صوت المرأة… ثورة

بصوتها وإبداعها وقلمها... المرأة السودانية تثور وتنجح.
سارة جبرالله

April 14, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

(شابة تقود متظاهرين في هتاف ثوري في الخرطوم، السودان، 8 أبريل، تصوير لانا هارون @lana_hago)

”صوت المرأة عورة“، هذه العبارة التي حاولت إسكات صوت المرأة السودانية على مدى ثلاثة عقود من الزمان، باسم العادات والتقاليد، وباسم الدين، وذلك تحت حكم نظام الرئيس السابق عمر البشير أو ما يعرف بحزب المؤتمر الوطني. ولكن، ابتداءً من 19 ديسمبر 2018، أصبح صدى صوت المرأة السودانية يتردد على مسامع العالم لينادي بالتغيير والحريّة، ويعيد كتابة تاريخ السودان بأنامل رقيقة، قوية، ثائرة وحزينة على وطنها الذي انكسر؛ ليكون بذلك صوتها ”ثورة“. ويدًا بيد مع نظيرها الرجل، استطاعت المرأة أن تنجح في إسقاط عمر البشير، والذي أعلن عن تنحيه في يوم 11 أبريل 2019. (المصدر: موقع France 24)

الثورة خيار الشعب

انضمت ”المرأة السودانية“، أو كما يطلق عليها الشارع السوداني ”الكنداكة“، وهو لقب الملكات الحاكمات في حضارة كوش الإفريقية القديمة ببلاد السودان والتي عرفت أيضاً باسم الحضارة النوبية، إلى مسيرة الاحتجاجات، لتطالب كبقية أفراد شعبها بسقوط نظام عمر البشير، إضافةً إلى إجراء تعديلات جذرية للوضع الاقتصادي في السودان. (المصدر: موقع أوربينانت)

ولكن من أهم مميزات هذه الثورة الحديثة أنها ثورة فكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث بات هذا الاعتصام منصة تسمح لمختلف فئات الشعب من ضمنهم المرأة بتصحيح الكثير من المفاهيم التي سادت أرجاء البلاد خلال الثلاثين عامًا الماضية، والتي تشمل العنصرية، والتعصب العرقي والقبلي، والفساد، والإسلام السياسي وأيضاً الذكورية.

حقوق ضائعة

تواجه المرأة السودانية عددًا من الانتهاكات لحقوقها؛ فبحسب الإحصائيات التي نشرها موقع Trading Economics، فإن 50٪؜ من النساء السودانيات غير متعلمات. إضافةً إلى ذلك، ما زالت بعض القرى والمدن السودانية تُمارس ختان الإناث؛ وذلك اعتقادًا منهم بأنه تكريم للعادات والتقاليد القبلية. (المصدر: موقع Trading Economics، موقع DW)

كما تواجه النساء والفتيات في السودان قانون النظام العام، والذي يسمح لقوات الشرطة بالقبض على وضرب النساء في حال ارتداء الزِّي ”الفاضح“، كما يصفه النظام. وتتفاوت عقوبة هذا القانون من الضرب والسجن وحتى الجلد أربعين مرة في حالة الإدانة ودفع الغرامة في بعض الأحيان. (المصدر: موقع صحيفة العرب)

وحتى خلال المظاهرات الحالية، تعرضت المرأة السودانية لشتى أنواع الإساءة والتي تضم الضرب، وخلع الحجاب، وقص الشعر وحلقه  والاعتقال، إضافةً إلى تعرضها للرصاص الحي والغاز المسيل للدموع. وانتشرت أيضاً مقاطع فيديو توضح هجوم قوات الأمن على النساء داخل البيوت وضربهن. (المصدر: موقع عربي 21 وقصص مختلفة من منصات التواصل الاجتماعي)

لم تعرقل هذه العوامل مجتمعة شغف المرأة السودانية، بل دفعتها لأن تصرخ مطالبةً بحقوقها، معبرةً عن ذلك بمختلف أنواع الفنون والهتافات. وهناك تقديرات تشير إلى أن أكثر من 70% من المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع منذ ديسمبر هم من النساء. (المصدر: موقع بي بي سي العربية)

وقالت أميرة عبيد 24 عامًا لمرآه: ”لقد أثبتت المرأة السودانية أهميتها خلال المظاهرات الحالية، فلا يقل دورها عن دور الرجل، بل إنهن يشجعن الرجال من خلال الهتافات والزغاريد السودانية المليئة بالتفاؤل . كما قامت النساء بمساعدة المتظاهرين من خلال تقديم الإسعافات الأولية وتحضير الطعام في البيوت وذلك قبل البدء بتنظيم أي لجان مختصة بذلك.“

