النسوية العربية: من صالون الأميرة نازلي إلى السوشيال ميديا

حركة شكلت حقوق المرأة اليوم.
دانية أ. موسى

March 8, 2019

Reading Time: 5 minutes

في مجتمعاتنا العربية المحافظة التي تحترف تكميم الأفواه، ومصادرة الحرّيات لم يرتفع صوت المرأة ليصل إلى العالم بسهولة، فأمام سطوة الموروث الشعبي الجمعي الذي استخدم العُرف الاجتماعي، والسياسي والديني مطيّة، ليشرعِن التمييز والعنصرية تجاه النساء، كان الأمر أشبه بالتجديف عكس تيار قوي، أو محاولة زعزعة بنيانٍ ذي أساسٍ متين، أو اقتلاعِ سنديانةٍ متجذرة في العقلية العربية، ضاربةً عميقًا في أساسات نشأتها وفكرها. والمُقدِماتُ على هذه المغامرة غير المأمونة نادينَ بالـ”نسويّة” ونسبنَ أنفسهن إليها فأصبحن “نسويات”. والحقيقة أن مصطلح “النسوية” ظهر على يد الفيلسوف الفرنسي شارل فورييه في عام 1837.

تُعرف الحركة النسوية بأنها حركة اجتماعية نشأت خارج إطار مؤسسة الدولة وتستهدف إحداث تغيير في واقع النساء. وبالنظر في تاريخ النسوية في الوطن العربي، سنجد أنها مرت بعدة مراحل قبل أن تصل إلى وضعها الحالي، ولكنها تفاوتت في مراحلها بتفاوت المناطق والبلدان العربية، كما أنه ليس هناك تاريخ يحدد بدقة بداية كل مرحلة ونهايتها وإنما تتداخل هذه المراحل فيما بينها، لكن أقرب قالب يمكن أن نتعقب من خلاله تطور هذه الحركة يمكنه أن يكون كالتالي:


النواة

في القرن التاسع عشر برز دور نساء السلطة في مجال الفكر والتنوير كالأميرة نازلي فاضل في مصر، التي كان لديها صالون أدبي وثقافي تناقش فيه القضايا الجادة، على غير ما اعتادت نساء الحقبة فعله، اجتذبَ بفضلِ مساعي الأميرة صفوة العقول واعتُبِر نقطة ضياء في عصر التنوير، وكان من رواده قاسم أمين، الذي كان من أوائل الدعاة لتحرير المرأة حتى اشتهر بأنه “زعيم الحركة النسوية” في مصر. أصدر قاسم أمين كتابه الأول “تحرير المرأة” عام 1899، بدعم من الشيخ محمد عبده، سعد زغلول وأحمد لطفي السيد. تحدث أمين في كتابه عن حجاب المرأة السائد وزعم أنه ليس من الإسلام، وتحدث أيضاً عن تعدد الزوجات والطلاق، وقال أن العزلة بين المرأة والرجل لم تكن أساسًا من أسس الشريعة، وأن لتعدد الزوجات والطلاق حدودًا يجب أن يتقيد بها الرجل، ثم دعا لتحرير المرأة لتخرج للمجتمع وتكون فاعلةً فيه. أثار قاسم أمين بكتابه عاصفة من الانتقادات و وجهت له الكثير من الاتهامات بمحاولاته تجريد المجتمع المسلم من جوهر أخلاقه، لكنه تابع كتابة مقالاته وأصدر بعدها بعامين كتابًا بعنوان “المرأة الجديدة”- 1901 وناشد فيه بتشريعات تكفل للمرأة حقوقها الاجتماعية والسياسية وأهداه لصديقه الزعيم سعد زغلول.

المصدر:كتاب” المرأة الجديدة” على موقع أرشيف من مجموعة جامعة تورنتو

المرحلة الأولى

وتُعرف بمرحلة النهضة، وتمتد من أوائل القرن العشرين وحتى ثلاثينياته تقريبًا. في هذه المرحلة انصب تركيز الداعمين والداعمات للحركة على حقّي التعلم والعمل. وعلى هامش هذه القضايا الكبيرة، تطرق البعض لقضايا الحجاب وغطاء الرأس، وضوابط خروج المرأة من منزلها، وطبيعة الأماكن التي يمكنها أن تعمل فيها. وانقسم الناشطون في هذه الفترة إلى تيارين، أحدهما ليبرالي، يميل إلى النموذج الغربي في الحراك النسوي، ويدعو إلى اقتباس التشريعات والنظم المتعلقة بالمرأة من الغرب وتطبيقها على المنطقة العربية. أما التيار الثاني فقد كان إسلاميًا يدعو إلى الاستقاء من الشريعة الإسلامية والنظر بتمعن فيها لإيجاد الحلول المثلى لقضايا المرأة المعاصرة. في هذه الفترة، اشتهرت مفكرات مصريات وعربيات في الدعوة إلى تحرير المرأة كهدى شعراوي وصفية زغلول ونبوية موسى.

