امتصصت قوتي من ضعف أمي

”حملته أمّه وهن على وهن“... لأوّل مرة يدرك قلبي هذه الآية القرآنية بهذا الشكل.
هدير الحضري

July 25, 2019

وقت القراءة: 3 الدقائق

في الأمومة فقط، تعلمت كيف تنهمر العاطفة من قلبي كمطر غزير بليلة شتوية، في الأمومة عرفت أنني لا أملك نفسي ولا قدرة لي بتوجيهها، فقط سأشاهدها وهي تذوب في الضعف والمحبة والحيرة والشعور بالذنب، وأيضاً القلق العميق.

راقبت صغيري بانبهار ويده المنمنمة تقبض على خصلات شعري الذي يجذبه فيتهاوي إلى يده بسهولة إذ تساقط بشكل لافت بعد انتهاء الحمل الذي امتص فيه طفلي غذاءه من جسدي، وتلته مرحلة الرضاعة التي أصابته بالمتاعب أيضاً، احتضنت ابني بقوة وأنا أشعر بحناني يصنع حوله هالة من الحماية وتذكرت أنني، بفضل أمي أولاً، تكوّنت وكبرت ونعمت بهالة حماية تحاوطني إلى الآن، بفضل أمي حصلت على غذائي في حبل سُري ممتد من جسدها إلى جسدي وامتصصت طعامي من عظامها ودمها، وفي اليوم الأول في الحياة خارجها انفصلت عنها وبقيت أنال قوتي من ضعفها. الآن حان دوري في دائرة منح القوة المقدسة ليكتمل نمو صغيري وأكتمل أنا بأمومتي.

لم أشعر بما منحته لي أمي بحق إلا في لحظات نادرة من الإدراك تمنحها لي الحياة كتلك اللحظة التي أرويها، لا بدّ أنها تعرضت لما أتعرض له، آلام الظهر والهالات السوداء أسفل العين، نقص الوزن وضعف الأسنان والإرهاق والحرمان من النوم، كلها أعراض تذكرني بما فعلته أمي لأجلي منذ خمسة وعشرين عامًا ولا زالت تفعله فأشعر كم هي جميلة وقوية ومثالية. 

كبرت كثيرًا خلال هذه الأعوام لكنني ظللت الطفلة ذاتها في عينيها، والآن أصبحت نسخة منها وعرفت لماذا، طفلي ذو الشهور القليلة من العمر سيكبر بعد سنوات ويصبح رجلاً ولكنني إن حييت سأظل أراه طفلاً يحبو ويحتاج إلي،  ستبقى ابتسامته الناضجة حينها نفس الابتسامة الطفولية التي تثير في قلبي عاطفة لا حدود لها.

 

رائحة أمي وعطاياها

كل هذا الصدق والحب الجبار لي ولأخوتي من أين أتى؟ وكيف استطاعت أمي بهذه البساطة المعقدة أن تحشو ذاكرتي بالتفاصيل الدافئة؟ غريزة الأمومة جملة عابرة تظلم ما يفعلنه الأمهات لأجلنا، هن اخترن الحب وتقديم عمرهن لنا عن طيب خاطر، تنازلن عن هدوء وراحة وسلاسة حياتهن ليقمن بمجهود بدني ونفسي قاسي وجبار، وفعلن ذلك دون مجهود في تعليمهن كيف يقدمن هذا العطاء.

عشرات التفاصيل أتذكرها لأمي فأقدسها بعد سنواتٍ طويلة كنت غافلة عن معناها، تذكرت حين كنت أذهب إلى عملي متعجلة وأفتح حقيبتي فأجدها قد دست لي برتقالة بعد إزالة قشرها لتصبح سهلة الأكل، وبجوارها بضعة شطائر وزجاجة مياه باردة غلفتها بأوراق الجرائد لتحتفظ ببرودتها في الجو الحار، لم تخلُ حقيبتي أبدًا من رائحة أمي التي انزلقت إليها مع يدها وهي تضع علكة بالنعناع أو قطع الحلوى المغلفة، هكذا اعتادت أمي أن تضع محبتها في الطعام والدعوات الممتدة وهي تحزم حقائبي وترافقني إلى باب المنزل، حتى إذا داهمني جوع أو عطش أجد روحها تظللني وتحميني.

 

”اتدفي وابنك هيدفى“

عدت بخاطري إلى صغيري، كان يسند رأسه المستكينة مائلة إلى كتفي، يدي خلف ظهره وعلى وجهه النائم علامات الارتياح والنوم العميق، تذكرت على الفور كم شعرت بدفء العالم في حضن أمي ورأيته كثيرًا مكان مثالي للاختباء من كل ما يؤذيني. تذكرت أيضاً أنه في إحدى موجات البرد القارس اتصلت بأمي وأنا أشعر بالهلع، قلت لها أنني وضعت لابني طبقات كثيرة من الملابس الثقيلة ولا زال جسده باردًا، كانت إجابتها غريبة جدًا: ”البسي انتي تقيل ولما تتدفي ابنك هيدفى“، لم تقل أمي عبارتها برومانسية أو بأي طريقة خيالية على الإطلاق، بل قالتها كحقيقة علمية بسيطة أثبتت صحتها، وعلى الرغم من أنني ظللت أفكر فيها كثيرًا إلا أنها لم تثر دهشتي على الإطلاق.

