رحلتي إلى اللياقة البدنية

من قال أن خسارة الدهون هي الأهم؟
آية عبد الرحمن

November 27, 2018

وقت القراءة: 6 الدقائق

تنظر مجتمعاتنا العربية إلى الرياضة كنشاط ترفيهي، إن لم تُعتبر هوايةً للمدللين، ولا تعد ممارسة مألوفة إلا لفئات محدودة، مثل الرياضيين المحترفين والأشخاص الذين يعانون السمنة ويسعون لخسارة دهونهم، أمَّا من يطورون لياقتهم البدنية لأسباب صحية، بعيدًا عن نحت الجسم وفقد الوزن، فغالبًا ما يتعرضون للسخرية ويُقابلون بالاستغراب!

تفرق مجتمعاتنا أيضًا بين الرجال والنساء في ممارسة الرياضة، فمن المقبول تمامًا أن يتمرن الرجل لأسباب جمالية مثل تكوين العضلات أو ضبط هيئة الجسم، وفي مصر نستخدم مصطلح “فورمة الساحل”، للدلالة على الهيئة العضلية الجذابة التي يسعى الشباب لاكتسابها طوال شهور الشتاء لاستعراضها على الشواطئ صيفًا. على الجانب الآخر لا نحظى كنساء بنفس التسامح عندما نمارس الرياضة لنكتسب جسمًا جذابًا وصحة جيدة، فنسمع عبارات مثل “وفري المال لتجهيز نفسك للزواج”، أو “وفري المال لأجل بيتك وأولادك”، ونجد صعوبة في العثور على صالة تدريبات رياضية (جيم Gym) مناسبة، فالجيم المخصص للسيدات فقير جدًّا بالأجهزة، أو هو مشروع تجاري لشخصٍ لا يفقه شيئًا عن الرياضة ويتيح أجهزة متواضعة للتدرب دون خطة أو توعية ببرنامج غذائي. بالطبع هناك صالات رياضية جيدة، لكنها تخدم الرجال غالبًا، وربما تتيح ساعتين للسيدات ثلاث مرات أسبوعيًا في الصباح الباكر فيستحيل اللحاق بها، أو تكون باهظة الثمن بما يبعدها عن متناولنا. المضحك أنه رغم هذه العقبات ينتظر المجتمع منا أن نكون جميلات ورشيقات، وتلاحقنا ثقافة الـBody Shaming لترفض منحنياتنا الكبيرة، وأي امتلاء في أجسادنا، وتفرض علينا نموذج الفتاة النحيلة باعتباره المثل الأعلى في الجمال!

أعتبر نفسي جزءًا من طائفة كبيرة من السيدات غير المهتمات بتصورات المجتمع عنا، أرفض نموذج الجمال الموحد ولا أريد أن أكون نحيفة، لا أقتل نفسي لخسارة الدهون، ولا يضايقني كرشي، أو الترهلات الطبيعية في فخذي وظهري وذراعيَّ، لكنني أمارس الرياضة وأراقب طعامي لأسبابٍ صحية بحتة، وكانت البداية بعد وعكة جعلتني أفيق لما يفعله غياب الرياضة عن حياتنا. دعوني أحدثكم عن رحلتنا للياقة البدنية بعيدًا عن خسارة الدهون.

الرياضة للهروب من عواقب الوظيفة المكتبية

في شتاء 2017 عانيت أزمة صحية قاسية، آلام شديدة في كعب قدمي تعجزني عن المشي، وآلام في كتفي ورقبتي وعمودي الفقري. كنت أعمل بدوامٍ كامل يمتد حتى 12 ساعة يوميًّا أحيانًا، مع مهام طارئة في الإجازات. تدهورت صحتي وتم تشخيصي بتيبس عضلات الكتفين والرقبة، والتهاب فقرات الظهر، وبقي ألم قدمي لغزًا لم تكشفه التحاليل والأشعة. مع حلول الربيع كنت طريحة الفراش عاجزة عن الحركة، محاطة بأدوية سببت لي مشاكل في المعدة، خصوصًا أنني أنهكتها بالطعام غير الصحي طويلًا.

