تحدثنا مع فنانة قصص مصورة عربية عن نظرة المجتمع المتعالية إلى المجال

من الأمور التي تزعجني وترهقني هي أن كون البطلة الرئيسية امرأة، فتقيم القصة كنسائية، وإن كان البطل رجلاً، تقيم القصة كمحايدة
يارا برعي

July 31, 2018

وقت القراءة: 6 الدقائق

مررنا جميعاً منذ الصغر بمرحلة قراءة القصص المصورة و لكنه كان من الصعب، وشبه مستحيل، إيجاد شخصية أنثى يمكننا أن ننتمي إليها. و دائماً ما كانت الفتاة أو المرأة هي الضحية أو مصدر الحزن أو المحنة و لم يتعدى دورها عن دور مساعدة البطل، مما أعطى الفكرة بأن المرأة ضعيفة. ولكن من خلال التوعية المستمرة والجادة، أصبح باستطاعتنا الآن مساعدة الفتيات الصغار في كل مكان بتغيير هذه الفكرة ليجدن أنفسهن ممثلات، واكتشاف دورهن الحقيقي و الفعال وذلك من خلال الإيمان بقدراتهن و إيجاد القوة الكامنة بداخلهن.

قاهرة، وهي ليست إشارة لعاصمة مصر بل “بطلة خارقة مسلمة على نحو ظاهر بارتدائها الحجاب والتي تحارب كراهية النساء والإسلام إضافة إلى قضايا اجتماعية أخرى”، عبارة عن ويب كوميكس (قصص مصورة عبر الإنترنت) صدرت عام 2013. تم إنشاؤها من قبل فنانة القصص المصورة دينا محمد، أي شخص مننا و بيننا وليس دخيلاً على مجتمعنا مما يجعلها شخصية أكثر واقعية، أرادت القيام بشيء لإحداث تغيير ما، فقررت أن تكسر حواجز الصمت  لتتحدى الظلم من خلال قوة الفن.

تتمتع قاهرة بسمع خارق معدل خصيصاً لسماع صرخات المظلومين و تعليقات التمييز والعنصرية، ومن مغامراتها مساعدة النساء لمكافحة التحرش الجنسي و التصدي لتأثير القومية على الإنسانية. ومع ذلك هي ليست شخصية إلهية، فقد ولدت هذه البطلة الخارقة من نضال حقيقي، حيث مثلت الطبيبة والمهندسة والمحامية وجميع النماذج المثالية اللواتي تم تمكينهن في وسائل الإعلام، رغم أهمية دورهن في المجتمع، إلا أنهن ميسورات الحال ومن طبقات عليا على الأغلب.

قد لا تكون دينا الفنانة القصص المصورة الوحيدة في العالم العربي، لكنها بالتأكيد نجحت في تسليط الضوء عليها في تحطيمها للقوالب النمطية بكافة أشكالها وأنواعها، وأيضاً لاكتشافها أنه أحياناً نحتاج لشخص أن يصغي إلينا.

مرآه: متى بدأتِ الرسم و ما مصدر إلهامك؟
دينا: أنا أرسم من صغري، قبل أن أتعلم الكتابة حتى، و أعتبره وسيلة تعبير عن النفس. و لأنني بدأت الرسم منذ نعومة أظافري، لم يكن لدي مصدر إلهام في مجال الكوميكس، إنما لدي ناس كثيرون يلهمونني بالاستمرار في ممارسة شغفي، أولاً، وثانياً أن أتحسن في مجالي. منهم فنانين مصريين مثل شناوي ودعاء العدل، و منهم فنانين كوميكس من جميع أنحاء العالم مثل هيرومو أراكاوا الذي ألف سلسلة المانجا Fullmetal Alchemist وأليسون بيكدل و مرجان ساترابي.

هل هناك أي تأثيرات حقيقية على فنك أو القصص التي تروينها من خلال فنك؟
بالطبع، فقصة مثل قاهرة، التي هي عن القضايا الاجتماعية أكثر من أنها كوميك قوى خارقة. كنت متأثرة جداً بالظروف التي كنا نمر بها و من الناس الذين كنت أشهدهم من حولي، خاصةً النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. ليس بالضرورة أن تكون تلك القصص هي التي أحكيها بالضبط، إنما هي الأشياء التي تؤثر على تصويري للبطل الخارق أو حتى تصويري لمجتمع خيالي. لم أكن متوقعة أن أحداً سيقرأها أو يتفاعل معها، ناهيك انتشارها بهذه الكثرة.

