الركلة الأولى

هكذا انتقلت حقيقة الحمل من فكرة غير مرئية في رأسي إلى إثبات متجسّد.
هدير الحضري

February 20, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

رأسي كالمصفاة، تُسقط التواريخ والوجوه والأسماء فلا تبقى على فرْح ولا حزن، تفعل التجارب ما تفعل بي ثم تمضي ولا يبقى في القلب منها سوى خط رفيع وأثر باهت لتدخل جراحي، يذكّرك بأن مِشرط حاد مرّ من هنا.

كانت الأمور بهذه البساطة قبل تسعة أشهر. هل أخاف مشارط التجربة؟ بل أرتعد بكل جبن لكنّني أفسح لها المجال وأبحث عنها، أنا التجربة وخليط الشجاعة والخوف، مزيج من الصلابة والضعف، وأنا أم جديدة لم تستبدل تماسكها بطفولتها بعد وكلّما شعرت بأن الوقت حان لتصبح مسئولة تنتابها الرجفة من هول الفكرة.

في وقت نادر، كنت جالسة لا أفكّر في شيء، أردت أن أسكب بعض الرحمة في رأسي وأعقد تصالحًا مؤقتًا بين أفكار تلتهمني بنهم، سرقت ساعة من الخواء عبر الهدوء جسدي وتشبّعت بالسكون لدقائق ثم فجأة شعرت بركلته الأولى فغرقت في الضحك والارتباك.

حاولت أن أقبض على شعوري في تلك اللحظة لأفهم ما هو، ما هذا؟ ولماذا ارتعدت وانتابتني سعادة فجائية؟ طاردت شعوري هذه اللحظة كصائدة فراشات تمسك برطمانًا زجاجيًا شفافًا في يدها، وتبذل الجهد في حبس فراشتها الزاهية لتتأملها على مهل فيما بعد بمحبّة وانبهار. بعد خمس شهور، بدأ صغيري في تحويل حركاته إلى شعور حقيقي وانتقلت حقيقة الحمل من فكرة غير مرئية في رأسي إلى إثبات متجسّد، ها هو يكرّر الركلة ليثبت لي أن ما ظننته لشهور حلمًا عابرًا كان حقيقيًا وأنه فقط احتاج بعض الوقت للتكوين، هل بدأت علاقتنا الحقيقية في تلك اللحظة؟ لست أدري ولكن أزعم أنني قبل تلك الركلة كان طفلي بالنسبة إلي مجرّد فكرة، خيال لا أستطيع ملامسته، لا أشعر به أو لا أعلم كيف أشعر به.

عانيت من آثار مدمّرة لمتاعب شهور الحمل الأولى وبالطبع كانت غالبية الأدوية محظورة، قبل تناول أي دواء كان رأسي ينفجر من البحث عن تأثيره على الجنين وسؤال عدّة أطبّاء عن استشارتهم، نظريًا بالطبع كنت أخشى على جنيني باستماتة، أحمي إنسانًا لم يتكوّن بعد، لكن واقعيًا لم ينجح قلبي في تكوين علاقة ارتباط قوية بطفل لا زلت لا أشعر به. هل تصبح الفتاة أمًّا بمجرد الحمل؟ بالنسبة لي ليس صحيح، كنت أمر على محال مستلزمات الأطفال يوميًا ولم تواتيني الشجاعة لأبدأ المشاهدة والاختيار أبدًا، ظللت لشهور أراها خطوة لم يحن موعدها بعد ولم أوجّه اللوم إلى نفسي، أردت لعلاقة المحبّة بيني وبين طفلي أن تنضج تدريجيًا وعلى مهل، لن تنسكب الأمومة في قلبي فجأة ولن تنفجر العاطفة في عروقي لمجرد علمي بأنني حامل، كنت أحتاج إلى الكثير من الوقت لأتلمّس بأصابعي ما يحدث في رفق وصمت، وقفت أمام نفسي أشاهدها من خلف باب زجاجي سميك وأراقب تحولاتها وأرصدها، لم أكن متحفّزة لها ولكننّي فقط أردت أن أكون رحيمة، أن أعطيها فرصتها الكاملة لنسج هذه العلاقة التي يحاول الجميع القول أنها تحدث فقط بالفطرة، وأن أتملّص من سجن الإلزامية والمحبّة المفروضة المرتبطة بفكرة الأمومة، في الحقيقة كان الأمر بالنسبة لي علاقة صداقة لا بد أن تأخذ وقتها الكافي في التكوين.

