الفنانة آلاء يونس تحتفي بنفرتيتي في خطوات نحو المستحيل

آلة خياطة مصرية تشكل ملامح الثورة الصناعية في مصر.
آية أحمد

January 23, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

نفرتيتي

آلة خياطة

مواد الصنع: معدن وبلاستيك

مكان الصنع: المصنع الحربي ٥٤ في الجمهورية العربية المتحدة

سنة الصنع: أواخر الخمسينات

جاء أول لقاء لي مع أعمال الفنانة المعاصرة، آلاء يونس، عند تجولي في أرجاء مؤسسة الشارقة للفنون في الإمارات، حيث احتفت المؤسسة بأبرز أعمالها التوثيقية والفنية المتعددة الأوجه عبر معرضها الفردي، خطوات نحو المستحيل (2018).

وحاز عملها الفني نفرتيتي (2008) على كل تركيزي، حيث يوثق هذا العمل مرحلة من تاريخ التثوير الصناعي الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر، في فترة عصفت بها الحروب ليس فقط بحياة العرب وإنما بجغرافية منطقتهم ومصادر رزقهم وبنى عائلاتهم. لنتعرف أكثر عن العمل قمت بمحاورة الفنانة ألاء يونس، لاستكشف عن أسباب اختيارها لآلة نفرتيتي لخط تاريخ تلك الفترة:

مرآه: ما هي نفرتيتي؟

ألاء: “نفرتيتي هي ماكينة خياطة من إنتاج المصانع الحربية كانت تُباع بـ47 جنيه وبالأقساط للنساء في مصر، جنيه كل شهر، لتمكنهن من توفير مدخول مادي أثناء انشغال رجالهم بالحرب. كانت جزءًا من وعد عبد الناصر بإنتاج كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ. مع ذلك، قصة ماكينة نفرتيتي غير مدونة بشكل واضح. مثلاً وجدت ضمن بحثي أن أم كلثوم، دعماً للمجهود الحربي، اشترت ماكينات خياطة من المصانع الحربية ووزعتها على أسر الشهداء والمهجرين لمعونتهم بعد حرب 1967، فقدّرت أنها اشترت نفرتيتي.

“بعد التحول للانفتاح وإتاحة السوق لمنتجات مستوردة أكثر تقدمًا، توقف إنتاج نفرتيتي وتحوّلت إلى أيقونة، مختفية أو متخفية. يحاول المشروع ربط هذا الاستخدام الفردي للماكينة، وحقيقة أنه تكرّر، أي أن نساء كثيرات عملن على هذه الماكينات في بيوتهن في وقت واحد (بدون تنسيق بينهن بالضرورة وإنما بسبب الظرف السياسي الذي رسم نهجًا صناعيًا تمخّض عن خلق نوع من الإنتاج الجماعي)، وبين اختفاء الماكينة (أو عدم تسجيلها كقصة أو منتج وطني مؤثر)”.

 

كيف تعرفتِ على نفرتيتي؟

“في سوق الجمعة في القاهرة، ومن بين آلاف الكتب والكهربائيات المستعملة، وجدت الـ “نفرتيتي” – شدني لونها المميز، اسمها المدون بالأحرف العربية ورسم رأس نفرتيتي عليها، لكني لم أشتريها حينها. طاردتني صورة نفرتيتي لمدة أسبوع بعد أول رحلة لي لسوق الجمعة، فقررت زيارتها مرة أخرى ثم اشتريت خمس ماكينات. بعد أن اشتريت الماكينات بدأت مسيرتي في البحث الفني والميداني عن قصة نفرتيتي، فاتجهت لسوق الخياطين وكذلك سألت البائعين عن الماكينة واتبعت خيوط قصة نفرتيتي من هناك.

“قد تكون لطفولتي دور في اختياري لنفرتيتي كمشروع بحث، فأنا شخصيًا حاولت في طفولتي تعلم الخياطة على ماكينة خياطة ألمانية كهربائية ومتطورة، علمتني عليها جدتي. بعد فترة لم تعد الماكينة تعمل جيدًا ولم أحاول أن أصلحها، ولا زلت مع والدتي نحتفظ بهذه الماكينة في البيت إلى اليوم”.

