عايشة وليلى ومريم… تعرفي على النساء في الذاكرة الجمعية للأغنية العربية

أغنيات حفظناها دون أن نعرف حكايتها، والنساء المختبئات وراء كلماتها… فمن هن؟
دانية أ. موسى

January 6, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

في صناعة الموسيقى العربية، يتخطى دور المرأة مكانها كموسيقية أو مؤلفة أو مغنية، إلى مكان آخر أكثر عمقًا، وأكثر تماسًا مع حياة الناس في الشارع. فالمرأة منذ الخليقة، تعد الملهمة الأولى للرجل، فما بالك إذا كان هذا الرجل شاعرًا يكتب الكلمة المغنّاة، أو مبدعًا يؤلف الأغنيات؟ النساء بأعينهن استطعن، بقوة العاطفة وعمق الأثر الذي تركنه في وجدان بعض الموسيقيين العرب، إلهامهم أجمل كلماتهم وألحانهم، تلك التي خرجت عن كونها خطابًا شخصيًا موجّهًا إلى امرأة بعينها، وتحولت مع الزمن إلى أيقونات موسيقية، ترددها الشعوب ويتداولها العشاق ويحفظها التاريخ إرثًا لا يموت، يخلّد وجهًا إنسانيًا لصناعة الموسيقى في المنطقة العربية.

في هذا المقال أتناول عدة أغنيات حفظناها دون أن نعرف حكايتها، والنساء المختبئات وراء كلماتها… فمن هن؟

 

عايشة – الشاب خالد

كتب النجم الجزائري الشاب خالد الكلمات العربية لأغنية “عايشة” عام 1996، برفقة الملحن وكاتب الأغاني جان جاك غولدمان الذي كتب الجزء الفرنسي منها. و كانت الأغنية بمثابة بوابة الانتشار للشاب خالد حيث اعتلت الأغنية قائمة الأغاني الأكثر شعبية في كثير من البلدان العربية والغربية، وحققت مبيعات مذهلة وضعت الشاب خالد على خارطة الأغنية العالمية. الأغنية تمثل خطابًا من رجل حزين واقع في حب فتاة اسمها “عايشة”، لا تشعر بعواطفه ولا تتفاعل مع مشاعره، على الرغم من تقديمه لها كل شيء وعلى الرغم من استعداده للتضحية في سبيل هذا الحب بحياته. تجيبه عايشة في نهاية الأغنية أنها لا تنتظر منه كنوزه أو هداياه، وأن عليه أن يحتفظ بها لنفسه، فهي تستحق ما هو أكثر من ذلك… فهي تبحث عن الاحترام والتقدير والحب النقي… وهذا هو الحب في نظرها. ليست هناك أية إشارات تاريخية على أن الأغنية كانت موجهة لشخصية بعينها – أو على الأقل ليست معروفة إعلاميًا – لكن ملهمتها، أيًا كانت، لابد أنها تشعر بالفخر، لتحوّل الأغنية الموجهة إليها إلى أغنية عالمية، ترددها الألسن وتحفظها الشعوب عن ظهر قلب… حتى تلك التي لا تتحدث بالفرنسية.

 

أنا وليلى – كاظم الساهر

إن حكاية “أنا وليلى”، إحدى أشهر أغنيات القيصر كاظم الساهر، تعدو عن كونها ضربًا من ضروب الخيال. حيث قرأ الساهر كلمات الأغنية في الجريدة في زاوية المواهب، وأمضى ثماني سنوات في البحث عن الكاتب، ليجده أخيرًا: إنه الشاعر “حسن المرواني” الذي كتب هذه القصيدة في شبابه أيام الجامعة، حين كان طالبًا فقيرًا، وقع في حب زميلة له اسمها “ليلى” من محافظة كركوك، العراق. وحين صارح حسن ليلى بمشاعره، صدته، فعاد وأكد حبه لها بعد عامين لتصده مجددًا، ليتم خطبتها بعد ذلك لشابٍ آخر من عائلة ثرية، يدرس في نفس الكلية. فجّر هذا الموقف مشاعر المرواني، ليكتب قصيدته التي تُعد من أجمل ما كتب في الشعر العربي في العصر الحديث عَنوَنها باسم “أنا وليلى واشطبوا أسمائكم”، لتتحول بعد إصرار كاظم الساهر على إيجاد كاتبها إلى أغنية شهيرة، ترددها الألسن. المثير في الأمر أن عدة شعراء زعموا أنهم كتبوا القصيدة قبل أن يتأكد الساهر من أن القصيدة من تأليف حسن المرواني في شبابه.

