخدمون الحجاب أو الرموز الدينية على سبيل التغيير أو التقرب من السوق العربية كونها صاحبة قدرة شرائية لا يستهان بها.

وأضاف أن هناك مصممين يستخدمون الحجاب بغرض الشهرة السريعة. كما أشار إلى أن التدخل السياسي في عالم الأزياء يمكن أن يحدث بطريقة غير مباشرة من خلال التشويش الإعلامي والدعاية السيئة للإسلام في الغرب، وأضاف: “في النهاية المصمم فنان وبحاجة لقصص وأفكار يترجمها في تصميمه”.

في حين استبعدت مصممة الأزياء المصرية ورائدة الأعمال مرمر حليم “نظرية المؤامرة” في مسألة استخدام رموز أو تفاصيل إسلامية في عروض الأزياء الغربية، وقالت لـ”مرآه” أنها: “تعاملت مع الكثير من المصممين الغرب ولا أعتقد أن هناك نية سيئة متعمدة، فتصميم الأزياء بقدر ما هو فن لكنه في الأساس صناعة ولذلك يسعى الغرب لاستهداف الفئة المحجبة لأنها تمثل قطاعًا كبيرًا”.

وأضافت: “العلامات التجارية الكبيرة تبحث عما يريده جمهورها وتقدمه له، ومؤخراً أطلقت “دولتشي أند غابانا” مجموعة أزياء في هونج كونج تتميز بكثرة التطريز والألوان الصاخبة مثل الأحمر لأن هذا ما يريده السوق هناك، وأطلقت “غوتشي” وشاحات وظهرت العارضات على ال”كات واك” (منصة عرض الأزياء) مرتديات الحجاب ولم تقصد بذلك إهانة المحجبات وإنما ضمهن لجمهورها العريض”.

وهكذا نرى أن الإجابة على السؤال الذي يحدد إن كان الاستيلاء الثقافي مُذنب أم بريء تتوقف على نظرة الشخص لدوافع من يمارسون الاستيلاء الثقافي، سواء كانت الاحتفاء بثقافة مجتمعٍ ما أو إنشاء قاعدة جماهيرية في مناطق جديدة، أو السخرية والاحتقار والتقليل من شأن أصحاب هذه الثقافة. كما يتوقف أيضاً على الطريقة التي يُظهر بها الأشخاص تبنيهم لثقافات الآخرين واحترامهم لها.