التقينا بالمؤلفة الموسيقية العربية-الكندية سعاد بشناق

"قريحتي الموسيقية تنشط في العتمة والنجاح هو أن تعيش في ذاكرة الناس".
دانية أ. موسى

March 19, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

الأغنية أنثى والموسيقى أنثى… النوتة أنثى، والأوركيسترا أنثى. ربما لا تعد هذه صدفًا محضة في عالم يزخر بموسيقياته كما يزخر بموسيقييه. وربما تعد تجربتها في المنطقة العربية خير مصداق على أن وقع أنامل الأنثى على البيانو، يضيف لزوايا الذاكرة روحًا وإحساسًا جديدين. عشقت النغم، فأبت إلا أن تطارد إلهامه، ليملي على ذائقتها أروع الألحان، وتجرأت بأن تسخّر حياتها للموسيقى، لتسافر أقطارًا بعيدة، في رحلة عبر الزمان والمكان، يختلط فيها الواقع بالحلم، ويمتزج فيها سحر الشرق برونق الموسيقى الكلاسيكية الغربية، لتعزف مؤلفاتها في كبريات دور الموسيقى العالمية، فتقرب المسافات بيننا وبين العالم، وتكشف عن وجه مشرق للتأليف الموسيقي، يكسر الصورة النمطية عن احتكاره من قبل الرجال. في لقاء لا يخلو من الشجون، تحدثنا الموسيقية ذات الأصول السورية الفلسطينية البوسنية، كندية الجنسية، سعاد بشناق عن هواجس المهنة والموسيقى.

مرآه: متى بدأت علاقتكِ مع الموسيقى؟

سعاد: “بدأت علاقتي مع الموسيقى في سن الخامسة عندما كنت أرى عمتي سناء تعزف على آلة البيانو وأراقب أبي ساهر وهو يضع شريط كاسيت موسيقى الفصول الأربعة للمؤلف العالمي فيفالدي في مسجل السيارة عندما كان يصطحبني من الحضانة إلى البيت. كان بيتنا مليئًا بالموسيقى فأمي عبيدة رحمها الله كانت دائماً تستمع لفيروز وأغاني ستيفي وندر وجورج مايكل وأبي كان يمتلك مجموعة هائلة من أسطوانات الموسيقى الكلاسيكية الغربية. وكنا نسافر كثيرًا في طفولتنا إلى اليونان وإسبانيا وكنا نسمع الكثير من موسيقى هذه البلاد. في سن الخامسة قلت لأمي أني أود أن أعزف على آلة البيانو فما كان منها ومن والدي إلا أن يسجلوني في دروس بيانو ومن هنا بدأ مشواري مع الموسيقى”.

وما المحفز الأول لدخولك عالم التأليف الموسيقي؟

“كل ما أذكره هو أني في سن السادسة عشر بدأت تستهويني كثيرًا فكرة الارتجال على البيانو وكنت أكره دروس البيانو وتعلم قطع جديدة، كنت عندما أعزف قطعة أغير فيها لأني أرى أنها ستصبح أجمل وأغنى، كنت أتلذذ كثيرًا بالارتجال و بعزف ألحان من مخيلتي أضع عليها هارموني على ذوقي وأوزعها على طريقتي. عندما بدأت تدوين ما أعزفه على ورقة بقلم رصاص ورأيت أنني ممكن أن أطور الارتجال وأراجع ما كتبت وأضيف إليه بطريقة خلاقة تمكنني من عزف قطع تعجبني، ومن تلك النقطة بدأ مشواري مع التأليف. كنت في هذا السن أيضاً استمع كثيرًا للموسيقى  بشتى أنواعها ووجدت أنه لا سعادة تشابه تلك التي أشعر بها حين أكون في صدد تأليف قطعة جديدة ورؤية هذا العمل يتحول إلى شيء يمكن للعالم أجمع سماعه”.

ما الصعوبات التي واجهتكِ عند قرارك التخصص في دراسة الموسيقى؟

“أعتقد أن أكبر صعوبة واجهتني هي أن أواجه نفسي والمجتمع والصورة النمطية عن دارسي ودارسات الموسيقى. لقد كنت طالبة مجدة ومتفوقة دراسيًا، وكانت توقعات كل من حولي تنحصر في أن أصبح طبيبة أو مهندسة، بل وكنت أنا أيضاً أطمح لأن أكون كابتن طائرة. إلا أني في الصف الحادي عشر وجدت أني وبالرغم من حبي للكيمياء والفيزياء والأحياء في الصف العاشر، أميل إلى الموسيقى أكثر. وعلى نقيض عائلتي التي تشجعنا على اتباع شغفنا، وتقدر خياراتنا، ينظر الكثير من الناس إلى الموسيقى على أنها قاصرة على كونها هواية وأنها لا تحتاج إلى تخصص أو وقت، ويتعجبون ممن يمضون خمس سنوات أو أكثر في المعاهد الموسيقية للدراسة”.

