المرأة العربية: أكثر من قرن نحو التحرر

خمس نسويات يجب أن تعرفن عنهن وعن طريقهن إلى المساواة.
رحمة ضياء

March 8, 2019

Reading Time: 4 minutes

قبل أكثر من 160 عامًا، وتحديدًا في 1856، خرج آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك الأمريكية، اعتراضًا على ظروف العمل غير الإنسانية التي أجبرن عليها آنذاك، نجحت الشرطة في تفريق المتظاهرات، ولكن نجحت المظاهرة في لفت نظر النظام نحو وضع المرأة العاملة.

وفي 8 مارس 1908، عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر من جديد في شوارع نيويورك، وهن يحملن الخبز اليابس وباقات الورد، في إطار رمزي لحركتهن الاحتجاجية؛ وطالبن بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع، لتُشكل حركة “الخبز والورد” بداية الدعوات النسوية داخل الولايات المتحدة للمطالبة بكافة الحقوق الأساسية للمرأة بما في ذلك الحق السياسي والمساواة في ظروف العمل.

في المجتمع العربي لم يكن الحال أفضل كثيرًا؛ حيث عانت المرأة العربية من دور محدود ووصاية مفروضة عليها من قبل الزوج أو الأب أو الأخ، فضلًا عن قيود مجتمعية تصل لحد منعها من التعليم أو الحق في العمل أو اختيار شريك الحياة، فضلًا عن فرض زي مُحدد يكاد يحجب المرأة تحت نقاب وثوب موحد، حتى بدأت صحوة المرأة العربية مع السنوات الأخيرة للقرن الـ19، وبدايات القرن العشرون.

عدد من النساء العربيات قررن الانتفاض ضد تقييد المرأة وتقزيم دورها، فبدأت الجمعيات النسوية والمجلات والدعوات نحو مزيدٍ من التحرر على غرار المجتمع الأوروبي.

هدى شعراوي: الشرارة الأولى لحرية المرأة المصرية

خلال رحلة استشفائية بأوروبا بعد زواجها، لفت نظر هدى شعراوي الامتيازات التي تتمتع بها المرأة في إنجلترا وفرنسا مقارنةً بالمجتمع العربي، وأنشأت مجلة “الإجيبسيان” باللغة الفرنسية، وتناولت بجرأة موضوع الحجاب عام 1909 مقارنةً بين حياة المصريات والأوروبيات.

وفي بداية القرن العشرين، قررت هدى شعراوي الانتقال من النشاط “الخفي” إلى حياة أكثر انفتاحًا عبر جمعيتها النسوية، ودعت للتأكيد على أن المفاهيم الاجتماعية لا يجب أن تكون مُقيدة لأنها من صنع المجتمع، ودعت إلى أدوار للمرأة تتجاوز نطاق الأسرة، بالإضافة للدفاع عن الحق في التعليم والعمل، كما اتخذت هدى موقفًا محافظًا تجاه النقاب.

وقبل 100 عام وتحديدًا في 1919، لعبت هدى شعراوي دورًا كبيرًا في حشد أكبر مظاهرة نسائية مناهضة للاحتلال البريطاني، واحتشدت النساء في الشوارع لأول مرة، كما قررت مع زميلتها سيزا نبراوي خلع الحجاب علانيةً أمام الناس خلال استقبال سعد زغلول لها عام 1921، وعقب الحرب العالمية الأولى، حضرت أول مؤتمر دولي للمرأة في روما كرئيسة وفد مصر، والتقت موسوليني 3 مرات، الذي أكد أنه يراقب حركات التحرر في مصر.

وفور عودتها، أسست “الاتحاد النسائي المصري”، وعقدت المؤتمر النسائي العربي سنة 1944، وقد حضرته مندوبات عن الأقطار العربية المختلفة، وقررن آنذاك المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية مع الرجل، وتقييد حق الطلاق، والحد من سلطة الولي لتكون مماثلةً لسلطة الوصي، وتقييد تعدد الزوجات إلا بإذن من القضاء في حالة العقم أو المرض غير القابل للشفاء، والجمع بين الجنسين في مرحلتي الطفولة والتعليم الابتدائي، فضلًا عن تقديم اقتراح إلى المجمع اللغوي في بأن تحذف نون النسوة من اللغة العربية.

