سألنا نساء لماذا صاموا وكان الإفطار لهن مباح؟

”الله رحيمٌ بنا… لكن المجتمع ليس كذلك“.
شيماء جلهوم

May 23, 2019

وقت القراءة: 3 الدقائق

رسوم راما دوجي

الخجل من الدورة الشهرية أمرًا ليس غريبًا على الفتيات، لكن الخوف من اكتشاف ذلك أثناء رمضان يصبح عبئًا آخر، الجميع يدقق والكل يسأل: لماذا لا تصلين في المواعيد؟ ألن تذهبي لصلاة التراويح؟ لماذا لا تقرأين القرآن معنا؟ العديد من الأسئلة، والكثير من المراوغة ومحاولات إخفاء جريمة ”أنا فاطرة“.

مع تزامن الصيام والحر الشديد، تصبح الإجازة الشرعية من الصيام فرصة للكثيرات بأن يستعدن بعضًا مما يفقدنه أثر الصوم والإرهاق، لكنهن يرفضن الرخصة، يفضلن البقاء عطشى وجوعى، على أن يعرف أحد أنهن في فترة العذر الشرعي، رخصة ربانية للمريض والمسافر وللنساء، لكن النساء فقط هم أصحاب الفضيحة التي تستوجب الستر وليس الإفطار: ”الناس هتعرف إن عندي الدورة“.

أول رمضان يمر عليها بعد أن أدركتها الدماء، تتذكر أسماء عمار (25 عام) نصيحة أمها وهي تخبرها أن عليها أن تفطر هذه الأيام، ثم تعيد قضائها بعد الشهر الفضيل: ”ربنا مش هيحاسبنا الأيام دي على الصيام… بس لو حد شافك وانتي فاطرة هتتفضحي“، من وقتها وهي تصوم الشهر كاملاً، تتنازل طواعية عن أيامها الخمس، ليس ابتغاء وجه الله، لكن ابتغاء ستر البلاء وخشية الفضيحة، لسنواتٍ طويلة بقيت أسماء على هذا الحال حتى تزوجت، فسألها زوجها في أول رمضان مر عليهما في بيت الزوجية، بعد أن أخبرته أنها لن تستطيع تلبية ”حقه الشرعي“ بعد الإفطار: ”إزاي وإنتي بتصومي معايا؟“، كان هذا هو أول صوم لها معه، وآخر صوم للأيام الخمسة، فلم تعد تخشى الفضيحة.

”الله رحيمٌ بنا… لكن المجتمع ليس كذلك“، تقول نانسي سليمان (25 عام)، في رمضان الماضي أرادت أن تقطع أحد المشاوير الهامة في فترة النهار، أجلته طويلًا كي يتزامن مع توقيت دورتها الشهرية، حتى لا تعاني من الحر والعطش، كانت خطيئتها الوحيدة أنها فتحت زجاجة الماء في الشارع، لم تكمل ارتوائها حتى فاجئتها نظرات من حولها، ثم انطلقت القنبلة من أحد الأطفال: ”يا فاطرة!“، تلفتت نانسي حولها وهي تحاول شرح ما حدث، لكنها تلجلجت وفضلت الصمت حتى صدمتها إحدى العجائز المارين بالطريق: ”يا بنتي إذا بليتم فاستتروا“، لم تنستر نانسي في ذلك اليوم، لكنها بعده صارت لا تُخرج أبدًا زجاجتها في شهر رمضان، إلا وهي تعلم أنها بمفردها ولا يراها إلا الله.

مرت علياء فهمي (32 عام) بالتجربة داخل المنزل، كانت حريصة كل الحرص ألا يكتشف أحد أنها في أيام العذر الشرعي، لا تأكل ولا تشرب، ولا تتألم، أمها فقط من تعرف وهي أيضاً من تتولى إخبار الجميع: ”يا علياء تعالي دوقي الأكل“، رغم أنها من علمت ابنتها أن تستتر أيام فطرها، لكنها وبعد أن بلغت الإبنة الثلاثون من عمرها لسببٍ ما لم يعد يهم الأم من يعرف سر ابنتها: ”أضحت أيام فطري مباحة للجميع، كما كل شيء في حياتي“، حرص علياء على عدم معرفة أحد بموعد دورتها الشهرية في رمضان لا يتوقف على أهلها فقط، لكنها كذلك رفضت أن تبوح أنها مفطرة حين تعرضت للإغماء في العمل، وحاول زملائها أن يقنعوها بالإفطار: ”رفضت بالطبع وأخبرتهم أني صائمة“، رفضت الفتاة الثلاثينية العذر مرتين، مرة بالصوم وأخرى بالمرض، وفضّلت أن تبقى صائمة وكاذبة.

