الطموح في مواجهة الزواج: البقاء للأقوى

تغيرت نظرة الجيل الجديد لفكرة الزواج، ولم يعد يصدمهن الوصول المتأخر للفارس على حصانه الأبيض.
شيماء جلهوم

November 19, 2018

وقت القراءة: 3 الدقائق

لم تعد فكرة الزواج هي رقم واحد على أجندة طموح الكثير من الفتيات، ولم يعد حلم الأمومة والإنجاب هو الحلم الذي يداعب الفتاة منذ نعومة أظافرها. أما العمل، تحقيق الذات، السفر، الاستمتاع بالحياة، أصبحت كلها أمورًا أكثر أهمية من تحضير دجاجة للطهي قبل الذهاب للعمل.

عبر موقع التواصل الاجتماعي، وفي جروب سري خاص بالفتيات، تساءلت معيدة بالجامعة: “هل أوافق على فرصة سفر لإنجلترا والعمل كأستاذ مساعد بجامعة هناك، أم أخضع لرغبة أسرتي وأنتظر حتى أتزوج؟”

انتهى السؤال الذى كتبته الفتاة العشرينية، ولم تتوقف الإجابات منذ ذلك الحين. قمت بحفظ منشورها لعدة أيام، في كل يوم أطل عليه من جديد لأرى الإجابات وألمح كيف تغيرت نظرة الجيل الجديد لفكرة الزواج، ولم يعد يصدمهن الوصول المتأخر للفارس على حصانه الأبيض. عشرة آلاف إجابة وأكثر تلقتها الأستاذة الجامعية وتلخصت جميعها في كلمة واحدة؛ “سافري”.

لا نعرف على وجه الدقة إن سافرت الفتاة أم لا، لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد أيامٍ قليلة، سألت فتاة أخرى: “أيهما أفضل للهجرة…البرازيل أم جمهورية الدومينيكان؟ وهل من الأفضل أن تكون الفتاة متزوجة أم عزباء إذا فكرت في الهجرة؟” لم تعرف الكثيرات ردًا على النصف الأول من السؤال، لكن الجميع كانت إجابتهم واحدة على النصف الثاني؛ “هاجري لوحدك وإنتي خفيفة”.

ومن وجهة نظر أخرى، قبل سنوات تنازلت صديقة عن استكمال تعليمها من أجل الزواج، وارتضت أخرى أن تتم خطبتها بدبلة فقط، أما الثالثة فقد وافقت على الزواج في منزل عائلة زوجها وبشقة مشتركة مع أهله. وبعد مضي العمر، اكتشفن جميعًا أن ما فعلوه لم يكن أبدًا تضحية: “انتوا اللي رضيتوا و اتنازلتوا”، هكذا قيل لهم.

تجارب كثيرة مرت بها «ياسمين سعد» التي شارفت على الدخول في العقد الثالث من عمرها، لكنها لم تزل أبية على التنازل؛ ترفض التضحية بأحلامها وأمنياتها المستقبلية وطموحاتها للقادم من أيامها كما أي فتاة مصرية. تحاول ياسمين الهروب من بين المطرقة و السندان، يجبرها المجتمع على قبول خوض أي تجربة، وقرارها بالتمرد على ما يفرضه عليها المجتمع عامة و أسرتها على الأخص قبل إتمامها الثلاثون من عمرها لم يكن بهذه السهولة، فقد اضطرها الأمر للخضوع لجلسات علاج نفسي كي تتجاوز أزمتها مع الزواج الذي تفرضه عليها أسرتها، والحب وتحقيق الذات الذين أضناها البحث عنهما. تعمل ياسمين في الصحافة و شغوفة بالسينما، والزواج بالنسبة لها ليس مشروع مادي أو شراكة قد تنجح وقد تفشل، فتصر الفتاة العشرينية على أنها إن اختارت أن تتزوج؛ فهذا يعني أنها لن تفشل أبدًا. هكذا هي؛ إن أقدمت على شئ، لا تنهيه قبل أن تفرغ منه تمامًا ويفرغ منها، ولا تزال ياسمين تتابع مع طبيبتها النفسية، تقاوم موجات المد الأسرية وتنحت صخرًا في عملها، لعله يصيبها بعض الماء.