المرحلة الثانية

شغلت المرحلة الثانية حقبتي الأربعينات والخمسينيات. حيث أصبح الحديث عن حقي النساء في التعليم والعمل قديمًا، ومن المسلّمات التي لا تُناقش، وحل بدله الحديث عن المشاركة في الحياة السياسية، حيث انخرطت النساء  بفاعلية في حركات التحرير الوطنية في كل من مصر وفلسطين والمغرب. ومن هنا، بدأت المطالبات بحق النساء في الاقتراع والترشح لعضوية المجالس التمثيلية (البرلمانات)، وتبنت هذه المطالبات قيادات نسوية تحسب على الأحزاب الليبرالية الداعمة للتيار النسوي الأول، في حين أحجمت الإسلاميات عن المناداة بمثل هذه المطالب. اكتسحت نساء التيار الثاني مجال التعليم الديني الذي كان دائماً مرتبطًا بـ(رجال) الدين، وبدأن يتدارسن علوم اللاهوت بصورة كانت محظورة على كثير من عامة الرجال، فما بالنا بالنساء، وإن عاب ذلك ابتعادهن عن الليبرالية وتدارس العلوم والفنون والأدب، واقتصار ذلك على الدروس الدينية في المساجد، رغم انخراطهن بقوة في حركات مقاومة الاحتلال.

المرحلة الثالثة

وبعد استقلال الدول العربية وصعود القوميات بشكلها المعروف اليوم، دخلت الحركة النسوية مرحلتها الثالثة، ولا عجب فقد كان للنسوية صوت مؤثر ودور فاعل في النداء باستقلال البلدان العربية من براثن الاستعمار. ورغم ذلك، عانت النسويات من تولي الحكومات للعمل النسائي، وإصدارها لقوانين المرأة وقوانين الأسرة. ورغم كون الفكر النسوي قد تمرّس في سنوات الحرب، وأخذ أشكالاً أكثر انفتاحًا، ورغم وصول المرأة إلى مرحلة من مراحل الوعي بقضاياها، وظهور النوادي الفكرية والثقافية و الحركات النسوية التخصصية المتعددة، عانت الحركة النسوية من تراجع في المطالب النسوية، لاحتداد الصراع العربي مع إسرائيل، وانشغال العرب به. ومن أشهر الأسماء في هـذه الحقبة اللبنانية أنيسة نجار التي سخرت حياتها للدفاع عن حقوق النساء، وخصوصًا في الأرياف، حتى نالت وسام وسام الأرز الوطني عام 2013.

المرحلة الرابعة

في هذه المرحلة التي تؤرخ منذ الثمانينات وحتى يومنا هذا، خَفَت وهج منظومة الدولة على حساب العولمة ونهجت الدول إلى تبني النموذج الغربي في تسيير مؤسساتها، مما دفع التيار الإسلامي المتشدد إلى الدعوة إلى “صحوة إسلامية”، رافضًا للانضواء ولو شكليًا تحت مظلة الحضارة العالمية، ليخرج منه تيار من نساء الطبقة الوسطى يدعون إلى مظاهر التمسك بالفكر الإسلامي كارتداء الحجاب، وتأسيس جمعيات نسائية على أسس ومرجعيات إسلامية، والانخراط في التيارات والأحزاب الإسلامية القائمة آنذاك. بل وتم تشجيع النساء على المشاركة في الترشح على قوائمها الانتخابية وتقليدهن مراكز متقدمة في هياكلها التنظيمية. بينما سعى المناصرون لليبرالية إلى اتباع تيار نسوي نخبوي استقى أطروحاته وبرامجه من جهات عالميّة، ومثّل النسوية العربية في المؤتمرات والمنتديات العالمية المعنية بحقوق المرأة، وحصل على تمويل مالي ضخم يدعم نشاطاته ومشاريعه.

أما اليوم، وبعد اندلاع الثورات العربية، فنعيش مرحلة جديدة من تطور الحراك النسوي، الذي بدأ يأخذ أشكالاً جديدةً باستخدام تكنولوجيا العصر وشبكات التواصل الاجتماعي. لقد قلبت النسوية المعاصرة المعادلة، ومكّنت كل صاحبة قضية من مشاركة مشكلاتها علنًا لتجد تأييدًا عابرًا للقارات عن طريق الإنترنت مما مهد لدعوات موسعة لخلع الحجاب في البلاد العربية، خصوصًا مصر. كما ارتفعت مطالبات نساء المنطقة العربية بمزيد من الحقوق في العمل والسكن والاستقلال، وصولاً لحقوق نوعية كرفع الضرائب عن الفوط الصحية. ومن منجزات هذه الموجة التي امتدت إلى كل أنحاء الوطن العربي، تمكين النساء في الخليج العربي وتعديل القوانين لتكون أكثر إنصافاً للمرأة كما حدث في قانوني الميراث وحظر الزواج الثاني في تونس والمغرب.

