عندما صعدت الأزياء القمر قبل ناسا

إطلالات للنزعة الهروبية من الواقع نحو المستقبل والفضاء الخارجي.
مي هشام

December 30, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

في منتصف الستينات تقريبًا، سئلت رائدة “البساطة الراقية” كوكو شانيل، أو جابرييل بونور شانيل، عن موجة الأزياء المستلهمة من الفضاء التي غزت بيوت الأزياء الأرضية، فبدت وقتها مصممة الأزياء المخضرمة شديدة الاستياء من رجلٍ بعينه يقود هذه الحركة الثورية في الأزياء قائلةً: “هذا الرجل يدمر النساء، إنه يحوّلهم إلى فتيات صغيرات، بالتحديد هذه التنانير القصيرة لا تروق لي، لا يوجد في المرأة ما هو أقبح من ركبتها”.

لم تستوعب شانيل وقتها أن تنانير بيضاء قصيرة، من شأنها أن تزيح الفساتين السوداء البسيطة التي مثلت أيقونة الرقي لعقودٍ عن عرشها، وتفتح الباب لموجة من الأزياء المتأثرة بشكل رئيسي بأزياء رواد الفضاء وتيمة الفضاء بشكل عام، كتجسيد ابن عصره لسنوات احتدم فيها السباق الفضائي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة للطرق على أبواب الفضاء وإرسال الحيوانات والبشر إلى خارج غلافنا الجوي، وترك آثار أقدام بشرية على القمر، لتخفت مع خفوت هذا الاحتدام أواخر القرن الماضي بانحسار روح المنافسة بين روسيا وأميركا في مجال غزو الفضاء، لكنها على ما يبدو قد عادت مؤخرًا بالتزامن مع عودة هوس شعوب الكرة الأرضية وشغفهم بالفضاء الخارجي، خاصةً بعد الحديث عن دنو موعد تحوله لـ”وجهة سياحية”، على يد رجل الأعمال الطموح “إيلون ماسك”، الذي يعد البشرية بإمكانية بلوغ أناس عاديين للفضاء.

كوريج… مهندس الأزياء

لم يكن الرجل الذي رأت شانيل أنه يدمر النساء بإظهار ركبهن وتحويلهن لفتيات صغيرات، سوى أندريه كوريج، مصمم أزياء فرنسي، تلقى تعاليمه الفنية في أحد أشهر بيوت الأزياء الفرنسية على مدار عشرة أعوام حتى بداية الستينات، حينما قرر أن يفتتح بيت الأزياء الخاص به ويبدأ مشروعه الشخصي برفقة زوجته مصممة الأزياء هي الأخرى. بالعودة إلى الوراء، يبدو شغف كوريج بالزخارف ذات الطابع الهندسي وإدخال الخامات الجديدة التي تنتمي إلى المصانع أكثر من أن تنتمي إلى بيوت الأزياء كبعض المواد البلاستيكية منطقيًا، حيث تخرج في أحد معاهد الهندسة الفرنسية بناءً على رغبة والده، الذي لم يستطع أن يستميله للاقتناع بتصميم الأزياء.

“عصر الفضاء”، كان اسم أول مجموعة متعلقة بالفضاء يصدرها كوريج عام 1964، وقتها كان السباق الفضائي بين روسيا وأميركا على أشده: روسيا سبقت للفضاء بقمر صناعي وكلبة ورائد فضاء، وناسا تفعل ما بوسعها لتدارك الأمر قبل انتهاء العقد وإحراز إنجازٍ استثنائي. من ناحية أخرى، كانت ملامح الأزياء تتخذ منعطفًا ثوريًا في تصاميم كوريج: الفساتين القصيرة، التنانير القصيرة، الأحذية البيضاء المسطحة ذات الرقبة (أو Go-go boots كما تعرف)، ليغلب عليها جميعًا اللون الأبيض مع مسحة من الأصفر أو البرتقالي أو غيره، والتي سرعان ما تحوّلت من مجرد ملامح لمجموعة أزياء، إلى نمط سائد في أعمال كوريج والعديد من معاصريه، والذي عُرف لاحقًا بـ”مظهر فتاة القمر”، رغم أن المجموعة طرحت حتى قبل هبوط الإنسان على القمر، وروّجها كوريج بربطها بالمرأة العصرية واختلاف أسلوب حياتها عن المرأة التقليدية أثناء حديثه عن تصاميمه قائلاً: “أنتِ الآن لا تمشين في حياتك، وإنما تركضين، ترقصين، تقودين السيارة، ومن ثم كان على ملابسك أن تتحرّك معك”.