الأرشيف الفرعوني لنفرتيتي

 

نفرتيتي هو اسم فرعوني قديم – ويعني “الجميلة التي تتهادى”. توج المجتمع المصري القديم المرأة الفرعونية، كانت ملكة، عشيقة، وأم بمكانة رفيعة، فأطلق عليها المصريون القدماء “سيدة البهجة“ و”سيدة الأرضين”. ووثق تاريخنا المعاصر دور الملكة “نفرتيتي” كرمز عالمي للجمال والسلطة، إذ كان لها المقعد النسائي الأول والوحيد بين كهنة آتون. وكان لها من القوى أن تقف بجانب زوجها الملك أخناتون لتغير الديانة الرسمية من عبادة الإله آمون إلى عبادة آتون، وبناء عاصمة جديدة لحضارة لم تكن تقبل بالتغيير. فسؤالي لكِ، من دراستك للموضوع لماذا تظنين أنه تم إطلاق اسم نفرتيتي بالتحديد على الماكينة؟

“قد يكون المحور التاريخي للاسم دور في تسمية الماكينة، حيث لعب “التمصير” دور كبير في تكوين المعجم المصري المعاصر لهذه الفترة، حيث شاع تحديث واستعمال أسماء من أصول الثقافة المصرية والاحتفاء بمظاهر المجد المصري، لتصبح كلمات مثل كليوباترا، نفرتيتي،… إلخ جزءًا من استعمال المواطن اليومي. وقد ترجم هذا التوجه في الإنتاج الصناعي في فن تلك الفترة، ومثال على ذلك أغنية أم كلثوم “وقف الخلق”، التي تعكس احتفاء القيادة المصرية الناصرية آنذاك بأمجاد الحضارة المصرية:

وقف الخلق ينظرون كيف أبني قواعد المجد وحدي

وبناة الأهرام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي

أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقدي

“نفرتيتي كانت نسخة من ماكينة هوسكفارنا السويدية (ولونها أخضر)، التي تم إعادة صنعها في المصنع الحربي 54. كما ذكرت، خصصت هذه النسخة لتمكين النساء وربات البيوت من الاكتفاء الذاتي أو لتكون مصدر توفير دخل للعائلة، ولذلك لا بد أن اسم نفرتيتي ولونها وسعرها المميز كانوا أدوات لتسويق المنتج للمرأة المصرية. فنفرتيتي لم تحمل فقط على عاتقها العوائل التي عاشت من نتاجها، بل حملت فكر ونهج وتوجه أمة بأكملها تجاه قوة صناعية. اسمها مربوط بدورها الاجتماعي والاقتصادي.”

هل يمكن أن تشاركينا قصص سمعتها من نساء مصريات عاصرن نفرتيتي؟

“لكي لا أقع في فخ القصة التقليدية التي اعتدنا سماعها عن المرأة الفقيرة أو المُجتهدة التي تشتغل على الماكينة لتستطيع أن تعيش ولكي لا أفرض على الماكينة اتجاه معين، قررت عدم سؤال سيدات اشتغلن على الماكينة بل سمحت للماكينة أن تأخذني هي عبر رحلتها.

“مثلاً، هناك صلة تربط نفرتيتي بالرجال الذين تربوا من خير نتاجها، فالعديد من القصص التي سمعتها عن نفرتيتي كانت من الرجال، وفي ذلك كناية رائعة عن دور المرأة، فمن يروي قصة نفرتيتي (المُنتج) اليوم هو نتاجها – فهو الأبن الذي تربى من إنتاج الماكينة، وهو المُصلح الذي كان تصليح نفرتيتي جزءًا من مصدر دخله، وهو الصحفي الذي كتب عن أو نشأ في زمن مشاريع عصر الصناعة. ولذلك ركزت دراستي على علاقة نفرتيتي بكونها أداة تصنيع بحد ذاتها وتأثيرها الاجتماعي، أكثر من البحث في استهلاكها كمنتج.