كانت وعكتي هي هدية جلوسي المستمر على المكتب وقلة الحركة والنشاط. دون تفكير قدمت استقالتي، وفي أواخر مايو/أيار استرددت قدرتي على الحركة جزئيًّا، فحملت حقيبة صغيرة، ومعدات السباحة، وانطلقت إلى سيناء. لمدة 35 يومًا عشت بشكلٍ مختلف، التزمت بالطعام الصحي والفواكه الطازجة، والسباحة لساعتين أو ثلاث يوميًّا، وممارسة الغوص الحر، وبعد الغروب أخرج لأرتحل بين الجبال، أمشي لثمانية كيلومترات على الأقل في ظلامٍ مريح تضيئه النجوم والقمر، وأعود عند منتصف الليل.

غيَّرت تلك الرحلة حياتي، لم أهتم بما فقدت من كيلوجرامات قليلة قدر اهتمامي بزيادة كتلتي العضلية وقوة تحملي، واختفاء آلامي كأنها لم تكن. لمدة عام التزمت بالرياضة، وأداء “تمارين المكتب” كل ساعتين. حافظت على صحتي خصوصًا بعد توجهي للتصوير الفوتوغرافي، بما يقتضيه من مشي طويل، ومعدات ثقيلة أحملها فوق ظهري طوال اليوم.

قبل أشهر أهملت الرياضة لأسابيع فانتكست مجددًا، انقضت عليَّ آلام فظيعة في ظهري وعاد وجع كعبي أسوأ مما كان، لحسن الحظ قابلت طبيبًا واسع الخيال أجرى لي أشعة على الرقبة لا العمود الفقري كالسابقين، وفي هذه المرة أمسك الخلل. جلوسي كالتمثال أمام اللابتوب جعل فقرات رقبتي تستقيم وتفقد الانحناءة الطبيعية، فانضغطت بعض الأعصاب بين الفقرات وانطلق صدى الألم بعيدًا. أصبحت الرياضة مسألة حياة أو موت في حياتي الآن. إذا كنت تمسكت بها سابقًا لأني أحب شعور القوة والصحة والمرونة، الآن أتمسك بها لسبب إضافي وهو حماية نفسي من ألمٍ قد يغدو مرضًا مزمنًا. لا يجب أن نترك نفسنا أبدًا حتى نبلغ هذا الحد.

آية عبد الرحمن

الموت بصحة جيدة أفضل

يقول الممثل العالمي آل باتشينو: “إذا تناولت الطعام الصحي، ومارست الرياضة بانتظام، وامتنعت عن التدخين والكحول، فسوف تموت بصحة جيدة”، وهي مقولة أكرهها وأراها أثرت في كثيرين بالسلب، ودفعتهم للتخلي عن صحتهم انتصارًا لفكرةٍ طفولية بأن كل الجهود ضائعة لأننا سنموت في النهاية. بالتأكيد كلنا سنموت، ولكن شتَّان بين موتٍ وموت. توافقني الرأي ندى عبد الرحيم، 27 سنة، طبيبة أسنان، وتحكي لي قصتها: “كنت أسخر من أصحابي غير المدخنين وأخبرهم أنهم سيموتون في نهاية المطاف، ولكن في لحظة مرض حقيقية، رأيت أن الموت بصحة جيدة في حياتنا المعاصرة يعتبر تحديًا في حد ذاته، فلا أحد يهتم بالطبخ لنفسه، أو الالتزام بالطعام الصحي، بل ولا يعرف محتوى وجباته! بدأت رحلتي للياقة البدنية لأقلع عن التدخين، وكانت الرياضة مدخلي إلى السلوكيات الصحية، مثل النوم مبكرًا والاستيقاظ مبكرًا، وتجهيز طعامي في الإجازة لأتفادى الوجبات غير الصحية بالخارج طوال الأسبوع”.

