فانوس رمضان ووهج الطفولة… كيف تغيرنا؟

من الذكريات التي بدأت تختفي تدريجيًا بسبب ضيق الوقت وسرعة الحياة.
هدير الحضري

May 14, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

تصوير علي هزاع

 

 

في شارعنا الصغير كانت طفولتنا الحماسية متوهجة، لا زالت صورتها في الذاكرة البعيدة دافئة وقريبة، مثيرة للفرح ومبددة للقتامة، لحس الحظ احتفظت ذاكرتي المثقوبة ببعض الصور فأفر إليها كلما استطعت سبيلاً.

في كل عام، وقبل أيام من حلول شهر رمضان، اعتاد أطفال الشارع على التجمع لعقد ترتيبات مكثفة لصنع فانوس الشارع الكبير، كان اجتماعًا هامًا لا يمكن أن يمر عام دون انعقاده، وندعو له كل الأطفال القاطنين بمنازل هذا الشارع. كنا نقسم أنفسنا: جزء منا يجمع التبرعات الرمزية من الأهالي، جزء سيشتري المواد التي نحتاجها لصنع الفانوس وأخيرًا يتبقى الجزء الثالث الذي سيصنعه وهم الأكثر احترافية بالطبع.

على كل هذه التعقيدات المضحكة كان الفانوس في تكوينه شديد البساطة والرمزية ومكوناته الرخيصة في الثمن تليق بميزانياتنا المعدومة، بعض الأعواد الخشبية الطويلة والسميكة يتم ترتيبها ولصقها بجوار بعضها البعض لتصنع جسم الفانوس الضخم وهيئته، ثم نقوم بتثبيت ”مصباح إضاءة“ يتدلى في حبل داخل الفانوس من رأسه إلى منتصفه، وتأتي الخطوة الأخيرة: تغليف الفانوس بورق من البلاستيك الخفيف الملون الشفاف ويثبت على أعمدة الفانوس الخشبية، المهم أن يكون كل جانب من جوانب الفانوس بلون مختلف، بهذه البساطة تنعكس الإضاءة البيضاء على ألوان الورق الملون فتمنح الشارع ألوان رمضان المبهجة، وتغرس في ذاكرة الطفولة هذه الصورة الغنية بالوهج والحنين، صورة تبقى حية مهما مضت السنوات عليها.

 

 

كان علينا عقب الانتهاء من الفانوس الانتقال إلى المرحلة التالية أ وهي ”صنع زينة رمضان“، والتي تتكون من حبال طويلة يتدلى منها أوراقًا كثيرة مقصوصة بشكل متشابه ومنظم، كنا نجمع كميات ضخمة من الورق الذي لم نكن نهتم بالذي كُتب فيه، أوراق الجرائد، الكتب القديمة، كراسات المدرسة الخاصة بالعام الماضي وحتى الأوراق التي كانت أمهاتنا تستخدمها في المطبخ، نجمع كل ذلك ونبدأ بالقص بأشكال مختلفة، مثلثات، شرائط طويلة ومربعات بأحجام مختلفة وغيرها، ثم نلصقها بشكل منظم على الحبال البلاستيكية الطويلة، وتأتي المرحلة الأخيرة: يقف كلٌ منا في شرفة منزله ونتلقف أطراف الحبال كلٍ من جانبه، ونثبتها في حافة الشرفة لتتدلى الزينة الورقية بين البيوت بشكل متقاطع وعفوي، وفي النقطة المركزية بينها يتدلى الفانوس العظيم وتتدلى معه قلوبنا التي لا يدخلها رمضان قبل أن نبدأ طقوسه بتعليق زينته.

في ذلك التوقيت، منذ خمسة عشر عامًا وأكثر، كان لكل شارع فانوسه المصنوع يدويًا وبالرغم من ذلك كانت أشكال الفوانيس مختلفة ولا تشبه بعضها، في الوقت نفسه ظهرت في المحال على استحياء أسلاكًا تتدلى منها مصابيح كهربائية صغيرة لتعليقها كزينة للمنازل في رمضان، إلا أن زبائنها كانوا قليلين فالأساس صناعة الزينة باليد وبمجهود يستغرق ليال طويلة.

 

 

مضت السنوات وانتقلنا مع أبي وأمي إلى منزل جديد في مدينة تبعد ساعة بالسيارة عن بلدتنا القديمة، كانت معرفتنا أنا وإخوتي محدودة بالجيران الجدد ولا أذكر أنني رأيت تجمعًا لأطفال يصنعون الزينة يشبه تجمعنا في الماضي، سريعًا ما أصبح لكل بيت فانوس معدني ضخم يتم شرائه من المحال المنتشرة في الأسواق، أصبحت هناك عشرات الأنواع والأشكال من الفوانيس الجاهزة المتصلة بـ”فيشة كهربائية“، جدرانها من الزجاج الملون السميك وليس من الأكياس كما اعتدنا. هذه الفوانيس الحديثة مرسوم عليها آيات قرآنية أو صور لفوانيس صغيرة وعلى رأسها أشكال فنية من المعدن المطلي بلون الذهب أو الفضة، تأتي مغلفةً بأكياس جديدة في عبوات من الكرتون، وما عليك سوى نزع الأكياس عنها وتعليقها في شرفتك وستغرق الشارع ألوانًا تحيل ليله إلى نهار، وعلى الرغم من أنها أيضاً تثير النوستالجيا في قلوبنا إلا أنها لا تشبه من الطفولة إلا قليلاً.