“عندما عرضتُ نفرتيتي في القاهرة في 2008، تعرفت إلى قصص جديدة على ألسنة من زاروا العرض وتعرّفوا عليها أو على منتجات أخرى من زمنها. ومنها قصة شامل الصالحي: “كانت الفرد الغير رسمي في كل عائلة. بعض العائلات كان لديها سنجر لكن الغالبية كان لديها نفرتيتي. كان لونها أخضرًا فستقيًا ومثبتة على قطعة أثاث خشبية، كنا كثيرًا ما نضع عليها زهرية مليئة بالأزهار الجميلة في مدخل البيت، حيث كانت هناك طوال فترة طفولتنا. وعندما كان يحين الوقت لفتحها، الأمر الذي يعني أن أمي تنوي أن تخيط شيء ما، كانت تزاح الزهرية، وتفتح البابين إلى الجوانب ثم تفتح الجهة العلوية، ثم تركزها على واحد من البابين، الذين أراهما الآن ككتفين (تذكرني بأغنية بول أنكا “ضع رأسك على كتفي”) ثم تدخل إلى بطن قطعة الأثاث وتخرج الملكة وتضعها على عرشها، جاهزة لتحكم العالم. كان دوري، باعتباري طفلاً، أن أحمل القماش أثناء الخياطة في حال لو كان ستارة مثلاً. كنت أحب أن أراقب بلا كلام، فقط الاستمتاع بالمشاهدة. تعلمت كثيرًا من المراقبة دون المشاركة بالعمل نفسه. بعد سنوات كان عليّ أن أساعد في تلقيم الإبرة بالخيط، كذلك كنت أساعد في حمل الماكينة إلى الخارج لأنها كانت قطعة ثقيلة جدًا. على أي حال، لطالما استمتعت بوجودها فردًا في العائلة وأتساءل الآن لم اختاروا لها مثل هذا اللون في زمن ناصر؟ أعني العلاقة بين هذا النظام الاجتماعي والألوان الباهتة الناعمة مثل الأخضر الفستقي أراها غريبة نوعًا ما.  لا زالت نفرتيتي تعمل إلى اليوم. الغريب أنه قبل سنتين، وعندما كنت مع زوجتي في القاهرة، احتاجت أن تخيط شيئاً وأعجبتها كثيرًا جودة نفرتيتي ودقتها، واندهشت عندما سمعت منها هذا الإطراء. ملاحظة: كان في عمارتنا مدرّسة خياطة مشهورة، مدام زامر وأنا متأكد أنها هي أيضاً كان عندها نفرتيتي”.

“تحكي نفرتيتي عن اهتماماتي في التوثيق الفني، ولم يكن أسلوبي في هذا العمل الفني النداء بتمكين المرأة بل تلمس أهمية دورها في النهضة الصناعية الناصرية. نفرتيتي عمل غير متصنع، أحاول ألا أثقله أو أفرض عليه نظرة نمطية لتمكين المرأة. لكني أترك التأثير لنفرتيتي نفسها، أن تخبر القصة الغنية بالتفاصيل الشخصية والجماعية”. – ألاء يونس  

آلاء يونس، فنانة معاصرة، حاصلة على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من الجامعة الأردنية (1997)، ودرجة الماجستير في الأبحاث من جامعة غولدسميث وجامعة لندن (2016). ولدت عام 1974 في مدينة الكويت، وهي تعيش حاليًا في عَمّان.

 

تصوير آية أحمد

                                      

مقالات مقترحة

التاتش بتاع ياسمين: أفكار إبداعية لإعادة تدوير ملابسك القديمة
عبر لمسات إبداعية بسيطة وسهلة التنفيذ، تعيد الستايلست (أخصائية الأزياء) ياسمين محسن (35 عام) تدوير الملابس القديمة لإنتاج قطع جديدة...
مقابلة مع مصممة الأزياء ومدونة الموضة المصرية هاجر طارق
الرغبة في العثور على قطعة ملابس نادرة ومميزة بطابع خاص مختلف عن تلك التي تعرضها معظم المتاجر، وأصبح أحد قواعد...
الأحذية الرياضية تتفوق على الكعب العالي
"عهد هاني" ترتدي أحذية رياضية منذ أن كانت بعمر الأسبوع، أو بمعنى أصح جوارب على شكل حذاء رياضي، لكنها بقيت...
تجربتي مع دراسة تصميم الأزياء
الأزياء بالنسبة لي هي شكل من أشكال الفن. عندما يذهب الناس إلى المعارض والمتاحف، يتركون أنفسهم يتجولون في الأعمال الفنية،...