ما الفرق بين التأليف الموسيقي الحر… وتأليف soundtracks للأفلام؟

“هناك فرقان جوهريان. الأول أنه في التأليف الحر، يمكن للموسيقي أن يؤلف مقطوعة معقدة ذات طبقات متعددة، وآلات مختلفة، وألحان متسقة أو متضاربة، كما يحب ويملي عليه إحساسه، لأنها ستُعْزف على آذان صاغية جاءت لتسمع هذه المقطوعة خصيصًا. أما في موسيقى الأفلام، فالموسيقى هنا مُساندة للصورة، وتأتي ثالثة أو رابعة في ترتيب الأهمية في المشهد بعد الصورة والحوار والمؤثرات الصوتية (إن وجدت). الموسيقى في الأفلام تعد إحدى شخصيات الفيلم، لذا لا يجب أن تلفت النظر إليها بشكل مبالغ فيه وتأخذ مساحة شاسعة تطغى على الشخصيات الأخرى إلا في مقاطع معينة وحالات محددة ومدروسة. ويقال أن أفضل موسيقى تصويرية هي تلك التي لا نلاحظها، بل تضيف عاطفة خفية إلى المشهد دون أن نعرف سبب هذه العاطفة.

أما الفرق الثاني فيكمن في طريقة العمل، ففي التأليف الحر، يمكنني تأليف ما أشاء ما دامت الأوركيسترا قادرة على عزف ما تم تأليفه، ويكون للمؤلف الموسيقي دور البطولة في التأليف الحر. بينما في التأليف للسينما، يعمل الموسيقي مع فريق، ويتقيد برؤية المخرج وبالقصة وبعوامل أخرى تملي عليه ما يفعله، ولكن الموسيقى تشكل عنصرًا يمكن أن يرفع من  جودة الفيلم، كما يفعل النص الجيد، والأداء الجيد، والديكور الجيد كذلك”.

ما هي طقوس التأليف عند سعاد بشناق ومن أين يأتيكِ الإلهام؟

“لا يوجد طقس معين غالبًا، فالإلهام يمكن أن يأتي من أي مكان، وفي أي مكان. حدث وألفت مقطوعات وأنا على متن الطائرة، أو في القطار، أو في غرفة فندق، وغالباً في الاستديو الخاص بي، لكن العامل المشترك في كل تلك الأمكنة هو الوقت، فقريحتي الموسيقية تنشط ليلاً فقط، في العتمة، بعد أن ينام الناس، ويعم الهدوء. عندما أشرع في تأليف موسيقى تصويرية لفيلم، أحرص على قراءة النص، وأجد غالباً فيه الإلهام. لكني أتخطى ذلك إلى رؤية المشاهد ووجوه الشخصيات ومشاعرها وشكل الإضاءة والألوان، لأن ذلك يمنحني تصورًا عميقًا لشكل الموسيقى المرافقة لهذه المشاهد. في التأليف الحر، يأتي الإلهام من فكرة أو تساؤل حر، فعملي الأخير للاوركسترا مثلاً كان بعنوان “ذاكرة الشمس”، كان عبارة عن إجابة لسؤال ماذا ترى الشمس حين تطلع على حياتنا وتغيب؟ ماذا يعلق في ذاكرتها من حكايانا؟”

رغم زخم المغنّيات العربيات، ثمة شح ملحوظ في أعداد المؤلفات الموسيقيات… ما السبب برأيك؟

“أشاركك التساؤل، ولا أعرف السبب حقاً. ربما لشيوع صورة المؤلف الموسيقي الرجل حتى في الغرب، حيث لا تدرج معظم أوركسترات العالم في برامجها السنوية أكثر من 10% فقط من معزوفات المؤلفات النساء. وربما لغياب النساء القدوة في الجيل الأكبر سنًا من النساء المؤلفات في المنطقة العربية، لكني ألاحظ نشاطًا عند المؤلفات الشابات في الوقت الحالي وأرى فيهن أملاً للمهنة في المنطقة العربية”.

كيف تنظرين إلى الموسيقى الجماهيرية وأغاني الشارع العربي المعاصر اليوم؟

“رغم اختلاف النمط والنطاق الموسيقي الذي أؤلف فيه عن أغاني الشارع، أرى أن الموسيقى الجماهيرية تشهد نهضة ملفتة، على الأقل على صعيد الموسيقيين المستقلين. أحب أن أسمع وأتابع أعمال الكثير من الموسيقيين الجماهيريين واستمتع بها بحق”.