كل ما يحدث كان تطورًا طبيعيًا للسرعة التي أصبحت تسير بها الحياة، ويليق بهذا الركض المستمر واللهاث خلف مهامنا اليومية وضيق الوقت وقلة الحماس وضياع الصبر، من الآن قد ينفق أيامًا في صناعة فانوس بلاستيكي أو حبالاً من الورق؟ كل الأشياء أصبحت جاهزة ومغلفة في عُلب كارتونية تباع في المحال التجارية مقابل بضعة نقود، الأمر لن يستغرق سوى دقائق وتنتهي. في الوقت نفسه أصبح لدينا حبال جاهزة للزينة الرمضانية مكونةً من أوراق بلاستيكية، لكنها هذه المرة مطبوع عليها عبارات ”رمضان كريم“ والكثير من الشخصيات الكرتونية الرمضانية الشهيرة مثل ”بوجي وطمطم“ وشخصيات فوازير رمضان، وليست معبقة كالماضي بخطوط يدنا التي كنا نملأ بها أوراق الكتب والكراسات المستعملة في المدرسة، أما عن أسلاك المصابيح الكهربائية فقد صارت سلوكًا عاديًا ومنتشرًا. في كل عام تُخرج أمي من خزانتها السلك الخاص بنا وكذلك يفعل جيراننا، ويُضاء شارعنا الحديث بعشرات المصابيح الصغيرة، ثم تأتي بقماشة مبللة وتنفض التراب عن الفانوس المعدني الضخم وتعلقه في شرفتنا.

ولعله من المثير للغرابة التضخم السنوي الرهيب في حجم استيراد مصر من فوانيس رمضان كل عام، ففي العام الماضي قالت إحصائية صادرة عن أعضاء بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن مصر استوردت خلال عام 2018 فقط فوانيس بحوالي مليون دولار، أي أكثر من 17 مليون جنيه مصري، وذلك بسبب زيادة عدد المصانع الصينية التي تم تسجيلها في مصر، ومن ناحية أخرى تكشف تلك الإحصائية تنامي الرغبة الاستهلاكية للفوانيس الواردة من الصين في أشكال مختلفة، والميل إلى الاستغناء عن الفوانيس التقليدية الموجودة في مصر والمكونة من الأخشاب والمعادن.

تغيّر رمضان الذي أعرفه وتغيرت صور الروحانيات القديمة، اختفت الفوازير المحببة ومسلسل ”بكار“ الكارتوني وحلّ محلها فيض من المسلسلات التي تكاد تحصر أسمائها وعددها بصعوبة شديدة، أصبحنا غارقين بشكل مرهق في عشرات الإعلانات خاصة المطالبة بالتبرع لعشرات الجهات، وتبقى لنا من رائحة الماضي أشياء قليلة. تراجع إحساسي بكل الطقوس القديمة حتى كاد يختفي وتراجعت معه حالة الحماسة والانتظار، أصبحت أجاهد حرفيًا للإبقاء على بعض العادات القديمة فصرت أصنع أكواب ”الخشاف“، وهو مشروب رمضاني مصري، تمامًا كما تصنعه أمي خلال كل تلك السنوات، أجلس لأستمع إلى صوت أبي وهو يقرأ القرآن قبل الإفطار، وأسير في الشوارع لأشاهد الناس وهم يتقاسمون ما بيدهم من تمر وطعام ومياه لحظ آذان المغرب، وأحيانًا أذهب إلى مسجد الأزهر أو الحسين لأعيش لحظات دافئة من السكون والمحبة وقت المغرب، عسى ألا تنفلت من قلبي بهجة رمضان وطقوسه.

مقالات مقترحة

سألنا الشباب: لماذا تجتمع العائلة في رمضان دون غيره؟
الصورة من شترستوك وصمة التكنولوجيا الكبرى هي ما خلقته من عزلة اجتماعية وتفكيك أسري واجتماعي، جعلت لكل شخص هاتفًا صغيرًا...
نصائح لم تعرفيها من قبل عن فن استخدام العطور
نتردد نحن النساء عادةً عندما نبحث عن هدية نقتنيها لعزيزة أو صديقة، ونقضي ساعات في اختيار الهدية الأنسب، وخلال عملية...
درب العود
هكذا بدأت حكاية أحد أكثر العطور شهرة وطلباً.
ثقافات الاستحمام حول العالم
للحمّامات حول العالم أبعاد مختلفة، أكثر من مجرّد "التنظيف". هناك حمّامات بأبعادٍ روحيّة، ومنها بأبعادٍ صحيّة وجسديّة، ومنها مجرّد جزء...