 

مريم مريمتي – فلكلور سوري

إن للأغنية الشهيرة من الفولكلور السوري، التي تتحدث بلسان شاب عاشق عن حبيبته “مريم”، حكاية معروفة عند سكان القرى. يقال أنه في زمن الحكم العثماني على سوريا، كان هناك شاب اسمه “جميل”، يعمل في تهريب البضائع عبر الجبل، زار إحدى القرى ليلتقي “مريم” لأول مرة فيفتن بجمالها اللافت ورقّتها. تكررت زيارات جميل على القرية، فشغف حبًا بمريم التي بادلته العاطفة بعاطفةٍ مماثلة. وبينما كانت مريم تحمل الماء مع الفتيات في طريقهن إلى القرية، رآها ضابط عثماني، فأعجبته. فجاء في اليوم التالي للسؤال عنها، فأخبره أحد كبار القرية أنها مخطوبة، لأن أحدًا منهم لم يرد لها الزواج من الضابط العثماني. حين علم “جميل” بالأمر، تقدم رسميًا لخطبة “مريم” وخطط لإقامة زفافهما في وقتٍ قريب. وحين علم الضابط بشأن الزفاف، أصدر مذكرة اعتقال بحق جميل من أجل الزج به بالسجن بتهمة تهريب البضائع. وحين باغت الجنود القرية للقبض على جميل في ليلة زفافه من مريم، خطف الجنود مريم، فقفز جميل على حصانه للحاق بالجنود لتصيبه رصاصة قاتلة ويلقى مصرعه، ويخلد الفلكلور الشعبي هذه الحكاية الحزينة بأغنية “مريم مريمتي”.

 

نتالي – حسام تحسين بيك

أحب الفنان والراقص والمسرحي السوري حسام تحسين بيك، فتاةً جورجيّة اسمها “نتالي”، وبادلته نتالي العاطفة، فعزما على تكليل هذه العلاقة بالزواج فطلبها حسام للزواج من أهلها إلا أنهم رفضوا زواجهما لأنهما من ديانتين مختلفتين، فهو مسلم وهي مسيحية. بعد تفكير عميق في ما سيحدث في المستقبل، قررت نتالي أخيرًا الرجوع عن قرارها بالبقاء مع حسام تحسين بيك خشية خسارة العائلة والسفر لأهلها. لم يكن من حسام المجروح من تخليها عنه إلا أن يمهلها شهرًا لتعود، وأخبرها أنها إذا زادت الشهر يومًا، فلن يستقبلها. ودّع حسام نتالي في حزنٍ شديد، وعاد ليؤلف أغنية “نتالي” التي يحكي فيها هواجسه ويسائل حظه الذي جعله يحب “غريبة” ويتعلق بها. نتيجةً للأغنية، عادت نتالي إلى حسام وتزوجت منه وأنجبت ابنتين وصبيًا. لتعيش الأغنية رمزًا للحب الذي يهزم كل المعوقات ويعيد غنائها عدة مطربين كميادة بسيليس ومكادي نحاس.

 

ريتا – مارسيل خليفة

عن واحدة من أشهر قصص الحب في التاريخ الشعري المعاصر، تتحدث أغنية “بين ريتا وعيوني بندقية”، والتي هي عن قصيدة كتبها شاعر فلسطين الكبير محمود درويش. تتحدث الأغنية عن علاقة الحب التي جمعت درويش بجارته منذ الطفولة “ريتا”. كانت ريتا فلسطينية يهودية، جمعتهما طفولة بريئة إلى أن كبرا، فتفتحت وطنية محمود درويش، ليقف أمام حبه لريتا خائفًا حزينًا، حيث أن هناك “بندقية” مصوبة في وجهيهما وهي بندقية “الاحتلال والصهيونية”، ليكتشف محمود أن فروق الانتماء، الهوية، الثقافة وميولها وعائلتها للصهيونية تتعارض مع كيانه وكينونته ومبادئه كفلسطيني، وتمنعه من أن ينساق وراء هذا الحب، مثلما اكتشفت ريتا أنها – ومهما حاولت – لن تستطيع أن تكون لمحمود، لأنها ضحية انتماء والديها، عائلتها وقومها. ليفترق الحبيبان ويوثق درويش هذا الفراق بنص شعري عاطفي، يعد من أروع ما كتب في الشعر الحر، ليغنيه أخيرًا مارسيل خليفة ويحوّله إلى أنشودة لا تموت عن الحب المستحيل.