البرمجة اللغوية العصبية: خفايا عقلكِ الباطن

مفاتيح حاضركِ في يد ماضيكِ.
آية أحمد

April 30, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

تصوير آية أحمد

لم نتعلم القدرة على تحليل، ثم فهم، ثم التعبير عن أحاسيسنا وأفكارنا بطريقة صحيحة وإيجابية، ولهذا يصعب علينا التواصل مع ذاتنا وكنتيجة نستصعب التواصل مع الآخر. ولكن هل تعلمين أن هنالك علم سيساعدك على فهم ذاتك وتغير حياتك؟

وهو علم البرمجة اللغوية العصبية والذكاء العاطفي. مع أنها تبدو كمصطلحات من المستقبل البعيد أو مقتبسات من فيلم ”ستار تريك“ عن الذكاء الاصطناعي، إلا أنها ليست بجديدة علينا! تعرفت مجتمعاتنا العربية على مدارس التنمية البشرية وعلم البرمجة اللغوية العصبية في أواخر التسعينات من دورات المفكر والدكتور إبراهيم الفقي، إلا أن مدرسته لم تلقى صدى بل وصنفها المجتمع على أنها نشاطات ثانوية لقتل الفراغ.  

اليوم وبعد أكثر من عقدين على دورات الدكتور إبراهيم الفقي، يبدو لي أننا في طور الانفتاح على بحور علم النفس، وخاصةً البرمجة اللغوية العصبية. فهل البرمجة اللغوية العصبية بحر تعليمي أساسي؟ وهل مفاتيح حاضركِ في يد ماضيكِ على عكس ما تعلمناه؟

في محاولة مني لفهم علم البرمجة اللغوية العصبية وتأثيرها على روادها، قابلت ريتا باكي، مدربة معتمدة واستشارية في علم الذكاء العاطفي. وإحدى مُؤَسسات The Change Associates، وهو مركز علاج متخصص في البرمجة اللغوية العصبية والتنمية الإدراكية.

 

مرآه: عرفينا عن علم البرمجة اللغوية العصبية NLP؟

ريتا: ”الدماغ البشري هو الكمبيوتر الأكثر تعقيدًا وتطورًا على وجه الأرض، ومع ذلك لا يتقن الكثير برمجته. فمعظمنا يدير ويتحكم بدماغه ببرمجيات قديمة ورثناها عن أجدادنا. وكغيره من الأجهزة الذكية يحتاج الدماغ إلى .تحديث وبرمجة دائمة ليتمكن من خدمتنا بطريقة صحيحة، وهو ما نقدمه في جلسات الNLP

يصنف علم البرمجة اللغوية العصبية تحت العلاج النفسي، وهو بصورة مبسطة علم يختص بفهم الروابط العصبية التي كوّنها عقلنا الباطن نتيجة أحاسيسنا وأفكارنا وترجمها على هيئة تصرفات، وعادات، ومعتقدات أو مخاوف خاطئة، لذلك تركز جلسات العلاج على تصحيح هذه الروابط العصبية كالتالي.

نعمل في جلسات الNLP على برمجة العقل الباطني، لكونه وحدة المعالجة المركزية في الدماغ البشري. حيث يبدأ عقلنا الباطني بتسجيل الأحداث والأصوات التي تدور من حولنا ونحن أجنة في الرحم (بدايةً من الشهر الخامس تحديدًا)؛ بالرغم من عدم قدرته على تمييز الصواب من الخطأ (أي أن سن نضوج العقل الباطني هو سن السابعة). هذه الأحاسيس والأحداث التي نقوم بتسجيلها من الرحم إلى سن السابعة تشكل معتقداتنا ومبادئنا، ومن ثم شخصياتنا إلى الممات. ولذلك نهدف في جلساتنا إلى فك الروابط العصبية الخاطئة التي كونها عقلنا الباطني، لتمكين كل فرد من تطوير نظرته الحياتية وفهم مفاتيح إدراكه الحسي والبشري“.

من في رأيك يحتاج الNLP؟ وهل جلساته وقائية أم علاجية؟

”تعمل جلسات الNLP على إعادة تدريب العقل الباطني وتعليمه أنماط وسلوكيات صحية ذات تأثير إيجابي، بالنسبة لي جلسات الNLP هي مثل ورشات تعليمية للدماغ تصلح لكل من يشعر بالضياع وفقدان الحافز في الحياة، وهي لكل من يجد صعوبة في التواصل مع ذاته ومن حوله.