هل تعتقدين أن هناك أقلية من النساء في مجال القصص المصورة؟
أنا لا أدري إذا هناك بالفعل تواجد أقل لفنانات الكوميكس، و إن كان ذلك صحيحاً لن أستطيع أن أحدد السبب، ففي اعتقادي أن هذا غير واقعي، لسبب أنه ليس هناك الكثير من فنانين كوميكس عرب من الأساس، والسوق صغير جداً أو شبه معدوم، فهو ليس بمجال قوي أيضاً. في مصر على سبيل المثال، هو عبارة عن تجمع ناس معينة يعرفون بعضهم البعض على مستوى شخصي، و هذا قد يجعل دخول فنانات جدد صعب جداً، لأن معظمهم لا يستطيعون أن يتعرفوا على تلك الأشخاص المعنيين بسهولة مما يجعلهم غير واعيين على وجود هذا المجتمع في الأساس. ومع ذلك، يوجد الكثير من النساء اللواتي تحمّلن أعمالهن على الإنترنت، و كما هناك تجمعات مثل مهرجان القصة المصورة الذي يعطي فرصة للناس و الفنانين أن يتعرفوا على بعضهم البعض. ولكن في نفس الوقت في بعض البلاد العربية، النساء هي التي تمثل الأغلبية من فنانين الكوميكس المعروفين ومنظمين المعارض ونشر الكتب، مثل لبنان. لذلك أنا أعتقد أنها مشكلة صعب طرحها كحقيقة مطلقة و لكن بشكل عام، بالنسبة إلى مصر، أنا أشجع أي نساء مهتمين بالدخول في مجال الكوميكس.

بالرغم من ذلك مثل أي مجال، إذا هناك دعم للمجال نفسه، كتنظيم وِرَش عمل وأن نزيد من الإهتمام للفنانات اللواتي يعملن في المجال، خاصةً اللواتي مضو سنوات يفكرون في هذا الموضوع. علينا أن نساعد الناس أن يتعرفوا على عملهم لأن ذلك سيشجع نساء أكثر كي يدخلوا في السكة دي.

هل تعتبرينه تحدي؟ كونك أحد فنانات العرب القلائل في مجال يهيمن عليه الذكور؟
حالياً التحدي الأكبر كوني فنانة كوميكس أساساً. فأنا أعمل وأكتب وأرسم بمفردي تماماً. كل التحديات التي أواجهها في النشر تكون بسبب عدم وجود سوق للكوميكس، عدم وجود جمهور للكوميكس، عدم وجود تقدير للفنانين. من حيث الكوميكس التي كنت أنشرها على الإنترنت، كنت أقابل ردود سخيفة من وقت لآخر، إنما في معظم الأحيان هي مشكلة المجتمع الذكوري، التعامل مع الناس في المطلق، التصوير النمطي لي كـ”فنانة نسوية” وتصنيف كل عملي كـ”شغل نسائي”؛ أكثر من كونها محددة إلى مجال الكوميكس نفسه. و يمكن أيضاً أن كوني أعمل بمفردي في معظم الوقت ميزة، فأستطيع أن أتفادى مشاكل كثيرة. إنما العمل في مجال الفنون عموماً في مصر زي الزفت.

ما سبب اختيارك لأسلوب قاهرة ومظهرها؟ ماذا يعنيه لك الحجاب؟
بالنسبة لي في ذلك الوقت، كنت أحاول أولاً أن أختلف عن الصورة النمطية للبطلات الخارقات، لأن الفكرة كلها كانت أن أستخدم الأسلوب والمجازات المعروفة عنهم لكي أوضح القضية التي أريد التحدث عنها. في نفس الوقت كنت أريدها أن تمثل أغلبية النساء اللواتي تدافعن عن حقوقهن بشكل طبيعي رغم “تدينهم”، لأن كلاهما ليسا متناقضين كما هو التفكير السائد ومعظم شخصيات النساء اللواتي أعرفهن هكذا. غير أن الكوميك كان منشور باللغة الإنجليزية أولاً لأنني حمّلته على موقع حيث معظم متابعيني عليه لا يتحدثون اللغة العربية، فكنت أريد أن أعترض على الصورة النمطية للمرأة المحجبة في الخارج أيضاً. بالإضافة أنني كنت أرسم شخصية مصرية ومعظم نساء مصر يرتدون الحجاب ومع ذلك ليسوا ممثلين في الإعلام بتاتاً، على العكس بل يكونون ممنوعين من الدخول في مجال الإعلام في معظم الأحيان، وهذا معناه أن معظم نساء مصر لا يرون أنفسهن في أي أعمال فنية. فتلك الأسباب كثيراً ما جعلتني أحاول أن أقدم شخصية مختلفة، رغم أنها فانتازيا تماماً، أن تكون واقعية والناس ترى نفسها فيها. بالنسبة لي أن تكون الشخصية محجبة كان اختيار للجانب الإجتماعي أكثر من الديني، ويساند شخصية قاهرة أكثر من أن له علاقة بمعتقداتي الشخصية.