الجدير بالذكر أن هذه الموجة من التصاميم المستوحاة من الفضاء وجدت رواجًا سريعًا، وأصبحت ترجمان للمرأة العصرية بالفعل، فضلاً عن الرجل العصري، فشرعت الفاتنات في ارتداءها سريعًا الواحدة تلو الأخرى من المشاهير، كجاكلين كينيدي وبريجيت باردو وأودري هيبورن.

السينما تصعد للفضاء

في عام 1966، كانت الأزياء الفضائية على موعد مع نقلة في تاريخها، حينما غزت السينما، وبالتحديد في فيلم الفاتنة أودري هيبورن “”How to Steal a Million، والذي ظهرت فيه أيقونة الرقة والجمال بقلنسوة بلاستيكية والنظارات الشمسية المقتبسة من أزياء كوريج، التي تنتمي لعصر الأزياء الفضائية بامتياز، فضلاً عن العديد من الطلات بالتنانير القصيرة في فيلم لا تدور أحداثه في الفضاء أو المستقبل. فيما عدا ذلك، استغرق الأمر أعوامًا حتى 1968، حتى أُنتج فيلم Barbarella من فئة الخيال العلمي، وارتدت فيه الجميلة جين فوندا عشرات التصاميم الفضائية التي تمثل رؤية رجل آخر لأزياء عصر الفضاء، أكثر جرأةً في الألوان ودلالاتها برداءٍ فضائي أخضر جذاب عالق في أذهان عشاق هوليوود إلى اليوم، لإحدى عضوات “حكومة الأرض المتحدة” في القرن الواحد والأربعين بإمضاء طفل الموضة الفرنسية الجامح باكو رابان، الذي فتح المجال واسعًا لاستحداث خامات غير معهودة كالورق والمعادن في رؤيته عن أزياء الفضاء.

أزياء الوكالة الفضائية

لم تبق علاقة مصممي الأزياء والفضاء مرهونة بالتأثر والمشاهدة على بُعد فقط بحلول السبعينات، فقد بدأت وكالات الفضاء، وبالتحديد ناسا، بالتواصُل المباشر مع مصممي الأزياء الذين روّجوا بتصاميمهم للعصر الفضائي، وفي مقدمتهم بالتأكيد أندريه كوريج، الذي دعته ناسا لزيارة القاعدة الجوية قاعدة كيب كانافيرال للقوات الجوية مبكرًا، غير أن بيير كاردان، المصمم الفرنسي الشهير، كان تواصله مع ناسا مثمرًا أكثر.

ففي عام 1970، تسنى لكاردان فرصة لم تواتي مصمم أزياء من قبله، وهي زيارته لمقر وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وارتداء بدلة فضاء حقيقية رُبما تعود لنيل أرمسترونج أو باز ألدرين، رائدي الفضاء الذين هبطا على سطح القمر أولاً، الأمر الذي جعله أكثر افتتانًا بالاستلهام من الفضاء وتصميم بدلة فضاء بدوره لصالح ناسا وخلاف التصميم لناسا، فقد أهدى لعصر الفضاء أفكارًا عديدة، سادت أواخر الستينات وأوائل السبعينات، لعل من أشهرها الخوذات الفرائية التي تحتوي على نظارات ملحقة بها والفساتين المميزة بألوان مستمدة من باليتة ألوان الملاحة الجوية بدرجاتها.

عودات عديدة

في العقود التالية، لم تسُد الأزياء الفضائية بشكل مستمر، رغم أنها ظلت ماعون اقتباس وعودات متتالية في أعوام عديدة كان منها ما أسهم به مصمم الأزياء والعطور تيري موغلر، الذي جاءت عطوره بأسماء فضائية مثل Alien و Angel، وتميزت تصميماته بطابع مائل للغرابة، فضلاً عن موجات نوستالجيا الستينات والسبعينات التي تمت استعادتها في التسعينات بأزياءها الفضائية مع تعديلات بسيطة لجعلها أكثر راحة وعملية، حتى جاء مصمم الأزياء الأسكتلندي كريستوفر كين بحلول الألفية الجديدة وقدم رؤية أخرى للأزياء المستوحاة من الفضاء عن طريق استخدام أقمشة مطبوعة بمشاهد فضائية حقيقية، كتلك المرسلة بواسطة مرصد هابل الفضائي.

عام الأزياء 2017 على وجه التحديد، شهد عودة قوية لتيمة الفضاء في مجموعات بيوت الأزياء العالمية، فقدّم بيت أزياء شانيل عرضه في أسبوع الموضة العالمي خريف 2017 على خلفية من إطلاق صاروخ فضائي، فضلاً عن أزياء العرض المستوحاة من الفضاء هي الأخرى، وعودة بعض العناصر المرتبطة بأزياء العصر الفضائي في الأزياء في عروض متناثرة كالفساتين الفضية اللامعة وأحذية Go-go البيضاء المميّزة لعصر أزياء الفضاء في الستينات، في موجة يردها البعض إلى التغيرات السياسية التي يشهدها العالم باعتلاء دونالد ترامب المكتب البيضاوي، داعيةً مصممي الأزياء لنزعة هروبية نحو المستقبل والفضاء الخارجي.