هند نوفل: رائدة الصحافة النسائية

في الإسكندرية، وتحديدًا عام 1892، عرف المصريين نوعًا جديدًا من الصحافة على يد الفتاة السورية هند نوفل.

بمساعدة من والدها وعمها، أصدرت هند أولى أعداد مجلة “الفتاة”، مُعلنةً أنها أول مجلة متخصصة تتناول كل ما يخص شؤون المرأة، ليعتبرها المؤرخون أم الصحفيات العربيات، وخلال العدد الأول، وجهت الدعوة للمرأة العربية للكتابة والإبداع، وحثتهن على تغيير المفاهيم الراسخة لدى المجتمع بأن الكتابة فى الصحف تقلل من شأن الفتاة وتخدش العفاف وتحط من قدرها.

لاقت هند متاعب عدة، واختارت أن تقود عملية التنوير والتعليم ونشر الأفكار الجديدة عبر مجلة “الفتاة” سعيًا للنهوض بالمرأة، وخصصت أبوابًا صحفية اتسمت بالجرأة آنذاك، حيث تناولت مواضيع جديدة على المجتمع المصري والعربي وعلى رأسها قضايا الزواج والطلاق والنقاب والعزلة والتعليم والعمل والشؤون المحلية والترفيه، كما احتوت على سير ذاتية للنساء من الغرب كالملكة فيكتوريا والملكة الآشورية سميراميس وبلقيس ملكة سبأ ونساء من العصور الفرعونية.

وفى بعض الأحيان، كانت هند تطرح على قرائها أسئلة للمشاركة والإجابة، ففي فبراير 1893، طرحت سؤال “أيهما عمله أكثر مشقةً، الرجال أم النساء؟”، وبالتالي أصبحت مجلة “الفتاة” منتدى للنقاش والحوار حول أدوار النساء.

فاطمة مرنيسي: الحرية للمرأة المسلمة

في غرب القارة الإفريقية وتحديدًا في مدينة الرباط المغربية، نشأت الكاتبة وعالمة الاجتماع النسوية فاطمة مرنيسي، لتقود موجة جديدة نحو تحرير المرأة العربية وتحطيم الثوابت لدى المجتمع الشرقي، فخصصت كتاباتها عن علاقة الإسلام والمرأة وتحليل تطور الفكر الإسلامي والتطورات الحديثة.

تُلخص فاطمة، عبر كتاب “تمرد المرأة والذاكرة الإسلامية”، أسباب نظرة المجتمع العربي للفتاة آنذاك، حيث تقول: “إن ردة الفعل القوية من قبل المسلمين تجاه مسألة تحرر المرأة إشكالية تُعزى إلى قلة النماذج للنساء المتحررات، حيث أن كلا النموذجين الإسلامي والغربي يقدمان نموذجًا مجروحًا للجنسانية”.

وعبر كاتباتها، ناقشت فاطمة مفاهيم الزواج والمواريث وحرية المرأة، فتقول أن: “الزواج الإسلامي يقوم على افتراض أن النظام الاجتماعي يمكن المحافظة عليه فقط إذا تم تقييد خطورة الفوضى الكامنة للمرأة من قِبل الزوج المسيطر، فمن المفهوم أن الذكور المسلمين يشعرون بالرعب من فكرة تحول أنماط عائلاتهم وحياتهم الجنسية إلى أنماط غربية، حيث أن صفات الجنسانية في الثقافة الغربية هي تشويه لاستقامة المرأة”.

لسنواتٍ عدة، بحثت فاطمة في أسباب مخاوف الرجل المسلم من فكرة تحرر المرأة، فترى أن المجتمع المسلم مؤمن بأن الذكور قادرين على اختيار ما هو جيد في الحضارة الغربية، وترك ونبذ ما هو سيء، في حين النساء غير قادرة على الاختيار بشكل صحيح وفقًا للآراء الإسلامية بشكلٍ عام.

