شهقة الملوخية وقلب الحذاء ورش الملح… تخاريف أسطورية أم موروث شعبي؟

إليكن صحة وأصول تلك المعتقدات التي توارثنها أمًا عن جدة.
دانية أ. موسى

February 18, 2019

Reading Time: 3 minutes

تكتنز ثقافتنا العربية بالعادات والتقاليد والطقوس الموروثة ذات الامتداد التاريخي ضارب الجذور في المنطقة من حيث الممارسة، ولكن ربما دون أصل واضح أو تفسير مثبت. تخلل هذا الموروث الثري جملة من الأساطير التي تناقلتها الأجيال، وصدّقتها الشعوب وعاشت في ذاكرة ممارساتنا اليومية، ولازال بعضها موجودًا حتى اليوم في حياة فئة منا عن قناعة وإيمان، وعن عفوية واعتياد في حياة الفئة الأخرى. في هذا المقال أخصص مساحة للحديث عن بعض الأساطير التي تمارسها والداتنا وجداتنا… بل وأحياناً نحن، نساء هذا الجيل الجديد، بحكم العادة.

“قلب الحذاء”

لازلتُ، ككثير من الناس، أسارع إلى تعديل وضعية أي حذاء مقلوب يمكن أن يصادفني، بحكم هذه العادة التي تعلمناها في الطفولة. لكن هل سبق وراودكم سؤال عن أصلها؟ يقال أن الأصل في هذا المعتقد هو إيمان البعض بحرمانية توجّه أسفل الحذاء، وهي أقرب نقطة من الأرض، نحو جهة السماء التي تمثل الذات الإلهية بعلوها ورفعتها وجلالتها. لكن الحقيقة أن لا أصل في أي تشريع من التشريعات لهذا المعتقد ولا أساس له في أي مرجع ديني. لكن يزعم بعض دارسي “علم طاقة المكان” أن الحذاء المقلوب من مداعي الطاقة السلبية لذا يجب تعديل وضعيته لتحسين طاقة المكان.

“زيارة النفساء”

يعتقد البعض في مناطق متعددة من الوطن العربي أن عند زيارة عروس جديدة أو امرأة تتوحم أو امرأة ولدت حديثاً أو امرأة عاقر، أو امرأة حسودة، أو امرأة قادمة من عزاء، أو امرأة غسلت ميتًا، أو امرأة حائض لمرأة نفساء هي زيارة مشؤومة وفال سيء. وتتمسك الكثيرات من كبيرات السن بهذا المعتقد فيمنعن دخول النساء سالفات الذكر على المرأة التي أنجبت طفلاً. لاعتقادهن بأن هذه الزيارة ستصعّب على هذه الوالدة الجديدة ولادتها القادمة في المستقبل. وهو ما يعرف بين الناس بمفهومي “الكبسة” أو “المشاهرة” وهي عدم القدرة على الإنجاب، والسبيل الوحيد للمرأة لكي «تفك رباطها» أن تمارس طقوسًا غريبة ذات رمزية مثل فك رباط ذيل الفستان وهو ما يسمى في بعض البلدان بـ”فكاك الذيل”.

“شهقة الملوخية”

تنتشر هذه العادة في مصر، وتتمثل في إصدار شهقة عند إضافة “طشة الملوخية”، وهي خليط من الثوم والكزبرة والتوابل، على الملوخية قبل تقديمها على المائدة. وتتفاوت الحكايا حول أصل هذه الأسطورة، فيقال في إحدى الحكايات أن الدواجن والماعز كانت تدخل المطبخ المصري القديم بلا قيود، فكانت الشهقة طريقة لإبعاد هذه الحيوانات عن قدر الطبخ الموضوعة على الحطب. وفي روايةٍ أخرى، يقال أن امرأة كانت على وشك سكب الـ”طشة” على نفسها، فشهقت، لكنها تمكنت في النهاية من تفادي الحادث وسكبت الطشة في القدر، ولاحظت أن طعم الملوخية أفضل من المعتاد، فأصبحت تشهق كل مرة تيمّنًا بتلك المرة التي طهت فيها الملوخية، ليتحول الموضوع إلى عادة.

“رش الملح”

كثيرًا ما نسمع عن عادة رش الملح في أرجاء المنزل، للتحصين من الحسد والعين، وأحيانًا يرش الملح قبل اجتماع الناس في المناسبات والأفراح. يعتقد البعض أن رش الملح من شأنه طرد الشياطين والأرواح الشريرة، كما يظهر في معتقد مصارعي السومو والبوذيين وبعض المسلمين، وفي طقوس التطهير عند الكنيسة الكاثوليكية. وارتبط سكب الملح بالفال السيء، وظهر ذلك في أعمال عالمية كلوحة “العشاء الأخير” لليوناردو دافنشي التي تظهر يهوذا وقد سكب الملح أمامه في إشارة إلى السوء والشؤم. لا يوجد أساس علمي لربط الملح بالحظ الحسن أو السيء. لكن ممارسة “رش الملح سبع مرات” كما تقول الأغنية الشعبية، لا زالت حية إلى يومنا هذا. يربط البعض الملح بدراسات حول الطاقة الإيجابية للمكان، لذلك يحرص البعض على تنظيف بيوتهم بالماء والملح لطرد الطاقة السلبية.