“الزواج ليس كالماء والهواء”… الجملة المستوحاة من كلمات طه حسين، كتبتها «نهال حسونة» على ورقة بيضاء، ثم وضعتها على حائط غرفتها منذ أن قررت السفر لاستكمال دراستها، رغم معارضة أهلها لرغبتهم في تزويجها أولاً. الزواج كفكرة ليس قادرًا على إقناع نهال، أما كشركاء، فقد عانت الفتاة التي تدرس الماجستير من الرجال الذين أوقعهم قدرها بين يديها: “واحد عاوزني ما اشتغلش بعد الجواز، والثاني بيسألنى إذا كان ليا أصدقاء أولاد ولا لأ، وواحد ثالث كان عايز يخليني أقفل كل حساباتي على مواقع التواصل ولا أحمل أبدًا هاتف ذكي!” كانت نهال أذكى منهم جميعًا، فالرفض كان هو الرد الوحيد والفتور من جانب أهلها كان ردهم تجاهها: “علاقتي بمعظم أهلي من الدرجة من بعد أمي و أخويا و أختي… شبه مقطوعة، كل اللي بيجيب لي عريس و أرفضه بيزعل و مايكلمنيش تاني حتى لو عندي حق في الرفض”. وكانت رغبتها في السفر هي القشة التي قصمت ظهر أسرتها: “اتخانقوا معايا وهددوني، لكن أنا صممت و خدت إجراءات في سفري، وأختي الكبيرة اللي بتعاني في زواجها هي الوحيدة اللي واقفة جنبي”.

وكان السؤال الآخر على موقع التواصل الاجتماعي: “ايه الحاجة اللي ندمتي عليها ولو الزمن رجع هتفكري كثير قبل ما تعمليها؟”، إجابات عديدة شاهدتها: “ماكنتش هاتجوز”، “كنت كملت تعليمي”، “كنت ما اتنازلتش عن حقوقي”، “كنت ما خلفتش أول ما اتجوزت، ولما خلفت الأول، كنت استنيت أكثر قبل ما أفكر في الحمل الثاني”.

مما جعلني أتذكر كلمات أمي قديمًا: “كلمة «ياريت» عمرها ما تعمر بيت”، لكن ماذا لو عُمر البيت؟ ماذا لو تحقق الحلم؟ ماذا لو تزوجت وحققت حلمي وأحببت رجلاً وصار كل ما أتمناه؟ وهذا ما حدث مع «رفيدة رمضان» التي تزوجت متأخرًا عن قريناتها؛ شقيقتها الأصغر بخمس سنوات كانت حاملاً في طفلها الثاني في عرسها، أما شقيقها الوحيد والذي يصغرها بسبع سنوات، فقد تزوج و أنجب و طلق وارتبط بأخرى وهي لم تزل تجيب نفس الإجابة كلما سألها أحدهم: “مافيش جديد؟” فترد “لا والله لما يبقى في جديد مش هخبيه”. استمرت الإجابة ذاتها لسنوات طويلة، نجحت رفيدة في عملها وترقت أكثر من مرة، شغلت عدة مناصب في عملها بالإعلام واتسعت أعمالها الخيرية، بالإضافة إلى مشاركاتها بالأنشطة الثقافية، سافرت لعدد من الدول وزارت أغلب محافظات مصر. سكنت في شقة مستقلة عن أهلها، لكنها قريبة منهم. كونت رابطة قوية مع مجموعات من الأصدقاء و الصديقات، كفلوا لها دعمًا غير محدود، و في عامها الثالث والثلاثون، قدم لها صديقها المقرب خاتم خطبة داخل صندوق هدايا للمرة الوحيدة. دائمًا كان هناك جديد في حياة رفيدة، لكن هذه المرة كان جديدها يستحق الذكر: “خُطبت من نفسي أولاً، ثم عرف أهلي، وبعد زواجنا وتأسيس منزلنا، لم أندم لحظة على اختياري وعلى الوقت الطويل الذي مضى في سبيل ذلك الاختيار، وشكرت الله عن كل مرة كان يلهمني فيها ألا أتنازل في سبيل راحة أحد غيري. و ها أنا الآن اقطف ثمار انتظاري”.

رسوم تريسي شهوان

مقالات مقترحة

هل يحق للمرأة العاملة أخذ إجازة الدورة الشهرية؟
رسوم فريبيك استجابت شركة مصرية مدعوة باسم ”شارك أند شريمب“ لدعوات مجموعة من الحملات النسوية على السوشيال ميديا مطالبةً بحق...
عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل
رسوم يارا مراكي التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...