أنيسة نجار: 103 عامًا من النضال النسائي

“ليست سنوات نجار الـ100 مجرد رصف للأيام والعقود، بل تكاد تكون شريطًا متواصلاً من الوهج العابق بالحياة، انخرطت باكرًا في الدفاع عن قضايا المرأة، وزاوجت هذه المسيرة مع وعيها الصائب لأهمية تحقيق التنمية الاجتماعية، خصوصًا في المناطق الريفية، لمواكبة نضال نساء بلادها ودعم حقوقهن”، هكذا تم وصف اللبنانية أنيسة روضة نجار، خلال تكريمها في الجامعة الأمريكية عام 2013.

103 عامًا من العمل والنضال النسوي، جعلها أيقونة في العالم العربي فيما يخص مجال حقوق المرأة، ليقرر الرئيس اللبناني ميشال سليمان، منحها وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور في عيد ميلادها الـ100، كما أصدرت وزارة الاتصالات طابعًا بريديًا حمل اسمها وصورتها.

يُنظر لأنيسة نجار على أنها كانت تُمثل الثورة على الانغلاق والشعبوية وخرق القانون والاتحادات المعلبة أو الانغلاق المجتمعي، حيث عملت على مدار تاريخها كناشطة في الحركة النسائية، ومثلت لبنان في مؤتمرات عالمية عِدة، بالإضافة، مُثلت الهيئات النسائية اللبنانية لدى لجنة الأونيسكو الوطنية لمدة سبع سنوات، والعصبة العالمية للسلام والحرية في مؤتمر الأمم المتحدة في طهران.

وأيضاً، أوفدتها الحكومة اللبنانية لمقابلة الأمين العام للأمم المتحدة عام 1985 والذي اعتصم تضامنًا مع الفلسطينيين في لبنان، وانتخبت بعدها بعام رئيسة للهيئات النسائية لبيروت الغربية للتعويض عن غياب المجلس النسائي اللبناني، وفي عام 2010، كما خلدت أفكارها عبر كتاب لم يُنشر حتى الآن حمل اسم “محو أمية العقل”.

أمل الباشا: ثورة امرأة

“لم تفقد الأمل في إعلاء شأن حقوق الإنسان اليمني، فتحوّلت إلى المحامية والمدافعة والداعية الأكبر لحقوق أمتها”، هكذا تم وصف الناشطة الحقوقية اليمنية أمل الباشا قبل 4 سنوات وأثناء حصولها على جائزة امرأة العام من إحدى المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان في الوطن العربي.

أمل الباشا التي حصلت على عدة جوائز عالمية في مجال الدفاع عن حقوق النساء، اختيرت لتكون الناطقة باسم اللجنة الفنية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الشامل بعد ثورة شباب اليمن.

كما اختيرت لشغل منصب مستشارة إقليمية للتحالف الدولي للمحكمة الجنائية الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعملت كمنسقة برنامج مناهضة التعذيب في اليمن بالتعاون مع مملكة فنلندا، ومنسقة برنامج العدالة الانتقالية والحماية من جرائم الإخفاء القسري في اليمن بالتنسيق مع مركز العدالة الانتقالية في نيويورك، فضلًا عن عضوية الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني لثورة الشباب الشعبية في اليمن.

أيضاً، تم اختيارها كمنسقة الشبكة العالمية النسائية للديمقراطية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الدورة الرابعة للحركة العالمية للديمقراطية التي عقدت بإسطنبول في أبريل 2006.

رسوم نور فليحان

مقالات مقترحة

خلف الكواليس: نساء وبنات تم إجبارهن على ارتداء الحجاب
هذا جزء من عمل فني بالصور يركز على نساء وبنات تم إجبارهم على ارتداء الحجاب، إن كان مفروض عليهن من...
نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: يسرى الهواري
بدأت يسرى ذات 35 عامًا تعلم الموسيقى الكلاسيكية والبيانو من سن صغير جداً. درست الفنون الجميلة لديكور المسرح والسينما في...
التقينا بالمؤلفة الموسيقية العربية-الكندية سعاد بشناق
الأغنية أنثى والموسيقى أنثى... النوتة أنثى، والأوركيسترا أنثى. ربما لا تعد هذه صدفًا محضة في عالم يزخر بموسيقياته كما يزخر...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغنية العربية عبر الزمن
في ذاكرة الأغنية العربية آلاف الأغنيات التي تتحدث بلسان حال المرأة، فبين العاشقة المشتاقة، وبين المُحِبّة المظلومة، وبين الثائرة على...