…ثلاثون و

خمس نساء يوثقن لمرآه ما يعنيه لهن سن الثلاثين.
آية أحمد

March 15, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

تَبدلت فصولها، تَعكرتّ سَماءُها بغيوم العُمَر، عَصفت بها رياح الثلاثون، أمطرت عليها وابلاً من الأوسمة العانس، الوحيدة، البائسة، التعيسة. هي فتاةٌ فاتها قِطار العمر قبل أن تصبح امرأة، شَحّت فُرصُها في الزواج، في الإنجاب، في السعادة… هكذا يصور لنا المجتمع، عزباء الثلاثون.

نعم، قد تعصف بكل فتاة ثلاثينية هذه المخاوف بين الحين والآخر متشكلة بكوابيس ونوبات رعب ليلية تطاردها بعد كل محاولة تملص فاشلة من العزائم العائلية، وجلسات الشاي يوم الجمعة مع الجارات، ومناسبات اجتماعية من تخطيط والدتها – لأنها على يقين من أن الدعوة المعتادة والمُحملة بنظرات الشفقة… “عُقبالِك”… ستفتح عليها مائة باب وباب من الأسئلة. ثم تعود لمساحتها السرية وتُدرك أنها في عصر مُختَلف وأن هذه المخاوف فُرِضت عليها بسبب ضغوطات العائلة وأفكارهم التقليدية. في أبسط وقفة مع الذات، تتذكر أحلامها وطموحاتها المهنية، تتذكر المغامرات التي لم تخُضها بعد، تتذكر أنها لن تقبل أن يفرض عليها المجتمع شروطه. ولكن، أهي شروط مُجتمع تُفرضُ عليكِ أم أنها مَخاوِفٌ تَرفُضين الإصراح بِها؟

تفصلني أيام عن بلوغي سن الثامنة والعشرين، فأحببت أن أناقش الموضوع مع صديقاتي لأعرف ما إذا كان هذا التخبط حالي أنا فقط أم أنها مخاوف تراودنا جميعًا كفتيات في مقتبل الثلاثين. هل نخط ملامح الفتاة الثلاثينية المعاصرة؟ أما أننا ضالات عن المعنى الحقيقي للحياة؟

آية أحمد

 

26، 27، 28…

هكذا ترى وسن مخلوف، 26 سنة، سن الثلاثين: “وأنا طفلة كنت أشعر بأن الثلاثين بعيدة كل البعد عني، كنت أشعر أن كل من بلغ الثلاثين “خلاص راحت عليه”، ولكني كل ما أكبر وتزداد خبرتي الحياتية، أشعر أن كل من في سن الثلاثين أو حتى الخمسين لا يزال في مقتبل العمر وأمامه فرصة كبيرة لتحقيق أحلامه. تفصلني أربع سنين على وصول الثلاثين، وأعي لجميع التوقعات المجتمعية المفروضة عليّ كفتاة، فالنظرات المستغربة ستزداد إذا لم أكن متزوجة أو عندي أطفال. وكل ما تقل المسافة التي تفصل بيني وبين الثلاثين، يزداد لدي هذا الخوف الصامت من رد فعل أهلي إذا لم أتزوج قبل الثلاثين. وبالرغم من معرفتي ويقيني من محبتهم وتفهمهم لرغبتي، إلا أني أشعر بالمسؤولية الشخصية تجاه هذه التوقعات.

وسن مخلوف

“أطوي صفحة ال27 وأنا بلا وظيفة، بلا رأس مالي، بلا زوج… وبلا أطفال. أقف على سلم الحياة معاكسة لتصورات المجتمع لتسلسل حياتي. بعد عيدي ال27 بأسبوع قررت ترك وظيفتي لأطرح على ذاتي أسئلة لم أعرف جوابها “ما هي أحلامك؟ ما هي أهدافك في الحياة؟ من أنتِ؟ ماهي صفاتك؟ ماذا تحبين وتكرهين؟”…  قررت أن أستثمر وقتي (وهو كل ما ملكته حينها) للتعرف على ذاتي. قد أكون اتخذت هذا القرار نتيجة “أزمة مقتبل العمر” التي تواجه الكثير ممن في جيلي، ولكني أقف اليوم في شقتي الصغيرة والخاصة بي، حاملة كاميرتي المتواضعة وأنا في قمة السعادة والرضا. نعم، اتخذت خطوة جريئة وصفها الكثير ممن حولي بالتسرع والعجرفة، إلا أنني الحمد لله استطعت أن أخطي خطوات في الطريق الصحيح. فاليوم استكشف أحلامي وصوتي في الحياة.” آية، 27 سنة.

أما أسماء حناوي، 28 سنة، فترى أن مقياس العمر هو مفهوم اجتماعي لا تتقيد به، “العمر بالنسبة لي هو مجرد رقم، ليس أكثر ولا أقل. لا أقيس وجودي به، فأنا روح وطاقة، ولديّ أهداف لا تتقيد بجسد أو بكيان فيزيائي. أنا أؤمن بأننا أرواح وضعت في أجساد لتحقيق أهدافها في مشوار الحياة. هل أخاف من الثلاثين، بالتأكيد لا، أنا استشرف كل سنوات العمر بيقين قوي أن كل يوم هو صفحة جديدة مليئة بالتجارب، والدروس واللحظات، ومجموعها هو رحلة المرء مع الزمان ليس أكثر.”