وفي كل مراحلها ومحطاتها وعلى مدى تاريخها، اتهمت النسوية وأعلامها بالسعي إلى زعزعة الثوابت الاجتماعية والدينية، بل والسياسية أيضاً. وهي ردة فعل على مخالفتها لفكر المجتمع العربي، ومسائلتها لمقدساته. وبالرغم من جميع الانتقادات،  فإن التاريخ شهد انتصارات للحركة النسوية العربية تمثلت في النهوض بأوضاع المرأة في مجالات الصحة والتعليم والعمل والقوانين الخاصة بالنساء، وساهمت في محاربة الفقر.

كما استطاعت الحركة أن تغير عبر مساعي رائداتها، قوانين الحريات العامة، فأصبح التحرش الجنسي جريمة يعاقب عليها القانون. وتمكنت أيضاً من تغيير قوانين الأحوال الشخصية التي كانت غالبًا في صف الرجل على حساب المرأة. وعلى صعيد المجتمع العالمي، تمكنت النسوية من إجبار المجتمع الدولي على الاعتراف بالعنف ضد المرأة، وبالتالي تجريمه، والتكاتف للحد من ممارساته عليها.

المصدر: المرأة و الربيع العربي: (الحالة المصرية أنموذجا) دراسة مقارنة تحليلية – نبراس المعموري

هذا لا يعني أن طريق الحركة النسوية ممهد بالورود، فهناك تحديات وعثرات كثيرة في طريق الناشطات الحقوقيات في هذه الحركة. فحملات التشويه والتسخيف التي تشن اليوم على النسوية ومعتقداتها، وربطها الدائم بقضايا سطحية كـ(حلاقة شعر الجسد) و(ارتداء حمالة الصدر) يصوّرها دائماً في صورة الدعوة إلى انفلات نسوي جماعي مفتوح، وخروج عبثي عن الأعراف والتقاليد لمجرد الخروج عنها. كما أن قضايا المرأة اليوم تعد على درجات أعلى من التعقيد والتشابك.

ومن جهة أخرى فقد تعزل بعض موجات الحراك النسوي، عن عمد أو دون عمد، النساء عن مشروع الإصلاح المجتمعي، متعارضةً في ذلك من الغرض الأسمى من هذا الحراك وهو تحقيق المساواة، والوصول إلى وعي عام بحقوق الإنسان، يسمو عن هويته الجنسية أو الجندرية.

ورغم ذلك، لم يزد النفور والتسخيف والتسطيح كثيراتٍ من ناشطات النسوية إلا إيمانًا وجموحًا وسعيًا للمطالبة بحقوقهن وحقوق بنات جلدتهن في التعليم، والعمل والتمثيل السياسي والانخراط في الحياة المدنية بشكل إنساني نابع من الاحترام لذات المرأة بغض النظر عن دينها أو عرقها، ولم يزد ذلك النسوية إلا شهرة وشعبية بين محبيها وكارهيها على حد سواء.

المصدر: ندوة النسوية في العالم العربي: قراءة نقدية – جمعية تونس الفتاة

رسوم نور فليحان

مقالات مقترحة

…ثلاثون و
تَبدلت فصولها، تَعكرتّ سَماءُها بغيوم العُمَر، عَصفت بها رياح الثلاثون، أمطرت عليها وابلاً من الأوسمة العانس، الوحيدة، البائسة، التعيسة. هي...
سألنا نساء عن الأسئلة الشخصية لهن في مقابلات العمل
في إحدى مقابلات العمل قال لي من يجري المقابلة: هناك نوعين من النساء، الأولى لا نشعر أبداً أنها متزوجة، والأخرى...
شهقة الملوخية وقلب الحذاء ورش الملح… تخاريف أسطورية أم موروث شعبي؟
تكتنز ثقافتنا العربية بالعادات والتقاليد والطقوس الموروثة ذات الامتداد التاريخي ضارب الجذور في المنطقة من حيث الممارسة، ولكن ربما دون...
الغولة: حكاية لن تسمعها إلا في واحة سيوة المصرية
على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب غرب محافظة مرسى مطروح المصرية تقع واحة سيوة، والتي صُنفت كواحدة ضمن أكثر 9...