تجربتي بعد عام من العمل الفريلانس كفتاة عربية

أشعر بشفقة بعض المقربين مني لأني بلا عمل ”حقيقي“.
وفاء خيري

June 30, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

رسوم يارا مراكي

حين دخلت المدرسة الثانوية، قررت ماذا أريد أن أصبح وما الكلية التي أرغب في الالتحاق بها – كلية الإعلام، جامعة القاهرة – وعملت على تحقيق حلمي بالفعل حتى حصلت على مجموع كبير في الثانوية العامة يهيئني لألتحق بأي كلية أدبية أريدها، ولكن دخلت في مشكلة أكبر وهي السفر والاستقرار في القاهرة لأني من فتيات الصعيد، وبعد جدالات مع أهلي عرفت أنه لا سبيل لذلك وأنه من الأفضل اتباعهم والبقاء للدراسة في مدينتي. رضخت للواقع ودخلت كلية التربية، قسم اللغة الإنجليزية لأنها الكلية الأعلى المتاحة للشعبة الأدبية في مدينتي، ورغم أني لم أهتم يومًا بالتدريس؛ بل كنت أكرهه، اضطررت أن أبحث عن شيئًا بديلًا مستغلةً لغتي الإنجليزية الجيدة، وفكرت بالترجمة كحل بديل، وبدأت في تعلمها وتطويرها إلى أن وجدت طريقًا آخر للعمل وهو كتابة المحتوى والصحافة الرقمية.

كنت في العام الأخير من الجامعة ولاحت لي الكتابة كحل عظيم وبالطبع كان العمل الفريلانس (عن بعد)، واستطعت أن أحقق بعض النجاحات في تلك المهنة الجديدة مع الوقت، ولكن رغم أن الكثيرين تحدثوا عن مميزات العمل الفريلانسينج وحتى عن عيوبه، إلا أنني لم أجد من يتحدث عن بعض المشكلات الحقيقية التي واجهتني كفتاة عربية، وأنا متأكدة من أن الكثير من الفتيات واجهنها أيضاً، وهنا سأذكر عددًا منها ليعرف الجميع مدى ما نعانيه وأن للأمر عيوبًا لا تقل أهمية عن مميزاته.

الصدام بين العمل وأعمال المنزل

المشكلة الأولى التي واجهتني كفتاة فريلانسر هي الصدام مع أمي، لأنه من المعروف أن للفتاة نصيب من أعمال المنزل، ولأن أمي امرأة عاملة اصطدمت معها، فكانت تخرج لعملها اليومي وابدأ أنا بفتح حاسوبي وشرب قهوتي المفضلة وابدأ العمل كما يعمل الجميع، ولكن كانت تعود أمي من العمل وتسألني: ”هل أعددتي الغداء؟ هل أنجزتي شيئًا في المنزل؟“ ويكون الجواب على الأغلب لا، فكنت آخذ نصيبي من الضجر والشجار معها، وحاولت مرارًا أن أقنعها أني أعمل مثلها تمامًا، وهي ترى أنه يمكن تأجيل العمل لوقت آخر بعد أن أكون قد أنجزت شيئًا، وهي لا تعلم أنني إن فعلت ذلك سأفقد كل طاقتي في الأعمال المنزلية ولن أقوى على الكتابة والإنجاز. 

ملازمة المنزل الدائمة وتقييد الحرية

عندما استمررت في العمل المستقل لفترة كبيرة صُدمت بعدة أشياء منها: أن الأهل كلهم يخرجون من المنزل وأظل أنا وحدي بين الجدران، المفترض أني أعمل ولكن مع الوقت يتسلل إلي الضجر وأشعر بالاختناق والملل، لأنه في النهاية لا يعمل الإنسان من أجل المال وحده. وعندما أرغب في الخروج من المنزل أجد أن أمي أو أختي منهكين من الدراسة أو العمل في الخارج وأبقى وحدي ولا أعرف ماذا أفعل من الملل، بجانب ذلك كانت فكرة الخروج بمفردي من المنزل متاحة نوعًا ما، ولكن أين سأذهب؟ صديقاتي منهن من يعملن ومن يكملن دراسة أو حتى من تزوجن، أي أنه لا مفر من الوحدة، ولم تكن هنالك وجهة محددة للذهاب إليها، وكانت تلك مشكلة تؤثر على حياتي النفسية بشكلٍ أو بآخر.

 

الوجاهة الاجتماعية وصعوبة شرح طبيعة العمل

بحكم أنني أعيش في مجتمع منغلق كالمجتمع الجنوبي المصري، فكل شيء يصل إلينا متأخرًا، فكرة العمل الفريلانسينج نفسها لم يتعرف عليها الكثيرين بعد، فأن يسألني أحدهم ”ماذا تعملين؟“ يبدو لي سؤالًا صعبًا جدًا، أولًا لأني خريجة كلية التربية وعملي ليس له أي صلة بالتدريس؛ لهذا أنا مضطرة أن أشرح قصة فشلي في حب مهنة التدريس ولماذا اخترت بديلًا، بجانب ما هو الفريلانسينج وما هي كتابة المحتوى، وغيرها الكثير من الأسئلة التي من المحتمل ألا يقتنع بها من يحدثني من الأساس، فقد يعتقد البعض أني أخفي فشلي وأتحايل على الواقع بما أقول، بجانب تساؤلات من نوعية ”كم تجنين من هذا العمل؟“ و”أنت محظوظة“، و”آهٍ لو أصبح مثلك“… إلخ.