ثلاثون… 

“أحتفل اليوم بعيدي الثلاثين في بيتي مستشعرة نعم الله عليّ… استذكر اليوم إنجازاتي، طموحاتي وعملي الشاق وأحمد الله على فضله”، هكذا احتفلت سماح صافي، مخرجة ومنتجة أفلام عربية في واشنطن، بعيد ميلادها الثلاثين.

“قد تمر الكثير من النساء بمرحلة صعبة وتساؤلات عن معنى حياتهن وما قد حققن عند وصولهن لسن الثلاثين، ولكني والحمد لله في وقفتي مع ذاتي اليوم أشعر بالرضى التام والفخر بنفسي. عندما كنت في سن العشرين، تصورت العشر سنوات القادمة من حياتي، ثم دعوت الله لييسر ما فيه خير لي، ثم بدأت العمل على تحقيق هذه الرؤية التي رسمتها لنفسي ولحياتي في الثلاثين، وعندما أنظر اليوم لهذه الرحلة يملؤني الشعور بالرضى لأنني استطعت بفضل الله تحقيق أغلب ما تمنيته وسعيت إليه وكله بتوفيق من الله”. 

“خلال العشر سنوات الماضية لم أتوقف فيها عن السعي و العمل، استطعت أن أنتج وأخرج أفلامًا حازت على جوائز عديدة تحمل رسالة إنسانية مهمة وتنشر قيمًا نبيلة. استطعت أن أعطي صوتًا لمن لا صوت له من المظلومين والمستضعفين، استطعت أن أروي قصتنا كمسلمين للجمهور الغربي وأظهر صورتنا المشرقة التي نستحقها. ممتنة لله على سبعة سنوات حتى اللحظة قضيتها مع زوجي أكثر من أحب، رجل خلوق محب ومعطاء، وبنيت علاقة متينة ورائعة مع عائلتي الغالية، وكونت صداقات دامت سنوات طويلة وستدوم ان شاء الله، والأهم من هذا كله لدي علاقة رائعة مع نفسي”. 

“أشعر اليوم بأنني كيان ناضج يفيض بحب الحياة، ولكن اليوم هو وقت النظر للأمام لا للخلف، لأتطلع لما هو قادم بكل شوق. سأمشي في طرق لم أسر فيها من قبل، سأنتج أفلامًا وأروي قصصًا لم أرويها من قبل، سأحب من كانوا دائماً حولي بشغف وإخلاص كبير. رسالتي هي نشر الحب والتسامح، والخلق الحسن لأصل إلى رضى الله عز وجل”. 

“إليكِ عزيزتي يا من تخافين الثلاثين، حياتكِ ملككِ تصوريها واعملي بجد وعيشيها برضى من الله واعشقي تفاصيلها”.

سماح صافي

وما بعد الثلاثون

“أخبرتني أمي أنها تؤمن بأن الله سيبعث البشر للحساب يوم القيامة في سن الثلاثين، لأن الثلاثين دينيًا هو سن الرشد. ومن هنا نبع اعتقادي بأن 30 هو سن الكمال، فهو السن التي تصل فيه الفتاة إلى تمام أنوثتها، وهو السن التي تكتسب فيه الثقة بالنفس التي لا طالما حلمت بها”، هكذا شاركتنا نيمال الصديقي، شاعرة معاصرة، تجربتها الثلاثينية قبل بضع أيام فقط من عيد ميلادها الواحد والثلاثون.

“في عيد ميلادي الثلاثين، لم أتحول فجأة إلى هذه السندريلا القوية والجذابة عندما دقت الساعة الثانية عشر، لم أشهد التغيير خلال أسبوع أو شهر أو يوم، إلا أنه تغير فيّ شيء… تمكنت من التصريح عن رأيي والتعبير عن ذاتي بدون أي خجل أو خوف من رد فعل الآخر. قد لا أكون متصالحة مع ذاتي كليًا، إلا أنني استطعت وأخيرًا أن أقول لا عندما أريد، استطعت أن أودع المواقف والأشخاص الذين لا يروقون لي.”

“وأنا أطوي صفحة الثلاثين اليوم أقول لكل فتاة، أن العمر ما هو إلا مجموع لحظاتك أنتِ، قراراتك أنتِ… ثلاثونكِ هو ما تختارين.”

الشاعرة المعاصرة نيمال الصديقي

تصوير آية أحمد

مقالات مقترحة

صوت المرأة… ثورة
(شابة تقود متظاهرين في هتاف ثوري في الخرطوم، السودان، 8 أبريل، تصوير لانا هارون @lana_hago) ”صوت المرأة عورة“، هذه العبارة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...
كيف تتعامل مع صحافية رياضية من وجهة نظرها
كنت طفلة هادئة للغاية لا أحد يسمع لها صوتًا... لا تُحب اللعب برفقة غيرها من الأطفال في الشارع الذي تسكن...