طيلة حياتي لم أنجح أبداً في رصد تحولات دقيقة لمشاعري ولكنني اهتممت بتأمل تغيرها من حين لآخر، غضبت كثيرًا من عشوائيتي المفرطة واللا مبالاة التي ألقي بها التجارب خلف ظهري فيبدو الأمر أحيانًا كأن شيئًا لم يحدث وكأن الفترات العصيبة التي مررت بها كانت هراء، بينما كنت في هذه التجربة تحديدًا أرى وأندهش، وجدت نفسي في الشهر السابع من الحمل أدخل إحدى محال الأطفال التي شعرت سابقًا أنها لا تعنيني، راقبت تسلل شعور الفرح إلى قلبي وأنا أختار لعبة صفراء جميلة وملابس صغيرة جداً وحذاء بحجم كفّة يدي. تدريجيًا، تسرب الشوق لرؤيته إلى قلبي، ضبطت على وجهي ابتسامات عريضة ونظرات من الحنين تغزو عيني مع كل ركلة، وجدت يدي تتسلل وحدها لتلامسه وتربت على بطني، ربما الآن كانت رأسه في هذه الناحية وربما قدميه، لا يهم، المؤكد أنه يشعر بلمستي. لم أعرف أبداً معنى أن تتغير الحياة بأكملها إلا حين مررت بهذه التجربة، لم أعلم كيف يمكن أن نشعر كنساء بالفرح والخوف والقلق والشوق وبعضًا من الرفض أيضاً في نفس اللحظة.

باختصار، كان طفلي مجهولاً حتى ركلته الأولى، وأنا لا أستطيع التعاطف مع المجهول.

بعد ساعات قليلة من الولادة، وحين حملته للمرة الأولى، لم أصدق نفسي، لم أستوعب أن هذا الصغير هو من كان يركل بطني بقوة لمدة أشهر و لدقائق تعجبت كيف كان في بطني من الأساس. في الأيام التالية ارتديت مسؤوليته كاملة بشكل مفاجئ، و لدهشتي وجدتني بتلقائية أطعمه وأغير ملابسه واحتضنه بقوة وأغني له، وأفارق النوم أيامًا كاملة لأجله وكلها أمور لو حدثني أي شخص قبلاً أنني سأفعلها لاتهمته بالجنون، حينها شعرت ببدايات ظهور ما يسمونه الأمومة.

كتبت تلك التفاصيل على مرحلتين، الأولى أثناء الحمل والثانية بعدما خضت التجربة فعلاً وفي الحقيقة أشعر بالهول من التغيير الذي أصابني. لا تمت حياتي الجديدة لسابقتها بصلة، ها أنا ذا من الحرية التامّة وحفلات السينما والمسرح ومقابلات العمل والأصدقاء إلى البقاء أيامًا متتالية في الغرفة مع طفل لا يعرف شيئًا في الدنيا سواي، فارقت النوم وأصبحت لا أعلم شيئًا عن هاتفي لأيام ولا أسمع سوى بكاء متواصل، وها هي الركلات التي كانت تموج في بطني تتجسّد أمامي حيّة لتخبرني بأنني أم، مع أنني كنت أحاول تدريجيًا استيعاب الفكرة.

في زيارتي الأولى لطبيبي بدوت متعبة ومحبطة للغاية، فقدت الكثير من الوزن واجتاحت وجهي الهالات السوداء وعلاه الشحوب  فقال لي أن الأمر سيستغرق بضعة أسابيع حتى تنشأ كيمياء فطرية بين الأم وطفلها ونصحني بالصبر، صدّقته لأنني آمنت أن الحب الأمومي لا يتدفّق ومثله مثل أية مشاعر سيأخذ رحلته في التشكل، ببساطة توقفت عن انتظار العاطفة الجياشة وتركت نفسي للأيّام لأكتشف بعد فترة أن هذا الصغير أصبح نقطة ضعفي الأكبر وأن ابتسامته الخالية من الأسنان تسكب في قلبي بهجة لم أشعر بها من قبل، صحيح أنه ابتلع وقتي كاملاً لكنني وجدت نفسي سعيدة ومتسامحة ومحّبّة، وبكائه الذي كان يثير أعصابي في البداية أصبح يثير حناني عليه فاحتضنه وأقبّله بين عينيه وأحكي له كصديق عن تفاصيل الرحلة التي سبقت لقائنا.

شكرًا لطفلي الصغير الذي منحني هذا الفيض من الحب، لولاه لما اختبرت تلك المشاعر.

مقالات مقترحة

سألنا الشباب: لماذا تجتمع العائلة في رمضان دون غيره؟
الصورة من شترستوك وصمة التكنولوجيا الكبرى هي ما خلقته من عزلة اجتماعية وتفكيك أسري واجتماعي، جعلت لكل شخص هاتفًا صغيرًا...
خالتو لولو تعلق على صراع العروش
ألا نتمنى جميعًا أن نتمكن من الربط بين الأجيال القديمة وأجيالنا؟ خالتو لولو مستوحاة من شخصية لمياء توفيق، فهي الخالة...
دليلك لممارسة الرياضة في رمضان
في شهر رمضان، يحدث تغيير في النظام اليومي الروتيني الذي اعتدنا على اتباعه في الأوقات الأخرى فيصاحب تغيير مواعيد تناول...
رائدات الدراما الرمضانية: بهجة تجدد كل عام
رسوم دينا فواخيري ارتبطت أسمائهن بالشهر الكريم حتى تحولن لأيقونات رمضانية تجدد نفسها عام بعد عام، فمهما ظهر الجديد من...