كأم جديدة ظللت أفكر منذ اللحظة الأولي في تعريف الأمومة، ما هي وماذا تعني، تدريجيًا بدأت أشعر، في موجة البرد تلك حين كنت أشعر بالبرودة أركض نحو طفلي أتفقد حرارة جسمه وملابسه، وحين أشعر باختناق أنفي وبصعوبة التنفس لا أفكّر سوى في فحص أنفاسه والتأكد من أنه قادرًا على التنفس، حتى أنه في إحدى المرات أصيب بنزلة شعبية جعلت تنفسه صعبًا فكنت أشعر بالاختناق الشديد وأنا غير مصابة، هذا التشارك بيننا جزء من الطبيعة لا تفسير له سوى أنني أم.

 

فهمت لماذا تكتم أمي آلامها

منذ طفولتي ولسنوات طويلة كنت أسأل نفسي، لماذا تكتم أمي آلامها ولماذا كانت حريصة في مداهمات المرض أن تظل في صورة ثابتة وقوية أمامنا، كانت برغم الألم تطمئننا وتقول لنا ”أنا بخير“، لدرجة أنها أجرت ذات يوم عملية جراحية ولم تخبرنا إلا بعدها حتى لا تثير قلقنا، حين أصبحت أمًّا وداهمتني موجات عاتية من الألم بسبب حصوات المرارة، كنت أبكي لأنني أفكر أنني غير قادرة على الاعتناء بصغيري وليس بسبب الألم، بعد هذه السنوات عرفت أن المرأة حين تنجب يتحتم عليها أن تصبح جدارًا ثابتًا لا يصح معه التزحزح أو الاهتزاز، هي مصدر الأمان الأول والعميق وينبغي أن تظل هكذا مهما استلزم الأمر من محاولات لكتمان آلامها، أو هكذا أظن.

 

الحب المتشبع بالتعب

كل هذا الحب لم يتخلله التعب؟ بل كان متشبعًا. أعلم جيدًا أن أمي كثيرًا ما كانت تحلم ببعض الحرية، بعض المساحة الشخصية، لا بد أنها تمنّت أن تشرب الشاي على مهل دون أن تفكّر في الأعباء المنزلية والواجبات ومشكلاتي أنا وإخوتي الثلاثة، استخلصت هذا من إحساسي وتجربتي الشخصية، مرت خمسة أشهر فقط على أمومتي فكرت فيهم كثيرًا وكثيرًا في الركض إلا أنني لم أستطع أن أغيب عن طفلي أكثر من ساعات قليلة جدًا.

لا يمكنني التعبير بحق عن هذا الحب الذي أحمله لأمي، ولا يمكنني حصر كم العثرات التي انتشلتني منها وكم المرات التي شدت فيها من أزري وأخذت بيدي، لذا سأتوقف عن الأسئلة التي أسألها يوميًا لنفسي مثل: لماذا يهدأ صغيري حين أغني له ولماذا تغرق الطمأنينة وجهه وهو مختبئ في حضني؟ فقط لأنه يشعر كم أحبه، وأنا أحب أمي لأنها أمي، أي كل شيء.

 

يا صغيري، حين تكبر كُن الشخص الذي تريده، لا تطابقني بل عِش بمحبتي، هي حصن وحماية ورزقٌ عظيم.

مقالات مقترحة

فتيات عرب يتحدثن عن الأشياء التي وددن لو فعلنها أثناء فترة الجامعة
الصورة لأليكسيس براون من أنسبلاش تخرجت العام الماضي من الجامعة وبدأت أبحث عن فرص عمل مناسبة في مجالي وبعد أن...
فتيات عرب يروين تجربتهن في الجمع بين العمل والدراسة
الصورة من ستوك سناب بدأت الدراسة منذ عدة أسابيع وبين فئات طلابية عديدة تظهر فئة تجمع بين العمل والدراسة معًا،...
مقابلة مع الرحالة السعودية إسراء ريس
وصفت نفسها بالمغامرة والشغوفة والمحبة للحياة والمغامرة لاكتشاف كل ما هو جديد، وجدها الكثير ممن هم حولها محفزة ومثابرة وفتاة...
ما الذي يجب أن تتوقعيه عند تخرجك من الجامعة؟
انتهى الصيف ومعه آخر سنة دراسية في الجامعة لفئة من الفتيات اللواتي أغلقن صفحة الدراسة والآن في صدد بدأ مرحلة...