صعود الموضة المستدامة والأخلاقية في عالم الأزياء في الوطن العربي

حين أمسك بقطعة ثياب ذات سعر منخفض جداً قياساً لجودتها، أفكر بالأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر الذين ساهموا في صناعتها، وقد يكونوا أطفالاً
سهير سليمان

July 31, 2018

وقت القراءة: 3 الدقائق

باعت فيبي بافيه مبادئها مقابل معطف فراء أرسلته والدتها، وسقطت صريعة غرام انعكاس صورتها أمام المرآة مرتدية ذلك المعطف، مثيرة استغراب الـ “فريندز” الذي يعرفون فيبي ذات الشخصية الفريدة، المناصرة للبيئة وحقوق الحيوان، النباتية التي لا تأكل طعماً له وجه.

ماذا لو كنت مكان فيبي، هل سأتخلى عن هذا المعطف كما فَعلت في النهاية؟ كيف سأوازن بين التصرف بشكل مسؤول، والاستجابة لإغراء الملابس الجميلة؟ لن أبالغ وأصف الأمر بالمعضلة الأخلاقية، ربما لأن مفهوم الموضة الصديقة للبيئة لم يفرض وجوده كما يجب بعد، فالموضة المستدامة، أو الأزياء الإيكولوجية تعبير قد لا يبدو جذاباً خاصة عندما نتخيل أن هذا “التي شيرت” أو “البنطلون” مصنوع من خيوط أعيد تدويرها، وبالتالي قد تبدو هذه الملابس مرادفة لسوء الجودة، ولكن اليوم مع تنامي الوعي البيئي وتبني العديد من علامات الأزياء والمصممين في العالم لقضية الموضة المستدامة أو الواعية اجتماعياً، بات الأمر قيمة مضافة. وتُعرّف كلية لندن للأزياء الإيكولوجية بأنها التي تعتمد في إنتاجها على “تسخير الموارد بطريقة أخلاقية ومسؤولة دون تهديد التوازن البيئي والاجتماعي”.

لنتخيل الأمر معاً؛ يتم سنوياً استهلاك ما يتراوح بين ٨٠ مليار و١٠٠ مليار قطعة ملابس، بمعدل ١٢- ١٤ قطعة للفرد. لذلك وللعديد من الأسباب الأخرى تم تصنيف صناعة الأزياء بأنها العامل الثاني الأكثر تلويثاً للبيئة بعد النفط، فزراعة القطن تستهلك وحدها ربع كمية المبيدات الحشرية الضارة المستخدمة في العالم، فضلاً عن الأصباغ السامة المستخدمة في عمليات التلوين، وتستنفذ مياه الري والتربة، بالإضافة للقوة العاملة في هذا المجال والتي غالباً لا تحظى بأفضل شروط العمل والمعايير الأخلاقية!

قبل فترة شاركت طاقم أكاديمية دبي للابتكار والتصميم طعام الإفطار، وقبل أن أتحدث مع عميد الأكاديمية السيدة ساس براون التي تمتلك خبرة طويلة في قيادة المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في مجال التصميم، كنت أتفحص ملابسها واكسسواراتها، فقد ارتدت فستاناً من قماش قطني، ونسقت فوقه “بوليرو” من الواضح أنها محاكة يدوياً، وزينت يديها بأساور كبيرة أثنية الطابع، وتحدثت بشغف عن الأكاديمية التي تسعى لإعداد جيل من صناع التغيير لخلق حلول مستدامة لمشاكل التصميم التي يواجهها العالم، فالموضة المستدامة يجب أن تحيا معنا، وما يهم حقاً ليس امتلاك خزانة كبيرة وثياب كثيرة، بل اختيار ملابس ذات “سمعة طيبة” وعمر مستدام. الأمر الذي ذكرني بقول المصممة فريدا جيانيني التي ترأست داري فندي وغوتشي، أن الأزياء البيئية هي أزياء “ذات نوعية عالية تتحدى مرور الزمن ويمكن توارثها من جيل إلى آخر”.

خرجت مفعمة بالنوايا الطيبة بعد هذا اللقاء الملهم مع السيدة ساس، مصممة على استهلاك الموضة بشكل مسؤول، لكن سرعان ما انهارت تلك الخطط الطموحة بعد جولة على “الستوري” في انستغرام، حيث تستعرض علامات ونجمات الموضة على مواقع التواصل الاجتماعي الخزائن العامرة بالأزياء والاكسسوارات، مسببين لي وللكثيرات وخزة غيرة مؤلمة، ولكن إن كان ترف مجاراة دور الأزياء و”الفاشينيستات” أمراً صعباً وأحياناً مستحيل، أليس تبني قضية الموضة البطيئة أو المستدامة أكثر حفظاً لماء الوجه؟ خاصة أن معظم علامات الأزياء تتصرف وفقاً لمفهوم الموضة السريعة، ولا تكتفي بتقديم مجموعتي الصيف والشتاء في السنة، بل هناك ما قبل الخريف، الكروز (ملابس السفر)، الكبسول (الأزياء الأساسية) … ليتم تكريس فكرة التخلص من القديم وتبني الجديد، ما يشكل عبئاً على البيئة والمناخ، العمال، وميزانية عشاق الموضة.

