تطور العباية: استكشاف الهوية عبر الأزياء

كيف ساهمت العباية في إحداث تغيير وتطوير المجتمع!
سارة زقزوق

November 20, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

كلنا يحاول التعبير عن شخصيته عبر أسلوبه الخاص في اختيار ملابسه، وبعضنا يكون أكثر براعة من غيره في ذلك بطبيعة الحال. لكن حينما نحاول فعل ذلك مع العباية، تكون مهمة ابتكار أسلوبنا المتفرد الذي يميزنا عن غيرنا أمراً أكثر صعوبة بعض الشيء.

وحينما بدأت الغوص في تاريخ العباية، في محاولة مني لفهم تلك الرابطة بين الموضة والتقاليد، وجدت تلك الرحلة تقودني إلى مريم موصللي، الكاتبة الصحفية وسيدة الأعمال المبادِرة من المملكة العربية السعودية.

مريم موصللي

تجاذبنا أطراف الحديث عن أصول العباية وكيف أصبحت جزءًا وثيق الصلة بالتقاليد لتكون ظاهرة ما تزال متواصلة حتى هذا اليوم! تتبعنا جذورها إلى أيام الخلافة الأموية في القرن السابع الميلادي حينما ذاع صيت قصيدة “قل للمليحة في الخمار الأسود” والتي أراد قائلها أن تكوّن خطة تسويقية عبقرية لبيع العباءات المصنوعة من قماش أسود يقل الإقبال عليه في زمن كانت تروج فيه الأقمشة الملونة البراقة. ولا شك في أن توظيف الجمال لتسويق البضائع كان وسيلة شائعة يومها مثلما هو عليه اليوم، حيث تتحدث حكاية القصيدة عن النسوة اللواتي رأين امرأة جميلة تحج بخمارها الأسود. ثم تستمر الحكاية لتصل إلى: “غيرهن من النسوة الجدد اللواتي يأتين إلى الحج في كل سنة ويرين النسوة في مكة وهن يرتدين الملابس السوداء ويفسرن ذلك على سبيل الاحتشام والعفة. وهكذا أصبحت العباية السوداء تلك الظاهرة المستمرة الأطول عهداً والمتواصلة إلى يومنا هذا،” كما تقول مريم.

أحدث منشوراتها، “تحت العباية”، هو كتاب من مجموعة صور مختارة للأزياء في الأماكن العامة قدمتها مجموعة من النسوة السعوديات. وكان أول سؤال طرحته عليها هو عن كشف هويات هؤلاء النسوة اللواتي قدمن صورهن لكتابها. تقول مريم: “داعبت مخيلتي منذ سنتين فكرة جمع كتاب عن الموضة في الأماكن العامة، غير أنني واجهت تردداً حتى من أكثر النساء اتباعًا لنمط الحياة الغربية فيما يخص إظهار وجوههن في الصور. كلهن عبرن عن حماسهن الشديدة لتقديم مساهماتهن في الكتاب، غير أنهن جميعاً طلبن عدم إظهار وجوههن في الصور أو تجهيلها بقبعة أو بظل عند النشر. لكن فيما كان الوقت يمضي سريعاً نحو الموعد النهائي لتقديم المساهمات لنشرها في “تحت العباية” وخلال مراجعتي وفريقي لاستمارات التصريح بالنشر، تفاجأنا بأن أكثر من 98 في المئة منهن لم يكتفين بطلب نشر أسمائهن فحسب بل ونشر مواقعهن الإلكترونية أو حساباتهن على إنستغرام.”

عبدالجليل فلمبان

ذلك التحول في طريقة التفكير الذي يلف المنطقة بأسرها صار شيئًا ملموسًا، وهو تحول يأتي بنفس جديد، هذا إن لم يكن قد تأخر كثيرًا. غير أن مثل هذه التغيرات لا تأتي من دون مقدمات؛ إذ هناك نسوة يوفرن القوة الدافعة لها ويجدن لأنفسهن هويات جديدة في مجتمع وجدن فيه التمكين أخيرًا. تقول مريم: “بصراحة، حتى أنا اندهشت إلى حد الصدمة من هذا التحول في العقلية في كل هذه المدن خلال مدة قصيرة من الزمن مثل هذه! وأظن ذلك جاء نتيجة مباشرة لمشاهدتهن أمثال صاحبة السمو الملكة الأميرة الجوهرة بنت طلال آل سعود وصاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر آل سعود خلال ظهورهن في المؤتمرات وعلى وسائل الإعلام وهن يمثلن باعتزاز كبير المرأة السعودية. ومثل هؤلاء استطعن أن يلغين من الأذهان ذلك العيب المجتمعي المتمثل بكشف المرأة عن هويتها وتغيير عقلية الأوساط المجتمعية الأكثر تحفظاً ليتحولن إلى قدوة للأجيال الجديدة.”