أن تبقى صائمة لثلاثون يومًا أسهل بكثير من أن تخبري طفلًا في العاشرة من عمره بأسباب فطرك، لهذا السبب فضّلت سلوى (34 عام) أن تبقى صابرة على الجوع وألم المغص والصداع، ولا أن تتعرض لسؤال من أحد أطفالها الذين يصومون الشهر كله لأول مرة: ”إنتي إزاي فاطرة يا ماما؟“، في إحدى المجموعات النسائية المغلقة على الفيسبوك سألت سلوى: ”أقول ايه لإبني لو شافني وأنا بشرب أيام الدورة؟“، جاءتها الإجابات تتهمها بعدم قدرتها على التحمل، وأنها ستدفع أبنائها للتهلكة وأنها ستكون سببًا في عدم تمسكهم بالصوم، وأن مشهدها وهي تشرب أمامهم سيبقى في ذاكرتهم للأبد، قررت سلوى أن تبقى صائمة، حتى لا يستغل ولداها قطرات الماء التي ستشربها ويفطرون في رمضان بعد عشرين عامًا.

عبر مواقع التواصل الإجتماعي، بدا الأمر سهلًا، فداخل الدوائر الآمنة من الأصدقاء والمعارف من ذوي العقول المنفتحة، تبدو صورة لفنجان قهوة في نهار رمضان مع جملة ”فطورًا شهيًا“ دلالة واضحة على عذر صاحبتها. لم تنكر شيماء أنها مفطرة، وأخبرت أصحابها أن لديها أربعة أيام ستعود فيهم لممارسة حياتها بشكل طبيعي، ستشرب القهوة في الصباح وتدخن سيجارتها في وضح النهار: ”صوموا انتوا وأنا هرتاح بقى“، فارق الخجل من العذر الشرعي شيماء أخيرًا، لكنها لم تكن مستعدة تمامًا للحرب التي شنّها الغرباء عليها داخل صندوق الرسائل: ”يا فاطرة… يا عديمة الحياء… يعني انتي عاوزة ايه لما نعرف إن عندك الدورة… ماتشربي القهوة وإنتي ساكتة يا ***“، لم تعلق الفتاة العشرينية، لكنها استمرت في وضع صورة فنجان قهوتها الصباحي طيلة الأيام الأربعة لدورتها.

في إنجلترا تعيش رانيا (40 عام) عزباء لم تتزوج، تعمل منذ سنوات في بلاد الضباب، وتعشق السفر والترحال وكذلك السجائر، لا تصوم رانيا رمضان، ليس رفضًا للعبادة، لكنها لا تستطيع الحرمان من النيكوتين، حينما وضعت صورتها أول مرة وهي تدخن في نهار رمضاني، سألها أحد: ”عندك البيريود يا رانيا؟“، لم يفاجئها السؤال، بقدر مفاجئته لمتابعيها، لكنها أجابت: ”لا أنا فاطرة من غير بيريود، أنا بطلت اتكسف زيكم“، حرب شعواء في التعليقات انطلقت بين مهاجميها للمجاهرة بالفطر، وبين المدافعين عن حريتها الشخصية ودورتها الشهرية: ”اتركوا النساء ودورتهن وصيامهن وفطرهن لله، أما أنتم فصوموا ثلاثون يومًا لعلها تشفع لكم“.

مقالات مقترحة

ماذا أخبرتنا أمهاتنا عن الجنس
رسوم كريستينا عتيق كانت ليلتي الأخيرة في منزل العائلة، وغدًا في الصباح أغادر إلى صالون التجميل ثم إلى قاعة العرس،...
عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل
رسوم يارا مراكي التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...