وقالت أميرة أيضاً: ”سوف تستمر المرأة السودانية بإثبات قوتها ومكانتها حتى بعد النجاح في إسقاط البشير؛ فإنها الخطوة الأولى من مشوار الألف ميل لغرس ثمرة المساواة والعدالة بين المرأة ونظيرها الرجل.“  

ومن جهتها، توافق مي محمد، 23 عامًا،  أميرة في الرأي وتقول: ”إنه الوقت الأمثل للمرأة السودانية لتقف في بداية صفوف مواجهة الظلم والقمع والمجتمع الذكوري الذي سلب المرأة حريتها وفرصتها للتعبير والتعليم والسيادة. فلندعو جميع الكنداكات إلى لبس الزِّي السوداني التقليدي والحلي الفلكلورية والهتاف بالنيابة عن أمهاتنا وجداتنا وأخواتنا اللواتي ضحين على مر العقود ليحققن استقلالية ونجاح المرأة السودانية في جميع المجالات.“

مارس الأبيض

على طريقتهنّ الخاصة، اخترن مجموعة من الناشطات في الخرطوم هذا العام الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، حيث أطلقن مبادرة بعنوان ”مارس الأبيض“، دعين خلالها إلى ارتداء النساء بمختلف فئاتهن العمرية ثوبًا أبيض طيلة شهر مارس. وتم اختيار هذا الزِّي باعتباره الزيّ القومي للمرأة في السودان والذي كانت ترتدينه موظفات الخدمة المدنية في الوزارات والمؤسسات والمدارس وطالبات الجامعة وكليات المعلمات. (المصدر: موقع صحيفة العرب)

حبوبتي كنداكة

ومن أبرز الكنداكات السودانيات اللواتي ارتدين الثوب الأبيض، المناضلة آلاء صلاح، التي انتشرت صورتها في كافة مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية كالنار على الهشيم. اعتلت آلاء صلاح منصة الثورة وهي لابسة الزِّي السوداني وراسمة على وجهها علم السودان الأول الذي صُمم بعد إعلان الاستقلال، وتهتف بعلو صوتها بالهتافات الإيجابية وتقول: ”حبوبتي كنداكة“، وتعني هذه العبارة باللغة السودانية: ”جدتي ملكة من ملكات حضارة الكوش“. ويهتف الجميع من بعدها: ”ثورة“؛ لتكون بذلك صورتها تمثال الحرية السودانية كما وصفتها مختلف الجهات الإعلامية على قنوات التواصل الاجتماعي. (المصدر: موقع France 24 و مقطع الفيديو الخاص بآلاء)

أطياف الفن الثوري  

وتعددت أشكال وألوان الفنون التي تعبر عن صوت المرأة السودانية، التي تصدرت الصفوف الأولى لثورة 2018/2019. من هؤلاء الفنانات السودانيات إيناس ساتر، والتي نشرت على صفحتها على تطبيق الإنستغرام رسمة لامرأة سودانية بملامحها الأفريقية البارزة، تصرخ قائلة: ”صوتي ثورة“.

ومن جهة أخرى، عبرت نادين الروبي عن موقفها في هذه الثورة من خلال صورة نشرتها أيضاً على تطبيق الإنستغرام  لنساء يلتففن بالعلم السوداني القديم، والذي صممته الفنانة التشكيلية والشاعرة والأستاذة المربية ”أم السودانيين“ الحاجة السريرة مكي الصوفي صاحبة تصميم أول علم سوداني يرفرف في سارية القصر الجمهوري رمزًا لاستقلال السودان. (المصدر: موقع النيلين).

View this post on Instagram

The concept we wanted was to drape Sudanese women in the colours of the original flag, braiding each other’s hair – the aim was to pay tribute to Sudanese women who have been the forefront of the revolution and to defy the abuse they’ve experienced such as having their hair forcibly cut off on the streets while protesting. I tried making a collage out of one of the pictures and would love to hear your feedback on the project and if you’re interested in seeing other photos please do visit @rinadnorein and @ranyasharif’s pages! Thank you so much to the wonderful women who participated & to Highlight Art & Media Production for allowing us to use your studio – it was an honour to work with everyone!

A post shared by Nadine (@nadineelroubi) on

وتظهر البنات على هذه الصورة، وهن يقمن بتجديل شعر بعضهن البعض. واستوحت نادين هذه الفكرة من الأحداث الواقعية التي تمر بها المتظاهرات السودانيات؛ حيث يقوم رجال الأمن بالقبض على النساء وخلع حجابهن وقص شعورهن كنوع من أنواع الإهانة.

