رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال

هل تختلف نظرتنا للجمال بين الطفولة والبلوغ؟
ليلى يمّين

October 8, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

الصورة من شترستوك

من أصعب الأمور الّتي يمكن تحديدها هو معنى كلمة ”جمال“.

كلمة سائدة جدًا ويستخدمها الجميع بجميع الحالات، لها تعريفات مختلفة وعديدة جدًا، وتعتبر إمكانيّة تحديدها طبيعيّة وسهلة حسب المعايير العالميّة المرتبطة بأرقامٍ وأشكالٍ معيّنة. لكنني، ونيابةً عن جميع النساء، يمكنني القول أنّ الجمال لم يُحدد يومًا ولن يُحدد. كما أنّ هذا المفهوم أصبح متداخلاً مع الأفكار المسوّق لها بشكلٍ مكثّف ودائم على وسائل التواصل الاجتماعي: أشكال الجسد، الأنف الجميل، لون العيون، قصّة الشّعر…

إلّا أنني لا أعتقد أنّ الجمال يكمن في هذه التفاصيل فقط، بل إنّها تفاصيل سطحيّة تلعب دورًا مهمًا في التلاعب بنظرتنا وتقديرنا لذواتنا كنساء، لكنها ليست الأساس، ومفهوم الجمال لا يفسّر في هذه الملامح فقط. إضافةً إلى الشّكل هناك اليوم إعادة إحياءٍ في عالم الموضة لبعض الخصائص من السبعينات، الثمانينات، والتسعينات؛ إلّا أنّ النظرة إلى هذا الإحياء ومفهوم الجمال بحدّ ذاته تتغيّر بشكلٍ كبير بين مختلف الفئات العمريّة والأجيال.

فقررنا التحدّث إلى ثلاثة نساء من أجيالٍ وأعمار مختلفة لمحاولة فهم مختلف وجهات النظّر لهذا الموضوع.

 

ما هو الجمال؟

تقول نور (55 عامًا): ”منذ فترة سألني أحد الأشخاص عن صديقتي التي كنت أكلمّها عنها وما إذا كانت جميلة. سكتت فأجبتها بأنني لم أفكّر في هذا الموضوع في الأساس. في اللحظة ذاتها أفكّر فيها كأجمل الأشخاص الّذين أعرفهم، لكن فعليًا، وبحسب المعايير العالميّة للتفاصيل والمقاسات المثاليّة، فهي لا تحصّل منها شيء. لكن جمالها يكمن في شخصيتها وأخلاقها وطريقة تعاطيها مع الأشخاص حولها… فالجمال بالنسبة لي هو حضور الشخص وفرحه. النظرة إلى مفهوم الجمال بالنسبة للمرأة هي نظرة ثابتة ولا تتغيّر، فالمهمّ أن تبقي المرأة على اهتمامها بنفسها بالطريقة الأمثل إليها ولا شيء يمكن أن يبدّل هذه النظرة لاقتناعها بحالها. فالجمال هو رضا الشخص عن نفسه، بغضّ النظر عن رأي الآخرين، كما أنّه القيام بالأمور التي تجعل المرأة مرتاحة وسعيدة بذاتها، وأعتقد أنّ هذا هو الجمال بحدّ ذاته“.

بالمقابل تعتبر هلا (23 عامًا) أنّ الجمال مرتبط مباشرةً بالكاريزما والطاقة الإيجابيّة: ”الجمال هو الطّاقة التي تنبعث من الشخص أولاً والكاريزما التي يتمتّع بها الّتي تلفتني بشكلٍ كبير. مثلاً إذا كنت مع شخصٍ إيجابيّ، فعلاً أشعر أنّ ذلك ينعكس مباشرةً على نظرتي إليه وعلى شكله الخارجيّ، وأرى بالتّالي الجمال بشكل مختلف. أحياناً كثيرة أتعرّف على أشخاص بهيئة جميلة (أي وجه وجسد جميل…) وبشخصيّة لا تعجبني، فأنسى شكلهم وأشعر أنني أفضّل الابتعاد عنهم مهما كان جمالهم الخارجي رائع! الجمال هو الثقة والسعادة والإيجابيّة“.