للرياضة بُعدٌ نفسي أيضاً في حياة ندى، تقول: “أنا مؤمنة أن المجهود البدني والحركة والتركيز، هي أفضل مقاومة للتفكير الزائد والطاقة السلبية، وبالفعل حررتني الرياضة من الاكتئاب، خصوصًا اليوجا. كنت أعتقد أنها هراء وأضحك وأقول: لا شيء يقدر على محو الحزن من قلبي. لكن اليوجا فعلت. الآن أنبذ السلوكيات غير الصحية، أسهر في رأس السنة والهالويين فقط وليس كل أسبوع، وأتحسب لوجودي في مكانٍ فيه تدخين كثيف. لم يساعدني هذا على حماية صحتي فقط، بل جعلني أقدر على الاستمتاع بالحياة”.

متعة الوجود كهدفٍ أساسي للرياضة

أن تمارس الرياضة لأنها شغفك أمر قد لا يتفهمه كثيرون، لكنه سبب حقيقي لنساء يشعرن بجريان الحياة فيهن خلال بذل الجهد. تقول سلمى الطوبجي، 27، فنانة تشكيلية، مصر: “تشعرني ممارسة الرياضة بالحياة، تضخ الطاقة والأدرينالين في عروقي، وقد افتتنت بالحركة والمرونة فمارست الرياضة بالمنزل طويلًا حتى اشتركت منذ فترة في الجيم. تفهمت الكابتن شغفي بالرياضة، لكن زملائي كانوا يستغربون مداومتي على التمرين رغم نحافتي، بينما يأتون هم ليتمرنوا من أجل فقدان الوزن فقط. أتمنى لو كانت الرياضة مقبولة أكثر في المجال العام، لأمارس الجري صباحًا، أو أتمرن في الهواء الطلق، أو أتنقل بدراجة. لكن كل هذه الخيارات شبه معدومة، والنوادي مكلفة جدًّا”.

ترى سلمى بُعدًا فلسفيًّا للرياضة، فتقول: “لو كانت لدينا ثقافة رياضية حقيقية كنا سننفتح أكثر حول المفاهيم المتعلقة بالجسد، مثل التصالح معه، وتقبل الاختلافات الفردية، ونبذ مقاييس الجمال الموحدة الظالمة، وحرمة الجسد وعدم انتهاكه بتحرش أو غيره. أنا مؤمنة أن جسمنا هو انعكاسنا المادي على الأرض، ويعبر عن رؤيتنا للحياة وعلاقتنا بها، والمفترض أن تدعم الرياضة علاقتنا الصحية بالحياة”.

سلمى الطوبجي

الاستمرارية هي الأساس

اختزال الرياضة كممارسة هدفها إنقاص الوزن تحرمنا من فوائد أعظم، وتحكي إيمان فهيم، 37، مطورة محتوى سوشيال ميديا، مصر، عن هذا: “أركز في تدريباتي على تحسين صحتي، وليس اكتساب فورمة أو عضلات، لأن ممارسة الرياضة بهدف فقد الوزن فقط يجعلنا نتوقف بعد مرحلة معينة”.

عانت إيمان كثيرًا لتستمر في الرياضة مع ظروف الحياة التي تطحننا، وتحكي: “منذ مراهقتي تمنيت الانتظام في الرياضة، لكن الدراسة أعاقتني، ولسنواتٍ طويلة مارستها بشكلٍ متقطع حتى مررت بأزمة صحية دفعتني للاهتمام بالغذاء المتوازن والرياضة. أصبحت السباحة أولويتي، وأضبط مواعيد عملي وسفري لئلا تتعارض معها. منحتني الرياضة المنتظمة أفضل النتائج، فالسباحة تحسن مزاجي مهما كنت متعبة أو متضايقة، أصبح جسمي مشدودًا، ومناعتي أفضل، ونزلات البرد أقل بكثير”.

إيقاع العصر يفرض الرياضة من بُعد

حياتنا العصرية تجعلنا أبعد الأجيال عن الالتزام، فقد لعنتنا التكنولوجيا بثقافة الإتاحة، وأصبح بوسعنا مشاهدة ما نريد من أفلام وقتما نريد، لا ننتظر مواعيد عرض المسلسل، وكل ما نريد تعلمه نتعلمه أونلاين، كما أننا أكثر جيل يعمل مستقلًا. انعكس هذا على الرياضة أيضاً، فلم يعد أحد يطيق الذهاب يوميًّا إلى الجيم، وتثقلنا فكرة الالتزام بموعدٍ محدد.

