الخط الرفيع بين الحمية واضطراب الأكل

معظم الحالات لا يتم اكتشافها لأن المريض يخفي ما يمر به حتى أمام أقرب الناس إليه.
د. لؤي حلالشه

August 29, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

بالرغم من التقدم الذي تشهده المنطقة العربية في العديد من المجالات، والدور الريادي والقيادي الذي تساهم فيه المرأة العربية، خاصةً في تغيير المفاهيم التقليدية للمرأة في المجتمع، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات ومفاهيم خاطئة، من ضمنها المظهر الخارجي والجمالي. حيث أن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وظواهر أخرى مثل الإساءة اللفظية أو الجسدية أو التنمر بسبب المظهر الخارجي، تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز هذه الأفكار. هذه العوامل وغيرها قد تقود المرأة للجوء للعديد من الطرق للوصول إلى “الشكل/الوزن المثالي”، الأمر الذي قد يوقظ اضطرابات نفسية عند البعض. 

سنتكلم في هذا المقال عن اضطرابات الأكل، وذلك لعدم وجود الوعي الكافي في المنطقة العربية بوجود مثل هذه الاضطرابات ومدى خطورتها على الصحة الجسدية والنفسية سواء من قبل المجتمع أو مقدمي الرعاية الصحية.

جميعنا لديه عادات مختلفة في تناول الطعام، وهناك العديد من الحميات الغذائية التي تساعدنا على الوصول إلى حالة صحية جيدة. لكن هناك من يعاني من خوف شديد من السمنة بطريقة مؤذية تؤثر على العادات السليمة في الأكل، وهذا ما يسمى بـ”اضطراب الأكل”. يشمل الاضطراب: الأكل الزائد، أو شح الأكل، أو استخدام وسائل مضرة للتخلص من السعرات الحرارية. سنتحدث اليوم عن اضطرابين اثنين؛ “اضطراب فقدان الشهية العصابي” و”اضطراب الشره العصبي”، وذلك لتشابه الأعراض والعوامل المؤثرة والعلاج بينهما، فقد تبدأ أعراض إحداهما ثم تتحول للآخر.

الأشخاص الأكثر عرضة للاضطرابات الغذائية هم الإناث، وبالأخص في عمر المراهقة؛ حيث أنهن أكثر عرضة بعشرة أضعاف مقارنةً بالذكور، مع ذلك نلاحظ أن هذه الاضطرابات بدأت بالتزايد لدى الذكور أيضاً في الفترة الأخيرة. في “اضطراب فقدان الشهية العصبي” يكون وزن الشخص تحت الحد الطبيعي، أي أن مؤشر كتلة الجسم (BMI) أقل من 17.5، وفقدان الوزن يحدث بشكل رئيسي بسبب تجنب تناول الأطعمة “الدسمة”، أو التمارين الرياضية الزائدة، أو القيء الذاتي، أو استخدام الملينات ومدرات البول والحقن الشرجية. 

كما يكون هناك اضطراب في نظرة الشخص إلى شكله أو قيمته كفرد في المجتمع، أو حتى في إنكار خطورة الوزن الحالي المنخفض. ويعتبر فقدان الوزن عند هؤلاء الأشخاص بمثابة إنجاز إيجابي أو “مكافأة” حيث يعاني المصابون بهذا الاضطراب من قلة الثقة بالنفس واحترام الذات.

يبدأ “اضطراب الأكل” بحمية عادية، وبعد فترة يبدأ الالتزام بشدة بها مع وجود أعراض ثانوية مثل الانسحاب الاجتماعي والهوس. 

الأعراض:

  • القلق المتزايد حول الوزن.
  • قلة الأكل والهوس بعدد السعرات الحرارية.
  • التمرين الزائد لحرق السعرات الحرارية.
  • عدم القدرة على السيطرة على الرغبة في فقدان الوزن، حتى وأنت تحت الحد الطبيعي للوزن بالنسبة لطولك وعمرك.
  • التدخين الزائد ومضغ العلكة للحفاظ على انخفاض الوزن.
  • الهوس بمعرفة وزنك وشكلك ومظهرك في المرآة.
  • الانسحاب من المناسبات الاجتماعية التي تتضمن تناول الطعام.
  • ارتداء ملابس واسعة لإخفاء جسمك.
  • انخفاض الرغبة الجنسية وانقطاع الدورة الشهرية لدى الإناث، أو ضعف الانتصاب وتقلص الخصيتين عند الذكور.

تشخيص الاضطراب يعتمد بشكل كبير على السيرة المرضية، أما الفحص السريري فيلعب دورًا أكبر في معرفة الضرر الحاصل وتأثيره على الجسم، ومعرفة ما يجب عمله من فحوصات الدم وتخطيط القلب والصور الشعاعية. التحدي في التشخيص يكمن في إقصاء وجود مرض جسدي قد يكون هو المسبب لهذه الأعراض، مثل “متلازمة ما بعد الالتهاب الفيروسي” أو “متلازمة الإرهاق المزمن” أو حتى وجود ورم دماغي.