أمّا الأصغر منهما سنًّا، سارة (13 سنة)، فهي لم تحدد رأيها بالموضوع بشكلٍ كاملٍ بعد: ”أنا أفكّر بجمالي الخارجي أولاً وشكلي وثيابي، وأحيانًا أفكّر بالجمال الداخلي وهذا يعني أن يكون الشخص مريح وطريقة تفكيره تعجبني! أصلاً، أنا أعتقد أنّ كلّ شخص جميل جدًا، لكن لا يرى الجميع نفس الجمال وأعتقد أنّ لكلّ شخص رأي مختلف بموضوع الجمال. وعادةً المرأة بتهتمّ بحالها أكثر من الرجل لإنه هي أهمّ!“

كيف نهتمّ بجمالنا؟

تقول نور: ”بالنسبة لطريقة اهتمامي بجمالي، فهي تكمن بالقيام بالروتينات اليوميّة التي تريحني، مثل شرب الكثير من المياه أولاً، وأحاول بقدر المستطاع الحفاظ على رشاقتي من خلال رياضة المشي يوميًا، بالإضافة إلى الاهتمام الدائم بالبشرة. والأهمّ من كلّ ذلك، فهم ما يحتاجه جسدي ونفسيتي، قبل الأمور المتعلّقة بالمكياج، أو الثياب وغيرها… مثلاً، لا يهمني إذا عادت موضة ألوان معينة أو اختفت. أنا أقرر أن أتماشى مع نفسي وألواني وما يليق بي. كما أنني لا أهتمّ فعليًا بإعادة أي شيئ اختفى مع ”الترندز“ الجديدة، فالشيء الوحيد الذي أهتم بإعادته هو بساطة الأمور الجماليّة أكثر“.

أمّا هلا فهي أيضاً ترى أنّ أهمّ طريقة للاهتمام بالجمال هي الاهتمام بالذات أولاً: ”أهتمّ ببشرتي كثيرًا وبرشاقتي الجسديّة وأناقتي بثيابي. أنا أرقص وأهتمّ كثيرًا بأكلي لأنّه يجب ان نكون مرتاحين مع أجسادنا لينعكس على مظاهرنا. كما أنني أشرب الكثير من المياه، بالإضافة إلى الروتين اليومي الإلزامي للعناية بالبشرة، وطبعًا ليس بشرة الوجه فقط. بالنسبة لأقنعة العناية بالبشرة، و”الترندز“ الجديدة، كاستخدام حجر الكوارتز وغيرها من هذه التقنيات، فحقيقةً أنا أقوم بها، ليس بشكلٍ دائمٍ، ومعظمها مع صديقاتي عندما نكون سويًا. نهتمّ بشعرنا، أظافرنا وينتهي النهار بماسكات من الأفوكادو والخيار! أمّا سر جمالي الشخصي؟ فهو حبّ الذات طبعًا بعد المياه!“

إلى حدّ الآن يبدو أنّ المياه وروتين العناية بالبشرة يوميًا هو السرّ الطّاغي عند النساء. لكن سارة بدأت بالعناية بنفسها وبجمالها منذ حوالي سنتين، وأهمّ جزء لديها هو المرطّب الجسدي اليومي برائحة اللافندر بعد الحمام: ”للحفاظ على جمالي، يجب أن أرتدي ثياب مرتّبة وأنيقة، وأرتّب شعري وأهتمّ به دائمًا بالإضافة إلى المرطّب الجسدي اليومي. فالجمال هو الاهتمام بالذات! وأحيانًا عندما أكون منزعجة أحبّ أن أهتمّ بأظافري، أو أجرّب بعض الميك أب وغيرها من الأمور“.

