عن علاقات الصداقة بين النساء

ذكريات لا يفوق جمالها سوى ضحكات سيدات وقوة الروابط بينهن.
وسان عبد الحق

February 20, 2019

Reading Time: 2 minutes

لم أكن يومًا من الأشخاص الذين يتعمدون استراق السمع، إلا أن عودتي السنوية لموطني للاستمتاع بدفء لعائلتي وأصدقائي، تمت مقاطعتها بوجبة كبيرة من الرشح، الأمر الذي حتم علي البقاء في المنزل وقضاء وقت طويل في الوثب ما بين غرفة الجلوس والسرير.

لطالما اعتبرت مرض الرشح جميلًا إلى حدٍ ما، فعلى الرغم من أن القوى تكون منهكة والرغبة في الحصول على قسط مشبع من النوم لا تعلوها أي رغبة أخرى، إلا أن حاسة السمع تستثار لانشغال الحواس الأخرى بالمرض، قد يكون لهذا التحليل أساس علمي، أو لعلّي أبحث عن العذر لاستراقي السمع لأحاديث أمي وصديقاتها خلال اجتماعهن شبه اليومي والذي يناقشن فيه أمورًا تبدأ من السياسة وتنتهي بالتخطيط للرحلة القادمة والتي غالبًا تخلص إلى تركيا التي تستهوين بالجمع.

إلا أن أكثر ما أمتعني خلال رقودي في السرير هو حديث الذكريات، والذي يحدث بالكثير عن سر هذا الرابط العجيب الذي يوصم الصداقات النسائية، على الرغم من ما يضج به تراثنا من حديث عن غيرة النساء وكيدهن وما إلى ذلك، إلا أنني أرى في صداقات النساء روابط جميلة تزيدها أوجاع الحياة وأفراحها صلابة ومتانة.

تحدثت صديقة أمي السيدة زينات عن تلك المرة التي أخفت صديقاتها دخول والدتها إلى المستشفى أثناء سفر زينات مع زوجها في رحلة شهر العسل. ولم يكتفين بذلك بل تناوبن على زيارتها ورعايتها.

أما أمي فقد أطربها الحديث عن ذكريات السفر والشباب، فتلك المغامرة في اليونان، والأخرى في الإمارات، وساعات التسوق لفستان خطبة هذه وحفل الحناء لتلك. ذكريات لا يفوق جمالها سوى الضحكات التي ترتسم على وجوه سيدات يرفضن أن يقوض العمر من جمال صداقتهن وقوة الروابط بينهن.

والأجمل من كل ذلك أنهن يحرصن على صحة بعضهن البعض، فتلك تذكر الأخرى بالموعد السنوي للفحوصات العامة، والأخرى تحمل جهاز الضغط كل مرة ترى صديقتها التي تشكو من ارتفاعه لتوبخها إذا ما تجاوز الرقم الحد ولو بقليل. والأنشط بينهن هي التي تحث كل المجموعة على تناول الفيتامينات، وممارسة اليوغا، والمشي بشكل يومي.

نظرت حولي باحثةً عن علبة محارم وأنا أقاوم النعاس وقت الظهيرة والرشح في آن، لأجد صديقتي منذ الصف الرابع الابتدائي يارا، تحمل كيسًا فيه فيتامين C وبنادول، وكأسًا من الماء بانتظار استيقاظي، وتتبعها بربع ساعة دارين مع شوربة العدس اللذيذة التي تتقن بل تتفن في صنعها.

أيقنت في تلك اللحظة أنني أيضاً امتلك من كنز أمي الكثير، لا لاعتنائهن بي أثناء الرشح بالطبع، بل لأنهن قادرات على التواجد والدعم في كل حين، في الفرح والحزن، وفي لحظات تبلد المشاعر. نخرج من لحظات الحزن بالرقص والغناء على أعلى صوت، ونحتفل بلحظات الفرح بنفس الطريقة. دارين التي فقدت أمها منذ طفولتها، وجدت فينا الحنان الذي لم يعوضه الأخ أو الأب، وكنا لصيقاتها كالظل يوم زفافها خوفًا من أن تضعف حنانًا لذكرى والدتها في ذلك اليوم، تمامًا كما التصقن بوالدتي بعد وعكة صحية ألمتها ولم أتمكن من التواجد معها.

خلصت إلى أن علاقات الصداقة بين النساء تعود قوتها لفهمن المشاعر الإنسانية بحرفية عالية، لقدرتهن على المشاركة وصياغة أفكارهن بمهارة، ولرغبتهن الحقيقية بأن لا تمر الأخريات بما أوجعها هي، ولأن تنعم الأخريات بخلاصة الدروس التي منحتها لها الحياة.

أليست هذه الروابط الأثمن على الإطلاق؟

مقالات مقترحة

سألنا النساء كيف تأثرن بمجموعات الأمومة عبر الفيسبوك
لأشهر عديدة سبقت خضوعي لجراحة الولادة، ظللت أملأ رأسي بالتجارب المخيفة التي كنت أقرأها يوميًا في التدوينات والتعليقات عبر الفيسبوك،...
سألنا نساء نباتيات عن تجاربهن ووصفاتهن المميزة
إذا كنتِ تفكرين في هجر نظامك الغذائي الحالي والتحوّل إلى النظام النباتي فربّما تظنين أنه أمرًا صعبًا، إلا أن النساء...
أمهات تطرق باب التعليم المنزلي
"الإنسان الوحيد الذي أتمنى أن يكون أفضل مني هو أنت". جملة يرددها الآباء والأمهات على مسامع أطفالهم منذ الصغر، دلالةً...
عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على فتاة تحضر جلسات السيكودراما
كل الأصوات التي تتصارع داخلك حقيقة قابلة للتجسد ولا يمكن تجاهلها، تخيلي أنكِ تمرّين بمشكلة ما وتميلين بين عدّة مشاعر...