هكذا نشأت ثقافة رياضية جديدة وهي التدريب من بُعد، وانتشرت على فيسبوك صفحات رياضية تساعد النساء خصوصًا على اكتساب الفورمة الرياضية في المنزل، وفقد الوزن والالتزام بأسلوب حياة صحي، وحظت بمتابعة هائلة. تقول آية سالم، مدربة لياقة بدنية، ومؤسسة صفحة Fitness Garage: “الرياضة كأسلوب حياة يجب أن تكون جزءًا أساسيًّا من يومنا، وإذا كان التدريب في الجيم مكلف، ومرهق، ويتعارض مع التزاماتنا وجدول أعمالنا، فبوسعنا أن نؤسس جيم صغير في المنزل يؤهلنا لاستغلال وقت الفراغ في الحفاظ على اللياقة”.

تركز صفحات اللياقة البدنية المنزلية على تمارين يومية باستخدام أدوات بسيطة، مثل الأوزان وحبال المقاومة، وتنشر أنظمة غذائية مختلفة تلبي احتياجات الجسم دون إثقاله بالدهون وسواها، تقبل عليها السيدات بحماس، وهو ما رصدته آية سالم خلال عملها، فتقول: “لديَّ عميلات يسعين للتخلص من بعض الأمراض أو السيطرة عليها، وأخريات يعانين النحافة، أو فقدان الشهية، أو يحافظن على صحتهن لتفادي ظهور المتاعب. هنا تتداخل الرياضة مع الطعام الصحي المحسوب لكل جسدٍ على حدة، لتمنح كل منهن غايتها”.

تتحدث نوران سند، 35، سكرتيرة سابقة، عن تجربتها مع الطعام الصحي: “من السرير للأريكة، ومن الأريكة للسرير… هكذا كانت حياتي عندما بلغ ارتفاع الكولسترول درجة عرَّضت حياتي للخطر، وهددتني بالجلطة، مع خروج مرض السكري عن السيطرة. كان أول ما قاله لي الطبيب أن أتحرك، أحرق من الدهون المتراكمة وأساعد دورتي الدموية على النشاط، وأعفي جسمي من الطعام الذي يدمره. بالفعل، بدأت الحركة تشعرني بسريان الدم في جسدي، لكن طريقي ما زال طويلًا”.

هذا الطريق الطويل الذي توشك نوران أن تقطعه، والذي أقطعه يوميًّا ضد آلام أعصابي، هو ما يجب علينا جميعًا تفاديه منذ البداية. في السنوات الماضية أصبح الاحتفاء بنمط الحياة غير الصحي شيئًا جذابًا و”cool” عند الشباب، بل واتخذ البعض من سوء الأوضاع الاجتماعية والسياسية مبررًا ليغرق نفسه في الطعام غير الصحي وسعادته المؤقتة، وانتشرت صفحات الذواقين وهواة الطعام لتسوِّق المكرونة الغارقة في الجبن، والدجاج المحشو بمختلف الصوصات، والبطاطس المقلية و و و… صار الطعام نوعًا من المخدرات، وبابًا للهروب من الضغوط.

كما قلت من قبل، كلنا سنموت، لكن شتان بين موتٍ وموت. يمكن أن أموت في الأربعين بسبب انسداد شراييني، قبل أن أحقق ربع ما أحلم به، ويمكن أن أموت في الثمانين، امرأة بصحة جيدة، حققت كل ما تريد، وتستمتع بتقاعدها الطويل دون أدوية وجراحات واحتياج لمن يعتني بها. ليس الموت مرعبًا بقدر المرض المزمن، ولكل منا أن يختار.

مقالات مقترحة

معظمنا سمع عن اكتئاب ما بعد الولادة، لكن ماذا عن اكتئاب الحمل؟
عند معرفتك بأنك حامل فأنتي تستعدين لتجربة مشاعر الأمومة ودخول طور جديد من الحياة العائلية مع المولود القادم. لكن التغيرات...
عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على مدربة مبارزة
بدأت المبارزة كطريقة قتالية في فترة ما قبل الميلاد بمصر، وفي القرن الرابع عشر بدأت في دول أوروبا كرياضة قتالية...