ما هو الدور الّذي تلعبه الأمّ؟

بغير شك، أي امرأة قضت معظم طفولتها تراقب ما تفعله أمّها وكيف تمشّط شعرها، والثياب التي ترتديها… لكن هناك طرق مختلفة لتعامل الأمّ مع هذا الموضوع. هلا كانت (ولا تزال) تبهرها أناقة أمّها، كما أنّها لعبت دورًا أساسيًا في نظرتها للجمال ونظرتها إلى ذاتها: ”الماما رسّامة، وأنا أعشق ذوقها. أحبّ جدًا نظرتها الجماليّة بشكل عام وأعتبر أنّها أثّرت كثيرًا على أفكاري المتعلّقة بهذا الموضوع ونظرتي إلى الجمال. أمّي أيضاً من أكثر المهتمين بموضوع الجمال والعناية بالنفس ومن أكثر المشجعين على العناية اليوميّة بالبشرة. كما أنّ أناقتها كانت تبهرني منذ صغري وكنت (ولا زلت) أسعى دائمًا لأبدو وأتصرّف مثلها. خلال فترة نضوجي، كانت دائمًا تتابعني وتعلمني أشياءً جديدة وطرق جديدة لأهتمّ بنفسي وذلك طبعًا ضمن الحدود المرتبطة بالعمر“.

تقول نور: ”أمي تحبّ جدًا المواضيع المتعلّقة بالجمال والاهتمام بالنفس. كانت، ولا تزال حتّى الآن، تهتمّ جدًا بالوجه، والبشرة، والشعر والجسد… وعندما كنت صغيرة كنت أعجب كثيرًا بأفكارها التي كنت اعتبرها سبّاقة، وبطريقة تعاطيها مع هذه الأمور خصوصًا وأنني كنت ألحظ أن أمّهات صديقاتي لم يتصرّفن على هذا الشكل. عندما بدأت الدخول بمرحلة البلوغ وبعدها المراهقة، بدأت أمّي بتعليمي عن كيفيّة الاهتمام بالبشرة، وأهميّة الاهتمام بها بشكلٍ دائم والبقاء على ترطيبها، كما أنّها كانت تشدد على أهميّة شرب المياه وهذا ما أقوم به مع ابنتي اليوم! كما أنّه ومع الوقت علّمتني مختلف الأمور التي يجب اتّباعها في حياتي اليوميّة وبشكلٍ طبيعيّ وروتينيّ“.

سارة لا تزال حتّى اليوم تطلب المساعدة من أمّها، وتعتمد عليها لتعلّمها بعض الأمور: ”أحبّ كثيرًا مظهر أمّي وأراقبها دائمًا، ثمّ أجرّب أن أقلّدها وأضع بعض المكياج، بالرّغم من أنّ ذلك ممنوع لأنني صغيرة. لكنّها تعلّمني دائمًا كيف أهتمّ بجسدي وببشرتي، ودائمًا ما تزودني بمختلف أنواع المرطبات لجسدي، وأحيانًا لوجهي (ليس كثيرًا لأنّها تقول أنني لا زلت صغيرة) ولشعري. بالنسبة إلى نظرتها لهذا الموضوع، أحيانًا أحبّ ذوقها الجمالي، وأحيانًا لا أحبّذه. فهذا هو تفكيرها الخاصّ ولست مجبرة على اتّباعه!“

المشاهير والإنفلونسرز: من يؤثر على نظرتنا للجمال؟

تقول نور: ”عادةً ما يبرزون المشاهير كمثلنا الأعلى في الحياة والجمال والنصائح الجماليّة، في حين أنّ هؤلاء الأشخاص، الذين نرى جزءً صغيرًا جدًا فقط من حياتهم، كرّسوا وقتهم بأكمله وحياتهم من أجل هذا الموضوع بالذّات وهي القصّة ما بدها هالقد! فالمهمّ هو الاهتمام بالأمور الصحية أولاً! أمّا بالنسبة لعمليات التجميل فأنا من مشجّعيها بغرض ”الترتيب“ وليس التغيير طبعًا وخصوصًا ملامح الشخص. وأخيرًا لا أعتقد أنّ الانفلونسرز أثّروا على نظرتنا للجمال. هذا الموضوع شخصي جدًا، وكلّ شخص يحدد مفهومه الخاصّ بالجمال من دون تأثير الآخرين!“