كما قد تكون تأهيلية لكل من يود أن يصبح مدرب ومستشار ذكاء عاطفي، فالهدف من الجلسات هي تمكين كل فرد من فهم أسرار التواصل مع الذات وبذلك التواصل مع الآخرين والبيئة المحيطة“.

عند بحثي عن الNLP، لاحظت ارتباط تعريف علم البرمجة اللغوية العصبية بعلم الطاقة؟  فهل هذا صحيح في رأيك؟

”طبعًا، فكما قال أينشتين نحن عبارة عن طاقة تتأثر بما حولها وتُأثر فيما حولها. فعندما نستطيع تطوير طرق تفكير إيجابية، سنتكمن بعدها من تحويل أفكارنا إلى عادات إيجابية. وهذه العادات ستغير نظرتنا للحياة ومن ثم استجابة الحياة وبيئتنا المحيطة لنا“.

هل يمكن أن تشاركينا رحلتكِ الشخصية نحو البرمجة اللغوية العصبية؟ كيف تعرفتي على هذا العلم؟ وكيف طور الـNLP نظرتكِ للحياة، فهمكِ لمفاتيح شخصيتك وشخصيات من حولك؟

”لعب الNLP تحديدًا وعلم الذكاء العاطفي بشكل عام دورًا كبيرًا في حياتي لما يقارب عقدًا من الزمان، وذلك بعد حادث مؤلم أصابني أنا وأطفالي. كنت أقود السيارة مع أطفالي على أحد طرق بيروت السريعة عندما صدمنا رجل قطع الطريق العام من غير المكان المخصص لعبور المشاة. في الساعات الأولى بعد الحادث، لم يكن لدينا أي معلومات عما حدث له، ملأني هذا بالترقب والخوف فلم أكن أدري إذا فقد الرجل حياته جراء الحادث. كنت أحتضن أطفالي في المستشفى، وكلي خوف مما قد يحدث لهذا الرجل وعن مدى تأثير هذه الحادثة على حياة أولادي.

عندما تلقيت الخبر عن نجاته وإصاباته الطفيفة، أيقنت أنها معجزة إلهية، أشكر الله عليها إلى اليوم، إلا أني عانيت بعدها الكثير من الاضطرابات والاكتئاب المصاحب للأرق والشعور بالذنب.  

وجهتني الحادثة للعلاج النفسي وخاصةً الNLP، واستطعت عبر الجلسات من مواجهة مشاعري وتخطي الصدمة. كما مكنتني الجلسات من تخطي العديد من المشاكل المدفونة التي لم أعلم أنها تشكل عائق في حياتي. فاكتشفت أننا من نصنع واقعنا ونتحكم به وتبدأ هذه الرحلة بالبرمجة اللغوية للدماغ“.

قد يرى الكثيرون أن هذا النوع من العلم ما هو إلا خزعبلات لا تفيد، كيف تردين عليهم؟ وهل هناك أي إثباتات علمية لنتائج جلسات البرمجة؟

”العلاج بالبرمجة اللغوية العصبية هي طريقة علاج مدعومة بحقائق وأبحاث علمية تأكد استجابات الأفراد لسبل العلاج اللغوي العصبي. كم أخبرتكِ أنا أؤمن أننا من نتحكم بواقعنا ونشكله ليخدم حياتنا بطرق إيجابية، ومن لا يؤمن بالتغيير الإيجابي لن يحصد نتاجه.

قبل أن أبدأ بأي جلسة علاج، أقيّم المريض لأحدد ما إذا كان مستعد للتغيير أم لا. فللأسف البعض لا يستطيع الخروج من القالب الذي قوقع نفسه فيه لفائدةٍ ما. فمثلاً قد تأتي لي مريضة تخاف من المرتفعات وتود التخلص من خوفها، إلا أن في داخلها حافز آخر أو مصلحة تدفعها لمصالحة هذا الخوف. ومن هنا نعمل معها لتفكيك هذا المعتقد الخاطئ ومن ثم بناء معتقد صحيح“.

من بحثي وجدت أنه تم تحريم هذه الجلسات أو الدورات دينينًا لما فيها من ”غسل لدماغ المسلم“، ”وتلقين لأفكار اللاوعي“؟  فما هو ردك على هذا خصوصًا أنك تزاولين عملك كخبيرة في دولة مسلمة؟

”على العكس تمامًا، فالبرمجة اللغوية العصبية تقربك من حقيقتك، وتساعدك من إدراك مدى تأثير العقل الباطني على حياتك اليومية. شخصيًا أرى الكثير من الانفتاح في دولة الإمارات العربية المتحدة لطبيعة عملي، حيث تم تصديق واعتماد برامجي من قبل هيئة المعرفة والتنمية البشرية.