تبعات هذا الاضطراب كثيرة ومقلقة، فعادةً ما يعاني المريض من الاضطراب العاطفي، والقلق، وتقلب المزاج. وقد يترتب على ذلك قلة الاهتمام بالنفس، وتقليل النشاطات التي تُشعر المريض بالراحة، وقطع الأهداف التعليمية والوظيفية. كما أن التجويع يؤثر على أجهزة الجسم كافة، مثل ضعف كثافة العظم، وضعف العضلات ومن ضمنها عضلة القلب، وتقلص حجم الدماغ، وقد يصل إلى الوفاة حيث أن نسبة الوفاة تقدر بـ0.59% عند الإناث المصابات كل سنة. ومن الجدير بالذكر أن “اضطراب فقدان الشهية العصبي” مترافق مع اضطرابات أخرى، حيث أن ثلثي المرضى يعانون من “الاكتئاب”، والثلث الآخر يعاني من “اضطراب الوسواس القهري”.

أما بالنسبة لـ”اضطراب الشره العصبي”، فهو يتمثل بنوبات من شره الطعام، يليها تصرف تعويضي مثل القيء الذاتي، أو “التطهير” باستخدام الملينات ومدرات البول والحقن الشرجية، أو الصيام، أو ممارسة الرياضة لمنع زيادة الوزن. وكما في “اضطراب فقدان الشهية العصبي”، يتم تقييم الذات على نحو غير ملائم من حيث المظهر والوزن، ولكن الفرق أن الوزن هنا يكون ضمن المعدل الطبيعي. المصابين بهذا الاضطراب لا يظهرون الأعراض للأخرين ولا يسعون إلى تلقي العلاج. الخوف من تلقي العلاج يكمن في أنهم قد يجبرون على التوقف عن الاستفراغ والتطهير، وبالتالي زيادة الوزن بسبب نوبات شره الطعام، فيقع المريض في حلقة مفرغة للحفاظ على الوزن عن طريق الإفراط في تناول الطعام ومن ثم التطهير.

نوبات الشره عادةً ما يكون مخطط لها، حيث يقوم المريض بشراء الطعام أو تحضيره لتناوله بدون انقطاع، كما أنه يتجنب تناول الطعام مع الآخرين لصعوبة ضبط نفسه. يعاني معظم المرضى من تقلبات المزاج والقلق أيضاً.

التشخيص هنا أيضاً يكون عن طريق السيرة المرضية أيضاً، أما الفحص السريري قد يبين علامات معينة مثل وجود علامات على ظهر اليد نتيجة المحاولة المستمرة لتحفيز الاستفراغ، وتضخم الغدد اللعابية، والاستسقاء، بالإضافة إلى تآكل الأسنان. يعاني المريض عادةً من عدم انتظام نسبة الأملاح، الإمساك، الجفاف، التهاب المريء، اعتلال عضلة القلب، عدم انتظام دقات القلب ومشاكل في الغدد الصماء.

عوامل الخطورة:

  • العوامل الجينية، حيث وجد أن الإناث الأقرباء من شخص مصاب بـ”اضطراب فقدان الشهية العصبي” أكثر عرضة للإصابة بـ11.4 ضعف الأشخاص الآخرين.
  • أن يكون أحد أقرباء الدرجة الأولى أو الثانية يعاني من اضطرابات، او إدمان الكحول، أو أن تكوني طفلة لأم أصيبت بـ”اضطراب فقدان الشهية العصبي” سابقًا.
  • وجود تاريخ إصابة بالسمنة المفرطة، أو صعوبات التغذية في فترة الطفولة، أو الحيض المبكر.
  • التأثير المجتمعي والثقافي، وتأثير وسائل الإعلام بخصوص الوزن والمظهر المثاليين.
  • أن تكوني شخصية تسعى إلى الكمال.

معظم الحالات لا يتم اكتشافها من قبل مقدمي الرعاية الصحية الأولية وتبقى في الخفاء، وذلك لأن المريض يخفي ما يمر به حتى أمام أقرب الناس إليه. لذا قد تبقى حالته المرضية دون اكتشاف لأشهر وحتى لسنوات.  

العلاج:

يتضمن العلاج مراحل متعددة ومع عدد من الأخصائيين، مثل أخصائي الطب النفسي، والمعالج النفسي، وأخصائي التغذية، وطبيب الأمراض الباطنية أو طبيب الأسنان، بالإضافة لشريك حياتك أو عائلتك.

تتضمن الخطوات الأولى علاج الأمور الجسدية؛ مثل اضطرابات الهرمونات وأملاح الدم، الوصول إلى الوزن المناسب في حالة “اضطراب فقدان الشهية العصبي”، أو إعطاء مضادات الاكتئاب في حالة “اضطراب الشره العصبي”.

بعد ذلك:

  • العلاج المعرفي السلوكي.
  • العلاج الكلامي.
  • العلاج القائم على الأسرة، حيث يكون أفراد العائلة معنيين في عادات الأكل عندك حتى تتمكني من القيام بذلك بنفسك.
  • التعليم الغذائي لتصحيح عادات الأكل السيئة والوصول للوزن المناسب، وأخذ الخطوات المناسبة لتجنب الحمية غير الصحية أو التطهير.
  • الدخول للمستشفى للسيطرة على مشاكل جسدية أو مشاكل نفسية؛ حيث بينت الدراسات أن خُمس حالات “اضطراب فقدان الشهية العصبي” تكون بحاجة لدخول المستشفى للعلاج.

مقالات مقترحة

السلام الداخلي: رحلة حياة
الرسوم من شترستوك ”إن الرغبة في المزيد من التجارب الإيجابية هي بحد ذاتها تجربة سلبية، والمفارقة أن قبول المرء لتجاربه...