 

 

الفضاء العربي

مقابل العشرات من رواد الفضاء الأمريكان والروس وغيرهم الذين صعدوا للفضاء وهبطوا على القمر وعاشوا لفترات في محطة الفضاء الدولية، وربما قضى بعضهم نحبه في حوادث فضائية، كان حظ العرب محدودًا برائدا فضاء فقط هما الأمير السعودي سلطان بن سلمان والسوري محمد فارس، الأمر الذي ربما انسحب على الحماس العربي للأزياء المستوحاة للفضاء، ولكن ليس بشكلٍ كبير، بحسب ما ترى مصممة الأزياء والأكسسوارات الشابة رحاب عبدالناصر، فتقول: “البشر عمومًا من كل الجنسيات عندهم فضول ناحية الفضاء ورغبة في استكشافه، بغض النظر عن مدى مشاركة بلاده في مشاريع الفضاء، كمان ثقافة السينما والتلفزيون مؤثرة على العرب جدًا فممكن يلبسوا أزياء مستوحاة من الفضاء بسبب حبهم للأفلام اللي بتتكلم عنهم”.

بدورها تعتبر رحاب أن استلهام مصممي الأزياء من الفضاء لم يكن يومًا مرتبطًا بغزو البشر للفضاء فحسب، حيث كان الفضاء ولا يزال مصدر إلهام بشري بغموضه وابتعاده: “الأساطير المصرية القديمة مثلاً زي أسطورة الإلهة نوت، اللي بتمثل السماء، وصورتها في المعابد عبارة عن سيدة ترتدي ملابس زرقاء مطرزة بالنجوم”، علاوةً على ذلك، تتبادر للأذهان مباشرةً النجمة كعنصر زخرفي، تعد أيقونة تصميم الأزياء الأشهر المستوحاة من الفضاء، فيما تؤكد أن حتى أعتى مصممي الأزياء العرب المغرقين في الكلاسيكية مثل اللبناني إيلي صعب، جاءت بعض تصميماته ومجموعات كاملة مطرزة بأشكال النجوم والكواكب، فضلاً عن تأثرها بأزياء الفضاء من الستينات.

أفلام محدودة فقط في تاريخ السينما العربية هي التي تناولت الفضاء، وأتاحت تصميم أزياء سينمائية عربية ترتبط بتيمة الفضاء، منها فيلم عتيق للكوميديان إسماعيل يس “إسماعيل يس في رحلة القمر”، بصحبة رشدي أباظة، ورغم ما شاب الأزياء تلك من سذاجة، إلا أن رحاب ترى أنها لا بأس بها أبدًا، فتقول: “مش وحشة أبدًا، بس بما إن ده فيلم كوميدي، ومن فترة طويلة، فده مجهود يستحق التقدير”، تثمن رحاب صناعة الأزياء في هذا الفيلم بالذات، فيما تؤكد أن شركات الإنتاج العربية مقصرة في الأمر: “ياريت الشركات الكبيرة تشوف شغل خارج الإطار التقليدي، سواء من ناحية القصة، واللي هيفتح لنا سكك كتير من ناحية الأزياء”.

مقالات مقترحة

صنع في فلسطين: من رام الله إلى العالم
جميع الصور مقدمة من BabyFist ”صنع في فلسطين“... عبر رسالتها لتمكين المرأة ومناقشتها لقضايا نسوية تجمع المرأة الفلسطينية بقرينتها حول...
التاتش بتاع ياسمين: أفكار إبداعية لإعادة تدوير ملابسك القديمة
عبر لمسات إبداعية بسيطة وسهلة التنفيذ، تعيد الستايلست (أخصائية الأزياء) ياسمين محسن (35 عام) تدوير الملابس القديمة لإنتاج قطع جديدة...
مقابلة مع مصممة الأزياء ومدونة الموضة المصرية هاجر طارق
الرغبة في العثور على قطعة ملابس نادرة ومميزة بطابع خاص مختلف عن تلك التي تعرضها معظم المتاجر، وأصبح أحد قواعد...
الفنانة آلاء يونس تحتفي بنفرتيتي في خطوات نحو المستحيل
[caption id="attachment_9870" align="alignright" width="1920"] نفرتيتي[/caption] آلة خياطة مواد الصنع: معدن وبلاستيك مكان الصنع: المصنع الحربي ٥٤ في الجمهورية العربية المتحدة...