هويتنا هي شيء يولد معنا إلى حد معين: المورثات والطبيعة والتغذية – وعلى مسيرة نمونا فإننا نبني ونصوغ ونهندس هوياتنا أكثر. ومن بين أكثر جوانب هوياتنا وشخصياتنا ظهورًا أمام الآخرين هو ملابسنا – ماذا نلبس وكيف. وهذا هو ما يعطي الموضة والأزياء قوتها، وإلى حد بعيد أيضاً مغزاها. البشر بطبيعتهم ميالون إلى التشخيص وتصوير الآخرين وفق صور نمطية، فتلك طريقة تبسيطية للنظر إلى العالم من حولنا.

أميرة تركستاني

تتحدث مريم عن الأفكار المسبقة لدى وسائل الإعلام عن المرأة السعودية إلى الدرجة التي نجد فيها أن أي قصة لا تتناسب مع تلك الأفكار المسبقة تخضع للتحرير بل وحتى للإلغاء نهائياً من إنتاجها: “ليس سرًا أن وسائل الإعلام كثيرًا ما تقدم توصيفًا منحازًا وقديم العهد عن النسوة السعوديات وهذا ما أود تغييره أنا. أريد أن أبين للعالم كيف أن النسوة السعوديات أكثر بكثير من مجرد تلك الصورة عن المخلوقات الصامتة المتشحة بالسواد اللواتي نراهن في الأخبار. نحن حالمات ورائدات وأمهات وطبيبات وصاحبات مطاعم وطالبات وكل ما هو غير ذلك.”

وهنا كان سؤالي: كيف تسهم العباية في إحداث هذا التغير المجتمعي؟ تجيب مريم: “في السابق، كان خروج السعوديات من بيوتهن محدوداً بالمدرسة والمناسبات المجتمعية. ولهذا كانت العباية عليهن تعكس ذلك الواقع – مترفة، باذخة ورسمية، تناسب حفلات الزفاف والولائم والسهرات.” وبالفعل فقد شهدت السنوات القليلة المقبلة نمواً هائلاً في سوق منتجات اللياقة البدنية النسوية في السعودية، وهكذا تطورت العباية مع هذا التطور في نمط الحياة حيث ظهرت العبايات ذات التصميم الرياضي حتى أصبحت مشهداً معتاداً بأقمشتها التي تساعد في التعامل مع الحرارة والمرنة التي يمكن مطها بما يسهل حرية الحركة على المرأة خلال التريض. كما أن التشريعات التي صدرت مؤخراً جعلت العباية شيئاً اختياراً أكثر ما دامت المرأة تحافظ على حشمتها فيما تلبس. ولكن مع تلك العلاقة العضوية التي تجمع هذه الظاهرة بالدولة وتاريخها، فالأمر لا يعني التخلص من العباية نهائياً بل جعلها تتلاءم وحياة المرأة السعودية المعاصرة باعتبارها زياً ذا خصوصية وظيفية. تقول مريم، “لطالما كان هدفي هو أن أجعل من العباية رمزاً من رموز الموضة العالمية مثلها مثل الكيمونو الياباني أو القفطان في المغرب العربي. أتوقع أن تواصل كثيرات من النسوة اختيار العباية زياً لهن لتكون تعبيراً عن الاعتزاز بهويتهن الوطنية، مثلما تفعل الإماراتيات على سبيل المثال.”

مريم موصلي

غير أن هذا التحول المجتمعي مرتبط أيضاً بالإصلاح الاقتصادي الذي تشهده المملكة مثلما هو على علاقة بتواصل تدفق السعوديات نحو سوق العمل في مبادرة تقودها الحكومة السعودية ورؤية ولي العهد 2030. “على نحو يشبه كثيراً ما كان عليه الحال في الولايات المتحدة في ثمانينات القرن العشرين، أظن أننا سنرى ظهور ’قوة العباية‘ مثلما رأينا هناك بروز ظاهرة ’قوة البدلة‘ التي تمثلت في البدلات ذات الأكتاف المبطنة ببطانة سميكة. ولا شك في أن العبايات ستكون أقصر طولاً لأن مسألة تشابكها بدواليب الكراسي المكتبية تمثل مشكلة بكل معنى الكلمة. أما الأقمشة القطنية السميكة فستتراجع أمام الخامات التي لا تتجعد وسيتحول التصميم شيئاً فشيئاً ليقترب من البدلة الرجالية مبتعداً عن الكيمونو الأسود الفضفاض.”

في هذا المجتمع النابض بالحركة والحيوية الدافقة في ظل الكثير من العزم والإرادة لدى القيادة، فإن مريم هي واحدة من الكثيرات اللواتي يمهدن الطريق أمام هذا التغيير. “طالما كنت سيدة أعمال مبادرة ومبتكرة، غير أني أميل الآن أكثر للقيام بدور المحفز والمحرض حيث أوظف جواز سفري وشخصيتي الأنثوية لإبراز ذلك التقدم الذي تحرزه السعوديات وتشجيع التغير المجتمعي عبر المبادرات الخيرية.”

تستعد مريم لإطلاق الإصدار الثاني من “تحت العباية” في فبراير 2019. ويمكن للراغبات في المشاركة إرسال مساهماتهن إلى الموقع undertheabayaksa.com أو البريد الإلكتروني undertheabaya@nichearabia.com.