لكن هل تستطيع الموضة البيئية تقديم أزياء جميلة؟ وماذا عن تلك الصور التي نراها لعارضات يرتدين أوراق الأشجار والورود، والجرائد، والبلاستيك وما شابه؟ لماذا يتم اختزال الأمر وتقديمه بهذا الشكل السطحي عديم الابتكار؟ ولماذا علي أن أبدو بدائية المظهر إن كنت أحاول مراعاة للبيئة؟ لا تقلقوا فالأمر لا يتعدى فهم سطحي وخيال محدود للمحرر الذي اختار الصور، أو المصمم الذي تفتق إبداعه عن ذلك.

الموضة المستدامة تستطيع أن تبدو جميلة، حيث لا يوجد فرق بين الأزياء الصديقة للبيئة والأزياء التقليدية. فالملابس تزهو بألوان جذابة وقصات مبتكرة، ومعظمها مصنوع من القطن العضوي الممزوج بمواد أخرى كالقنب والخيزران. وفي عام ٢٠١٢ أضيفت فقرة جديدة لفعاليات أسبوع الموضة في برلين سُميت “عرض الموضة الخلاقة”، وتم إضافته لفقرة “عرض الأزياء الخضراء” ليشكلا معاً أهم فقرات أسبوع الموضة البرليني والعمود الفقري للموضة المستدامة المُنتجة في أوروبا.

وعبارة الموضة المستدامة أو الأزياء الأيكولوجية قد لا تعني بالضرورة أنّها تراعي المحيط البيئي حصرياً وشروط التحلّل الصحي فقط، فقد تعني أنّه تم تصنيع الأزياء من مواد أعيد تدويرها أو أن العمال حصلوا على أجور عادلة، إذ نشأت منصة “Fashion Revolution” (ثورة الموضة) على خلفية انهيار مصنع ملابس في مبنى “رانا بلازا” في بنغلاديش عام 2013، حيث أودى الحادث المأساوي بأرواح ١١٣٤ شخصاً، وتسعى هذه المنصة لنشر الوعي من أجل تجنب الإقبال على الملابس المصنعة عبر استغلال العمال، وهي حركة انضمت لها المصممتان البريطانيتان ستيلا ماكارتني وفيفيان ويستوود وعارضة الأزياء والناشطة الاجتماعية كريستي تورلينغتون.

حين أمسك بقطعة ثياب ذات سعر منخفض جداً قياساً لجودتها، أفكر بالأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر الذين ساهموا في صناعتها، وقد يكونوا أطفالاً، ما يفقدني الرغبة تماماً في الحصول عليها، ولكن ماذا لو هبط على خزانتي معطف من فراء المنك كما حصل مع فيبي بافيه؟

أعتقد (شاكرة) أني لن أتعرض لتجربة مماثلة تختبر معدن التزامي البيئي وتضعني في مأزق ارتكاب جريمة في حق البيئة، أو الموضة… فماذا عنكِ؟

مقالات مقترحة

سألنا النساء العربيات عن تجاربهن مع التسوق الإلكتروني
رسوم شيخة النعيمي   لا يمكنني الحكم بشكل قاطع على تجربتي مع التسوق الإلكتروني حتى الآن ولا أعرف إن كنتُ...
صنع في فلسطين: من رام الله إلى العالم
جميع الصور مقدمة من BabyFist ”صنع في فلسطين“... عبر رسالتها لتمكين المرأة ومناقشتها لقضايا نسوية تجمع المرأة الفلسطينية بقرينتها حول...
التاتش بتاع ياسمين: أفكار إبداعية لإعادة تدوير ملابسك القديمة
عبر لمسات إبداعية بسيطة وسهلة التنفيذ، تعيد الستايلست (أخصائية الأزياء) ياسمين محسن (35 عام) تدوير الملابس القديمة لإنتاج قطع جديدة...
مقابلة مع مصممة الأزياء ومدونة الموضة المصرية هاجر طارق
الرغبة في العثور على قطعة ملابس نادرة ومميزة بطابع خاص مختلف عن تلك التي تعرضها معظم المتاجر، وأصبح أحد قواعد...