وهو أيضاً يهتف: ”عزة“

ولا ننسى أيضاً مساهمة الرجل في الدفاع عن المرأة؛ فقد قام فنان الكاريكاتير خالد البيه برسم صورة الكنداكة آلاء صلاح وهي تواجه المدافع الضخمة لقوات الأمن بكل ثبات وشموخ ونشرها على تطبيق الإنستغرام . وتعليقًا على دور المرأة الحيوي في المظاهرات، قال خالد البيه: ”إن ما تقدمه المرأة السودانية الآن للثورة وللشعب ما هو بالأمر المفاجئ؛ ولكنه مفاجئ للجهات الإعلامية الإقليمية والعالمية لأنهم غالبًا ما يتلقون أخبار سلبية عن النساء في أفريقيا. كما يجب أن نعترف أننا لم نقم بعكس الصورة الصحيحة عن المرأة السودانية، وذلك بسبب التكتم الإعلامي الذي يسود البلاد، والذي نأمل بأن يتغير للأفضل.“

View this post on Instagram

#Khartoon – Gosh vs the Kandaka – Gosh, the regime’s head of intelligence whose armed men killed so many since the begging of the #sudanuprising in Dec, has been sending his armed man to shoot peaceful protests in the sit-in in hopes to break them, his men have also been shooting randomly in different areas around khartoum to scare families and force people to go back home. The Kandaka is a the Nubian title for Queen which protesters have been calling the women who are leading these protests since day 1. All basher’s men are considering this uprising as life or death situation since they know how much stole, Tortured, killed and raped since they came to power 30 years ago. Please pray for the protesters and their safety and a peaceful exit for Sudan. #تسقط_بس #كنداكات #اعتصام_القياده_العامه #السودان

A post shared by @Khalidalbaih (@khalidalbaih) on

وأضاف البيه: ”لقد رجعت المرأة السودانية لمجدها، حيث أنها من بدأ الثورة وأشعلتها على مر العقود. ومن واجبنا دعم المرأة السودانية والحرص على تنفيذ مطالبها واستعادة حريتها، واستعادة حرية ”عزة“.“

ويستخدم البيه اسم عزة مشيرًا إلى وطنه السودان، والذي يطلق عليه الشعراء والفنانون أحيانًا اسم عزة؛ تيمنًا بالسيدة ﺍﻟﻌﺎﺯﺓ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺒﺪﺍﻟﻠﻪ ﺯﻭﺟﺔ ﺍﻟﺒﻄﻞ ﻋﻠﻲ ﻋﺒﺪﺍﻟﻠﻄﻴﻒ، والتي كانت أول امرأة تقود ﻣﻈﺎﻫﺮﺓ ﻋﺴﻜﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ، وذلك في ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻣﻦ أغسطس في عام 1924. (المصدر: موقع سودانيز أونلاين)

المرأة عَصب المجتمع

ومن جانبه قال السيد عبدالله فضل، 65 عامًا: ”أنا أؤمن بشدة بأن المرأة في جميع المجتمعات الغربية والعربية، هي العنصر الأهم في إحداث التغيير. حيث أن المرأة تتحلى بصفات عاطفية وإنسانية تزيد من حماسها وإيمانها بالقضية. المرأة أكثر نزاهة ونقاء وأكثر ثورية؛ وتتجسد هذه الصفات في كثير من النساء السودانيات اللواتي أشعلن نيران الثورات في البلاد ومن ضمنهن، فاطمة أحمد ابراهيم، والتي نصبت كأول برلمانية في السودان والعالم العربي والشرق الأوسط خلال فترة الستينات من القرن الماضي.“

سطرت فاطمة ابراهيم، والتي توفيت في عام 2017 عن عمر يناهز 85 عامًا، اسمها في تاريخ الحركة النسوية في المنطقة، من خلال تأسيس أول اتحاد نسائي في السودان، والذي كان معنيًا بدراسة وتطبيق حقوق المرأة وتحقيق العدالة الاجتماعية. ونال هذا الحزب في عام 1993 جائزة حقوق الإنسان من قبل الأمم المتحدة. (المصدر: بي بي سي العربية)

فإلى فاطمة عبدالمحمود، أول وزيرة سودانية في عام 1973 وخالدة زاهر، أول طبيبة سودانية في عام 1952 وإحسان فخري، أول قاضية سودانية، رحمة الله عليكن… ارقدن بسلام، فإن شعلة الحرية لن تنطفئ؛ فما زلن نساء الوطن يجسدن رموز الإباء والكرامة والقوة. ارقدن بسلام، فإن مسيرة التغيير لم تنتهي، وما زالت المرأة السودانية حياء… حياة وما زالت المرأة عورة… ثورة.  (المصادر: موقع قناة الجزيرة، موقع النيلين، موقع سودافاكس)

مقالات مقترحة

المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي
تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...
كيف تتعامل مع صحافية رياضية من وجهة نظرها
كنت طفلة هادئة للغاية لا أحد يسمع لها صوتًا... لا تُحب اللعب برفقة غيرها من الأطفال في الشارع الذي تسكن...