ما الإنجازات التي تفخر بها سعاد بشناق على الصعيد المهني؟

“هناك الكثير من المحطات التي افتخر بها في مشواري المهني، أحدها أنني أنجزت الكثير من المؤلفات في مجال الأفلام كفيلم “المنعطف” للمخرج الأردني رفقي عساف، الذي نالت إحدى مقطوعاته الأساسية بعنوان “الطريق إلى جنين” جائزة فضية في جوائز الموسيقى العالمية، وترشحت لجائزة أفضل موسيقى عالمية في هوليود من قبل Hollywood Music in Media Awards (HMMA) وهو ترشيح كنت أحلم به. كما أفخر بإنجاز قطعة بعنوان “توب العيرة” وقد ألفتها لصالح فيلم وثائقي بنفس الاسم من إخراج المخرجة السورية الشابة لين الفيصل، لتعزفها أوركيسترا المغتربين السوريين ببرلين، وقد سمعها المؤلف الألماني العالمي، الغني عن التعريف، هانز زيمر وأحبها وشاركها على صفحته على الفيسبوك، ما شكل لحظة فارقة في حياتي المهنية. بالإضافة إلى اختياري لأن أكون ضمن 6 مؤلفين كنديين في منحة لمدة 9 أشهر في المركز الكندي للأفلام. كما تم ترشيحي وانتخابي في نقابة المؤلفين الموسيقيين الكنديين لأكون ضمن الطاقم الإداري للنقابة”.

كيف ترينَ مستقبل المرأة العربية في مجال صناعة الموسيقى؟

أرى مستقبلاً مشرقًا للمرأة العربية في مجال صناعة الموسيقى، وأسمع أصواتًا جديدة تشق طريقها في شتى مجالات” الموسيقية، أصواتًا مختلفة لديها الثقة والموهبة لتقديم أعمالها على الجمهور. إنَّ تحسُّن المستوى الفني للمنطقة العربية ينعكس إيجابًا على المؤلفين جميعًا، ويمنحنا أرضية صلبة للتنافس الشريف الذي يرتقي بمستوى المؤلَفات، ويطلق العنان للإبداع”.

ما مشاريعك القادمة… وما هي خططك المستقبلية؟

“أعمل حاليًا على تأليف ألبوم موسيقي باسم مبدئي “موسيقى تصويرية من السينما العربية المستقلة”، فقد حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، سيحوي بين 8 إلى 10 مؤلفات عملت عليها من حوالي خمسة أفلام عربية مستقلة. كما أفكر في تسجيل الموسيقى الاوركسترالية لخمسة قطع هي “غداً” و”نارنج” و”ثوب العيرة” و”ذاكرة الشمس” و”عُبادة”، لكني أبحث عن شركة إنتاج تتبنى المشروع”.

كلمة أخيرة توجهينها للفتيات الموهوبات اللاتي يسعين إلى احتراف الموسيقى؟

“إذا كنتِ فعلاً شغوفة بالموسيقى، فعليكِ ألا تتخلي عن هذا الحلم. هو ميدان صعب، لا شك، حيث يتسم بالتنافسية وقلة المردود المادي بالنسبة للمجهود، ويتطلب منك الجد والاجتهاد في تطوير نفسكِ ومهاراتكِ، والمرونة والانفتاح على من تعملين معهم. وفي هذا الزمن سريع الوتيرة، حيث أصبح النجاح يقاس بعدد اللايكات والمشاهدات، تذكري أن النجاح الحقيقي يكمن في الأعمال التي تعيش في ذاكرة المستمعين، وتؤثر فيهم، وليس في الانتشار فحسب، فليس الانتشار مقياسًا عادلاً للنجاح”.

مقالات مقترحة

قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: يسرى الهواري
بدأت يسرى ذات 35 عامًا تعلم الموسيقى الكلاسيكية والبيانو من سن صغير جداً. درست الفنون الجميلة لديكور المسرح والسينما في...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغنية العربية عبر الزمن
في ذاكرة الأغنية العربية آلاف الأغنيات التي تتحدث بلسان حال المرأة، فبين العاشقة المشتاقة، وبين المُحِبّة المظلومة، وبين الثائرة على...
عايشة وليلى ومريم… تعرفي على النساء في الذاكرة الجمعية للأغنية العربية
في صناعة الموسيقى العربية، يتخطى دور المرأة مكانها كموسيقية أو مؤلفة أو مغنية، إلى مكان آخر أكثر عمقًا، وأكثر تماسًا...