“كسر الجرة”

يمارس البعض هذه العادة في أيام معينة من السنة (كبداية شهر ربيع الأول ونهاية شهر صفر مثلاً) أو أيام معينة من الأسبوع (كيوم الثلاثاء)، يُعتقد أنها أيام جالبة للنحس. ويمثل كسر الجرة في هذه الأوقات شكلاً من أشكال التضحية، أو شَرًّا صغيرًا يدفع الضرر الأكبر. حيث يعتقد البعض أن الأيام المنحوسة هي أيام لا يجب فيها ارتداء ملابس جديدة أو التخطيط لمشروع جاد كالزواج أو السفر لما فيها من نحس لا يزول إلا بتقديم قربان لدفع الأذى. كما يعتقد البعض أن كسر أي شيء في الأيام المنحوسة سواء عن عمد أو غير عمد هو فال حسن لأن الشيء المكسور يمنع الضرر عن صاحبه، ويقال في هذا السياق المثل الشعبي الشائع “خد الشر وراح”.

وفي الحديث عن هذه المعتقدات وسواها تقول سماح سريسي (25 عامًا): “لا اؤمن بهذه التخاريف وسواها، ولا أفهم مثلاً لمَ توضع عين زرقاء لدفع الحسد وليس حمراء أو زهرية”، وتضيف: “ولكنني أؤمن أنها تضيف نكهة للثقافة والموروث الشعبي وتمنح هوية من نوع خاص للأشياء حولنا”. كما لا تؤمن تسنيم الكيالي (19 عامًا) بالأساطير لكنها تحب قراءتها لسببين توضحهما قائلة: “أحب أن أوسع خيالي ومعارفي العامة عن الثقافات والشعوب، وكما أحب أن أفهم وجهة نظر البشر تجاه الكون عن طريق خلقهم لهذه المعتقدات”. وفي الوقت الذي تشعر فيه سارة غانم (27 عامًا) أن “الخرافات تناقض العقل البشري” لا تنكر محبتها لقراءة بعض الأساطير: “أحب أساطير الإغريق لاتصالها بتاريخٍ عريق، يشعرك أنها حقيقية”.  

ترى شيماء (17 عامًا): “لقد كبرنا وبعض هذه المعتقدات راسخة في أذهاننا، وفي الحقيقة، نحن نؤمن ببعض هذه الأساطير دون شعور منا”، وتضيف: “أعتقد أننا علينا التخلص من هذه الأفكارنهائيًا، لأنها تمثل جهلاً يولّد جهلاً أكبر”.

وتضيف هناء عودة (49 عامًا): “لا اؤمن بهذه المعتقدات رغم اعتقاد والدتي وجدتي بهما، حيث أذكر مثلاً أن جدتي كانت تهدي قطعة ذهب على شكل ناب ذئب للمولود الحديث، لدفع العين عنه وتيمنًا بقوة الذئب وشجاعته”، وتتابع: “لم أربّي بناتي على هذه المعتقدات لأن لا أساس ديني أو منطقي لها، لكني لا أنكر أن العادة تلعب دورًا كبيرًا في ممارستنا بعضها كقلب الحذاء مثلاً”.

مقالات مقترحة

…ثلاثون و
تَبدلت فصولها، تَعكرتّ سَماءُها بغيوم العُمَر، عَصفت بها رياح الثلاثون، أمطرت عليها وابلاً من الأوسمة العانس، الوحيدة، البائسة، التعيسة. هي...
النسوية العربية: من صالون الأميرة نازلي إلى السوشيال ميديا
في مجتمعاتنا العربية المحافظة التي تحترف تكميم الأفواه، ومصادرة الحرّيات لم يرتفع صوت المرأة ليصل إلى العالم بسهولة، فأمام سطوة...
سألنا نساء عن الأسئلة الشخصية لهن في مقابلات العمل
في إحدى مقابلات العمل قال لي من يجري المقابلة: هناك نوعين من النساء، الأولى لا نشعر أبداً أنها متزوجة، والأخرى...
الغولة: حكاية لن تسمعها إلا في واحة سيوة المصرية
على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب غرب محافظة مرسى مطروح المصرية تقع واحة سيوة، والتي صُنفت كواحدة ضمن أكثر 9...