المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي

مرآه تلقي نظرة على تاريخها وواقعها الحالي ومدى تأثرنا بها.
رانيا هلال

May 27, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار

كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات منغمة تنادي على زبائنها بدلالٍ جميلٍ قائلة: ”أبين زين واقرأ الودع“، قفزت إلى مخيلتي فورًا كل تساؤلاتي عن المستقبل وفتى الأحلام المنتظر والحياة التي بعد لم تفتح أبوابها الوشيكة وتساءلت في نفسي ولم لا؟

ناديتها متحسسةً بيدي ما تبقى في جيبي من نقود قليلة، تمنيت أن تكفيها لتقرأ لي الطالع، ناولتني الودع وقالت لي: ”وشوشي الودع يا حلوة“، لم أعرف ماذا أقول فتمتمت قائلةً: ”يا رب خير“. ناولتها الودع فنظرت لي بابتسامة من اطلع توًا على أفكار فتاة تتحرق شوقًا لمعرفة مستقبلها فقالت: “أحمد يبقالك ايه؟ بيحبك وبيخاف عليكي وعاوز مصلحتك، اسمعي كلامه وامشي في ضله هتكسبي“. فضحكت عاليًا وأجبتها: ”ده بابا، كنت فاكراكي هتقولي لي اسم اللي هتجوزه“.

أردفت: ”لسة النصيب مجاش، متستعجليش كله بأوانه وبكرة ييجي اللي يتاقلك بالذهب ويعرف قيمتك“. وعندما لمحت نظرة غير المصدقة لكلامها في عيني قالت: ”على فكرة، أنا مبقولش كلام وخلاص، أنا نفسي يوم ما أقول يا جواز عارفة إني هتتاقل بالذهب أو بالفلوس“، فأجبتها مندهشة: ”ياسلام؟“، ردت: ”طبعًا مش هنجرانية؟“

وتركتني ورحلت وكأنها لا تريد أن أبادرها بالسؤال المنطقي التالي: من هم الهنجرانية الذين تنتمين إليهم؟

تمر الأيام وأرى بعض المشاهد للغجر أو الهنجرانية تظهر في الدراما وفي السينما على استحياء، حتى هذا شهر رمضان 2019 الذي حمل أول مسلسل كامل يتناول حياة الغجر بعنوان ”مملكة الغجر“، تابعت منه بعض الحلقات بدافع الفضول حتى أتبين كم كان واقعيًا ما تم تقديمه بالمسلسل من وصف وتفاصيل لحياتهم.

تناول المسلسل حياة الغجر ورغم تواضع أداء الممثلين بشكل كبير إلا أنه قدم حياة الغجر من خلال بطلة المسلسل الفنانة حورية فرغلي أو ”ياسمينا“ الغجرية الماهرة في السرقة والنصب والتي تتعلم كل ما تريد بشكل سريع ولافت وتطور من نفسها محافظةً في نفس الوقت على قوانين وعادات عشيرتها من الغجر أو الهنجرانية، حتى يقع المحظور وتقع في حب رجل ”أفرنجي“ أو غير غجري وهو ما تحرمه عاداتهم وتقاليدهم كغجر. نرى من خلال المسلسل حياة الغجر كما هي بنسبة كبيرة فهم جماعة من الناس أشبه بقبيلة، لهم قوانينهم ولغتهم وتاريخهم الخاص، ومن اللافت أن تحتل فيه المرأة الدور الأهم، فنجد أن الغجرية هي محور الأحداث لدى الأسرة الغجرية فيتم الاحتفاء بها منذ الميلاد عكس الذكر، ذلك لأنها وحسب اعتقادهم سوف تكبر سريعًا وتتعلم فنون الغجر وتعمل بمهنهم غير المشروعة غالبًا، وتفيض ثراء على أسرتها ومن ثم ستتزوج من غجري مثلها حتمًا وليس ”أفرنجي“ وسيكون مهرها كبيرًا جدًا نظرًا لما تجلبه من أموال ومصوغات جراء السرقة والنصب وخلافه على أسرتها وعشيرتها.

ويطلق على المرأة الغجرية ذائعة الصيت فيما يخص السرقة والنصب: ”الكوديانة“، ويكون لها باع كبير مما تكسب ولها كلمة مسموعة بين أفراد عشيرتها وأسرتها الصغيرة خاصةً أنه جرت العادة ألا يعمل الرجال ويجلسون بالمنزل يقومون بتربية الأطفال والقيام بالأمور المنزلية إلى أن تأتي الزوجة ومعها ما سرقته من أموال أو مصوغات وهو ما يطلقون عليه: ”المبلول“، وإن حدث واختصمت أحد أفراد عشيرتها فلا يلجأون إلى القضاء وإنما إلى “مجلس المغارمة“ حيث يحتكمون إلى كبيرهم ويستمعون إلى حكمه.