وأقتبس هنا الآية القرآنية: ”إِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ“ (الآية 18، سورة النحل)، وهو ما تهدف له الجلسات العلاجية، فهدفي كمدربة هو مساعدة الناس على رؤية النعم في حياتهم عبر تمكينهم بمبادئ حسية وإدراكية لتطوير سلوكهم الإنساني وتزويدهم بمفاتيح النجاح في الحياة.

ومن أهم نعم الله علينا، هي نعمة العقل وكل ما أحاول الوصول إليه في جلساتي هي تمكين كل شخص من العناية بهذه النعمة والتدبر في استخدامها“.

كيف تستخدمين الNLP لمساعدة النساء تحديدًا؟ وهل قد يمكنهن الNLP في متابعة حياتهن بصورة سليمة بعد صدمات نفسية كالاغتصاب، التحرش أو حوادث مؤلمة؟ خصوصًا لاعتبار مناقشة هذه القضايا ”عيب“؟

”تزودنا جلسات البرمجة اللغوية العصبية بالأدوات والطرق الصحية والصحيحة لتخطي الصدمات والمشاكل في حياتنا بغض النظر عن حجمها بما في ذلك التجارب القاسية مثل الاعتداء الجنسي أو التحرش. فتوفر الجلسة مكان آمن للنساء من التعبير عن ذاتهن والتحدث عن مشاعرهن بعيدًا عن عيون المجتمع وألقابه“.

هل يمكن أن تشاركينا أهم الدروس الحياتية التي تعلمتها من ممارسة الـNLP؟

”لنا الحق في عيش حياة مكتملة وسعيدة، ولنا الحق في كسر قيود اختياراتنا السابقة إذا لم تعد هذه الاختيارات تخدم سعادة ذاتنا اليوم. أنا أؤمن بأن التغيير ممكن وجائز للجميع“.

كخبيرة NLP، ما هي المعايير التي يجب أن نعرفها قبل أن نثق أو نختار خبير الNLP؟

”أولاً، تحققي من شهادات المعهد ومن ثم الأخصائيين العاملين لتتأكدي من تأهيلهم العلمي، ومن ثم قومي ببحثك الخاص عن طبيعة الجلسات، وتحدثي مع رواد الجلسات. وأخيرًا اجتمعي مع الأخصائي أو الأخصائية لتتأكدي من أن طريقتهم وأسلوبهم في العلاج يناسبكِ شخصيًا، قبل أن تلتزمِ برحلة العلاج“.

 

بعد مقابلتي مع ريتا باكي، أيقنت أنه لابد من تحديث مناهجنا الدراسية لتشمل مواد أساسية كعلم النفس، البرمجة العصبية اللغوية، وغيرها الكثير من المواد الحياتية المهمة. لنخلق جيل يتسلح بمهارات حياتية واجتماعية تنادي بها مجتمعاتنا. فبالرغم من تجاهلنا لأهمية علوم النفس والمعالجة اللغوية العصبية، إلا أنها تتربع على قائمة احتياجات المجتمع العربي.

مقالات مقترحة

سألنا الشباب: لماذا تجتمع العائلة في رمضان دون غيره؟
الصورة من شترستوك وصمة التكنولوجيا الكبرى هي ما خلقته من عزلة اجتماعية وتفكيك أسري واجتماعي، جعلت لكل شخص هاتفًا صغيرًا...
خالتو لولو تعلق على صراع العروش
ألا نتمنى جميعًا أن نتمكن من الربط بين الأجيال القديمة وأجيالنا؟ خالتو لولو مستوحاة من شخصية لمياء توفيق، فهي الخالة...
دليلك لممارسة الرياضة في رمضان
في شهر رمضان، يحدث تغيير في النظام اليومي الروتيني الذي اعتدنا على اتباعه في الأوقات الأخرى فيصاحب تغيير مواعيد تناول...
رائدات الدراما الرمضانية: بهجة تجدد كل عام
رسوم دينا فواخيري ارتبطت أسمائهن بالشهر الكريم حتى تحولن لأيقونات رمضانية تجدد نفسها عام بعد عام، فمهما ظهر الجديد من...