وبجانب ما سبق حين أجلس مع جمع من السيدات أو الفتيات يكون موقفي حرجًا بشكل كبير، فتلك محاسبة وتلك طبيبة وهذه محامية، أما أنا؛ فماذا عني؟ أشعر بشفقة بعض المقربين مني لأني بلا عمل ”حقيقي“، ولعدم قدرتي على شرح طبيعة ما أعمل أو صعوبة شرح تفاصيل مهنتي ومستقبلها، وماذا سأصبح بعد سنة أو اثنتين.

عدم القدرة على عمل توازن بين العمل والشغف

طيلة حياتي أحب قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام وغيرها من الاهتمامات الأخرى، وفكرة أن أعمل في مجال ذهني مثل كتابة المحتوى يتطلب مني الأمر مجهودًا ذهنيًا مضاعفًا، فكنت في بداية عملي أجلس لساعات طويلة أمام اللاب توب وأُصاب بالصداع الشديد، وحينما أنتهي لا أعرف حتى كيف أفكر، أريد أن أريح عقلي من التفكير فحسب، وهذا الأمر يضطرني أن أضحي بنصيبي من الكتب والأفلام والمتع العقلية الأخرى، ويكون همي في أن أستريح لأنام ويأتي اليوم الجديد لأواصل الدائرة اليومية للصداع!

بمجرد سيطرتك على وقت عملك، هذا يعني أن للآخرين حق التحكم به!

أي ممن يعمل بمجال الفريلانسينج، عندما يعرف المحيطين بك أنك المتحكمة في وقتك، يعطون أنفسهم حقًا في التطفل واختراق خصوصيتك، مثل الزيارة في أوقات العمل أو الحديث في الهاتف أو طلب أي شيء منك وأنت تعملين، ابتداءًا من أسرتك في المنزل إلى أصدقائك وأقاربك. فلا توجد لديهم ثقافة أنك ترتبين وقتك على حسب ظروفك أو أنك أنت من تقررين ما الذي تريدينه وتحددين أولوياتك، وللأسف يضيع وقت كبير في مثل هذه الأشياء دون إنجاز أي شيء. 

”أريد أن أكون فريلانسر مثلك“

بالطبع لم أتعلم كيف أكون كاتبة محتوى في يوم وليلة، وقد عانيت الكثير، وإن لم يكن في مجال الكتابة نفسها فحسب، حتى أحصل على فرصة للعمل في مجال أحبه، ولا أحد يدرك حقيقة ذلك للأسف، ومع الوقت كنت أتحدث مع صديقاتي عن عملي فأجد من يسألني أو يطلب مني: ”أريد أن أعمل فري لانسر مثلك“، والحقيقة أني أكون في غاية الحيرة في الإجابة على هذا السؤال، فبعيدًا عن الفريلانسينج، لا يعرف الشخص ماذا سيعمل أو يتخصص ليعمله عن بعد، فأعاني كثيرًا للإجابة على مثل تلك التساؤلات وأخجل منها، لأني لا أستطيع تقديم إجابة حقيقية على كل ذلك، وقد أظهر بمظهر الأنانية، التي لا تحب الخير لأحد. ومع الوقت وجدت أفراد المنزل يرغبون مني أن أعلمهم الكتابة ليعملوا مثلي، فهم يظنون أن الأمر بسيط لمجرد أني أجلس لساعات على اللاب توب وبعد فترة أمسك أموالًا في يدي! ولا أحد يعرف التحديات الحقيقية التي أواجهها ولا أحكيها لهم. 

إلى أين أنا ذاهبة؟

قد يبدو الأمر بالنسبة لي أنه عظيم أن أجد شيئًا أحبه وأعمل به بدخل جيد بعد التخرج مباشرةً، في الوقت الذي يعاني فيه أقراني في الحصول على عمل أو فرصة ما، ولكن هنالك مشكلة لا يعلمها كثيرين، وهي أن كل شيء قابل للانهيار في لحظة، وهي أني حتى وإن جنيت مالًا، فليس هنالك جهة رسمية تعترف بعملي أو حياتي المهنية، لا أجد مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، ولكن حينما أفكر في المستقبل أجد أن الأمر لا أُفق له، خصوصًا مع عيشي في مدينة ضيقة الأفق ولا مستقبل لها، لهذا أواجه نوع من التهديد الحقيقي لفكرة الأمان الوظيفي.

 

مقالات مقترحة

تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...
المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي
تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات...
صوت المرأة… ثورة
(شابة تقود متظاهرين في هتاف ثوري في الخرطوم، السودان، 8 أبريل، تصوير لانا هارون @lana_hago) ”صوت المرأة عورة“، هذه العبارة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...