يقول الدكتور خالد أبو الليل أستاذ الأدب الشعبي: ”ينقسم الغجر إلى قسمين هم ”الموَّاوية“، الذين يجيدون فن الغناء والأداء الحركي، و”الكشَّاكين“ ممن يعملون حواة أو حدادين أو في ضرب الرمل والودع. وربما يكون النوع الثاني هو الذي دفع المجتمع المصري إلى تهميش الغجر والتقليل من شأنهم بسبب تدني وضع هذه المهن التي يمتهنونها، والتي يلحق بعضها إيذاء بالأهالي. ولكن ربما يكون هناك سبب آخر يتمثل فى هذا العالم المغلق الذي يحيط الغجر أنفسهم به؛ حيث خصوصية اللغة وخصوصية العادات والتقاليد (لدرجة أن الغجري لا يتزوج إلا غجرية) ويقيم ”الغجر“ في أماكن عدة متقاطعة مع قبائل أخري مثل الصعايدة، وغيرهم، وأكثرها من ناحية العدد والظهور هي انتشارًا في حي ”غبريال“ بالإسكندرية، وقرى ”طهواي“ بالدقهلية و”كفر الغجر“ بالشرقية و”حوش الغجر“ بسور مجرى العيون بمصر القديمة وقرى ”سنباط“، المقطم، أبو النمرس ومنشية ناصر، وقليل في قنا والإسماعيلية على حدود القرى، ويصفه مؤرخون بأنه شعب من أكثر الشعوب تعقيدًا و غموضًا في تاريخ البشرية.

أما الدكتور صبحي حنا فيقول عن مهن الغجريات وأهمية ما يقدمونه للغجر في دراسته بكتابه ”جماعات الغجر“، تمارس النساء أعمالًا متعددة: هن راقصات شعبيات وتعمل الكثيرات منهن في ضرب الودع ورؤية الطالع أو العلاج الشعبي، كما تقوم بعض الغجريات ببيع الكحل والخيط والصابون وتمارس أخريات عملية الوشم، كما يمارسن الاستجداء بصور متعددة فمنهن من يستجدين بطريقة مباشرة ومنهن من يستجدين بطريقة غير مباشرة عن طريق الغناء على أبواب المنازل أو إرضاع أطفال غير الغجر مدعيات أن ذلك يطيل عمر الطفل.

والعديد من الأسر الغجرية تعتمد على استجداء المرأة كمصدر وحيد للدخل، ويلاحظ أن النساء يخرجن في الصباح للتسول بينما يظل الرجل في البيت ينتظر عودتها بالنقود والمؤن، وقد عبّرت إحدى الغجريات عن هذا قائلة: ”إحنا إن مسرحناش مناكلش“.

ويؤكد الكاتب جمال حيدر على قدسية مكانة المرأة لدى الغجر من خلال كتابه ”ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب“ فيقول: ”يبدي الغجر نزوعًا واضحًا لتقديس الأنثى إلى الدرجة التي تصل إلى عبادة القديسة سارة الغجرية أو سارة السوداء – كما يطلقون عليها – وهي قديسة غجرية عاشت على شواطىء نهر الرون مع بقية أفراد جماعتها واشتهرت بمعرفة الأسرار وذات ليلة حلمت أن القديسات الثلاثة اللواتي كن حاضرات خلال صلب السيد المسيح، سيأتين على متن قارب وأن عليها مساعدتهن، رأت سارة بعدها القديسات القادمات على متن قارب صغير تتقاذفه أمواج البحر الهائج وكاد القارب يغرق، فرمت بردائها على الأمواج ليغدو بمثابة المعبر الآمن نحو الشاطىء، فشكرت القديسات سارة وقمن بتعميدها كقديسة لتقوم بدورها بنشر المسيحية بين أبناء قومها“.

نجد أن كل الروابط الأسرية تتركز على المرأة فهي محور الرابطة الأسرية بكل تنوعها واختلافها، وتتمتع بمكانة محترمة إذ يقطن الزوج عادةً مع أهل زوجته إضافةً إلى أن الأطفال يحملون كنية الأم ويتكلمون بلهجة والدتهم وليس والدهم إذا كانا من جماعتين غجريتين مختلفتين، وهي سمة النظام الأمومي التي مازالت قائمة لدى الكثير من القوميات الهندية حتى الآن.

مقالات مقترحة

برامج الطبخ في رمضان: منافسة جندرية
الصورة من شترستوك مع قدوم شهر رمضان، تتنافس البرامج الفضائية على جذب المشاهدين من خلال برامج الطهي. وتقدم كل قناة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...
عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على فتاة احترفت لعب كرة القدم
على مدار 12 عامًا مضت، خاضت فريدة سالم لاعبة كرة القدم المصرية تجارب عديدة مكنتها من الاحتراف بجدارة في اللعبة...