أمّا هلا، فلديها نظرة مختلفة تمامًا وتقول: ”الإنفلونسرز والجمال = خراب بيوت! نحن نعيش في عالمٍ افتراضيّ، وهؤلاء الأشخاص يفرضون علينا نوع من الحياة الوهميّة من خلال ما نراه! فمن المستحيل أن يكون شكل أي امرأة كأشكال هؤلاء النّساء! برأيي أنهم أثّروا على الجميع بشكلٍ سلبيّ جدًا وخصوصًا البنات الأصغر سنًا بصورهم المعدّلة وبالكمية الهائلة من الدعايات والميك أب وعمليات التجميل. النساء اليوم بتن يربطن مفهوم الجمال بهنّ، ناسين أنّ هؤلاء الأشخاص لا يفعلون شيئًا سوى تكريس وقتهم للحصول على صورة كاملة وهميًا. كما أنّ معايير الرجال تغيّرت مع معايير الانفلونسرز، هؤلاء اليوم يتخايلون أنّ كلّ امرأة سيتعرّفون عليها يجب تلقائيًا أن تشبه الصّورة المسوّق لها من خلال الانفلونسرز. وأخيرًا، وبالنسبة ليّ، أنا أعتقد أن جزء بسيط من التأثير على نظرتنا لأنفسنا ولجمالنا يعود إلى الرّجل، خصوصًا أننا كنساء نهتمّ بنظرة الرجل إلينا للأسف الشديد. لكن هذا لا يغيّر ولا يلغي النظرة والمفهوم الأساسيّ لكلّ شخص الغير متعلّق فعليًا بهذه التفاصيل. فالجمال هو شعور داخليّ ولا أحد يحدد معناه غيري أنا!“

أمّا الصغيرة بينهنّ، فهي غير مهتمّة أبدًا بما تراه بالرّغم من تعرّضها الدائم لصفحات التواصل الاجتماعي، فتقول سارة: ”أولاً هناك الكثير من عمليات التجميل وهذا شيء محبط. الجمال ليس في عمليات التجميل! وأصلاً لا أهتمّ كثيرًا بما أراه من قبل الانفلونسرز والمشاهير على الشاشة لأنّ ليس كلّ ما يفعلونه ”مؤثر“ حقًا، ولا ينبغى أن نقلدهم في كلّ ما يقومون به. بالنسبة للنساء الذين نراهم في الإعلانات بوجههنّ الجميل وشعرهن المثالي، فهذا ليس الجمال الواقعي؛ هناك الكثير من الأمور الأهمّ من ذلك!“

مقالات مقترحة

جمال فقدان الشعر
تصوير مشاعل الساعي هذا الجزء من سلسلة مرآه لـ”الجمال“ - والتي نستكشف من خلالها معنى الجمال وارتباطه بالصورة الذاتية -...
كيف دفعتنا الإعلانات المثالية للسعي المرهق نحو الكمال الوهمي؟
الصورة من غيتي ايمجز في السنوات الأخيرة، حدثت طفرة عملاقة في مجال الإعلانات في حياتنا كشباب ننتمي إلى جيل الألفية،...
السلام الداخلي: رحلة حياة
الرسوم من شترستوك ”إن الرغبة في المزيد من التجارب الإيجابية هي بحد ذاتها تجربة سلبية، والمفارقة أن قبول المرء لتجاربه...
سألنا النساء عما تعرضن له من تنمر ومضايقات بسبب مظهرهن الخارجي
تتعرض المرأة في جميع أنحاء العالم للتنمر والمضايقات بسبب مظهرها الخارجي أو شكل جسدها أو ملابسها أو هيئة شعرها وهذا...