هل سبق لك أن واجهت أي تنمر أو رسائل تهديد أو تحرش أو ما شابه؟
المفاجأة بالنسبة لي أن أصعب الرسائل وقت انتشار الكوميك كانت من رجال أجانب، وخاصة رجال كارهين للنساء والمسلمين (الـislamophobes). إنما رد فعل المصريين، رجال كانوا أو نساء، كان إيجابي جداً وقتها. بالطبع أنا صدمت بما رأيته من عنصرية وفكرهم عن البلاد العالم الثالث والمسلمين أقوى من كرههم للنسوية، وفي نفس الوقت ليس لديهم أي وعي ذاتي بأن ذكوريتهم جزء من المشكلة. وبالمناسبة، النسخة الإنجليزي للكوميك عن التحرش وصلت لأكثر من ٣٠ ألف مشاركة قبل أن أترجمها، فمن الواضح أن مشاكل التحرش والبطريركية ليست مخصصة لمصر و حسب بل في العالم كله. تلك كانت أول مرة أواجه الكره للمسلمين بهذا الشكل، لأن طوال عمري أعيش في بلد مسلمة، وكنت في البداية مصدومة بكثافة الكراهية وكمية الناس الغير متقبلين لفكرة بطلة خارقة مسلمة أو محجبة أساساً. أي نعم هناك الكثير من المشاكل في مصر من ناحية السيدات و ردائهم وحقوقهم، إنما ليس بهذه الدرجة. لكنني سرعان ما تعودت على تلك الفكرة وحقاً أتضامن مع المسلمات المقيمات في تلك المجتمعات لأن الموضوع ليس بالسهل إطلاقاً.

هل تمنعك المضايقات من الرسم؟
لأ. الحقيقة الذي كان من الصعب على وقتها هو عدد الأسئلة الاجتماعية والدينية والسياسية التي وجدت نفسي أجاوبها. إلى حد ما اتضررت أن أكون المتحدث الرسمي باسم المسلمات والفنانات العرب والنسويات لذلك كنت الوحيدة التي سمعوا الناس عنها، و كان هذا أصعب بكثير لأنني كنت أبلغ من العمر ١٨ سنة وكنت أشعر أن ذلك ليس مكاني وأن هناك الكثيرات اللواتي يستحقون أن يتحدثوا أكثر مني، وفي نفس الوقت كنت أحمل عبء أن أخطئ أو أقول شيء قد يخذل الناس، وأعتقد للأسف أن معظم الفنانين النساء العرب يوضعون في ذلك الموقف. هذا لا يعني أننا نتحدث في مواضيع معينة أو عن خبرتنا من أننا نستطيع نحمل ذلك العبء، وهذا مع الأسف لقلة وجود فنانين مثلنا في المجال عموماً، ولأن الإعلام الخارجي يهتم فقط عندما يشعرون أن هناك امرأة عربية تقدم محتوى يوافق معتقداتهم أو مهضوم بالنسبة لهم.

ماذا تقولين لفنانات القصص المصورة المبتدئات؟
«يلا! ورونا شغلكوا!» نحن موجودين ومنتظرين. انشروه عالإنترنت، احضروا مهرجانات، و الأهم من ذلك أن تنتجوا عمل بدون تردد. فلا يوجد أحد لا يخاف من مستواه سواءً كان مبتدئ أو محترف، المهم أن نبني مجتمع لفنانين وفنانات القصص المصورة و أن ندعم بعضنا الآخر.

هل يوجد صورة نمطية عن الفنانات القصص المصورة؟
 أننا نكتب عن مواضيع نسوية، أو أن عملنا كله عن النساء فقط. لكننا نتضر أن نفعل ذلك لأنه لا يوجد أحد آخر يحكي قصصنا، إنما في نفس الوقت يجب أن يكون تقييم العمل منصف للمحتوى قبل المؤلفة. من الأمور التي تزعجني وترهقني هي أن كون البطلة الرئيسية امرأة، فتقيم القصة كنسائية، وإن كان البطل رجلاً، تقيم القصة كمحايدة. إنما تلك مشكلة في جميع المجالات أيضاً.

ما هو شعورك حول نسب إنشاء أول امرأة خارقة مسلمة إلى
Marvel?
السر الفاضح أن لدى Marvel أبطال مسلمات من قبل قاهرة و Ms Marvel، لكنهم لم يأخذوا حقهم بالكامل، وهما Excalibur و Dust. في كل مرة يبتدع شخص ما بطل خارق عربي، مسلم، مصري، بنت… دائماً يقال أنه أول شخص يبتدعه للأسف ولذلك أيضاً يكون الاهتمام ببدعة الموقف عوضاً عن المحتوى نفسه. إنما أنا في الحقيقة أعز Ms Marvel جداً، و كاتبتها على معرفة بقاهرة وتحدثت عنها أيضاً!