فنجان قهوة حول العالم

سألنا عدّة نساءٍ من بلدانٍ وجنسيّاتٍ مختلفة عن معنى القهوة بالنسبة إليهم.
ليلى يمّين

January 2, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

خلال إحدى الورشات الصحفيّة التي قمت بها مؤخرًا، مكثت مع مجموعة من الأشخاص اللّبنانيين والأوروبيين في مكانٍ واحد لمدّة 3 أسابيعٍ وفي ثلاثة مدن: برلين، زحلة، وليون. في الفترة التي مكثنا بها في مدينة زحلة اللّبنانيّة، كنّا نبدأ نهارنا يوميًا مع “ركوة قهوة تركيّة” للجميع، أتوكّل أنا في تحضيرها. هذا الأمر العفوي والعاديّ جداً في حياتي، شكّل لي صدمة ثقافيّة ولحظة إدراك تامّة لاختلاف ثقافة القهوة حول العالم، واختلاف التعاطي اليومي معها، خصوصًا عندما رأيت مجموعة من الأشخاص الأوروبيين يسكبون القهوة التركيّة في كبايةٍ كبيرةٍ ويزيدون فوقها الحليب…

ايتيمولوجيّة كلمة “Coffee” تعود بكلّ بساطة إلى الكلمة باللّغة العربيّة وهي “قهوة”. إلّا أنّ كلمة قهوة كانت تعني “النبيذ” وقد ولدت هذه الفكرة في اليمن في مطلع القرن الخامس عشر، حيث كانت تعتبر نوع من النبيذ بما أنّ حبوب البنّ الطبيعيّة تشبه بشكلٍ كبير فاكهة التوت. هذه الصفة الألوهيّة والمسكّرة للقهوة برزت تاريخيًا عندما حاول بعض الرّهبان الضغط على البابا كليمنت الثامن لمنع “مشروب المسلمين” من دخول قارّة أوروبا بعد البدء باستيراده من الجزيرة العربيّة إلى أوروبا عبر البندقيّة. رفض البابا كليمنت هذا المنع معتبرًا أنّ القهوة جيّدة جداً إلى حدٍّ يجعلها “خطيئة” للسماح فقط “للوثنيين” بشربها؛ وهكذا انتشرت القهوة العربيّة حول أوروبا.

بعد هذا الحدث الصغير الذي واجهته، قررت أن أسأل عدّة نساءٍ من بلدانٍ وجنسيّاتٍ مختلفة عن معنى القهوة بالنسبة إليهم، وطقوس القهوة الصباحيّة في عالمهم.

راشيل، ألمانيّة، 27 عامًا، طالبة ماجستير في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع

“Kaffee am Morgen vertreibt Kummer und Sorgen” / “القهوة الصباحيّة تبدد الحزن والقلق”

تعتبر راشيل أنّ هذه الجملة هي التي تعبّر حقيقةً عن شعورها تجاه القهوة وخصوصًا القهوة الصباحيّة.

“عندما أستيقظ في الصبّاح أوّل ما يتوارد إلى ذهني هي القهوة مباشرةً. وعندما لا أحصل على هذه القهوة الصباحيّة، يتعكّر مزاجي ونهاري ولا أقوى على القيام بأيّ شيء لحين حصولي على أوّل كبايةٍ من القهوة الدافئة مع الحليب (الحليب مهمّ جداً). لا أشرب قهوتي من دون الحليب، لكن من دون السكّر أيضاً. أعشق هذه الطعمة الصباحيّة والشعور الدافئ الذي تبعثه القهوة بداخلي. القهوة تعطيني قوّة و”تضيء” نهاري بأكمله! لاحقاً وخلال النهار أشرب الكثير من الشاي وأحياناً قهوة، لا يهمّ، المهمّ القهوة الصباحيّة قبل أيّ شيءٍ آخر”.

بالنسبة لتقاليد القهوة الاأمانيّة بشكلٍ عامّ، تعتبر راشيل أنّ الأمر ليس دقيق جداً وعامّ للجميع. تقاليد القهوة في ألمانيا تختلف فعليّاً حسب الأشخاص: “من طرفٍ آخر هناك ثقافة معيّنة في ألمانيا تطوّرت مع تطوّر ثقافة النباتيين وهي إضافة حليب الصويا بدل الحليب العادي. جرّبته لكن الشيء الوحيد الذي تأكدّت منه بعد أسبوعين أنني لن أكون نباتيّة في حياتي! لكن أحببت المشروبات التي بداخلها الشوفان أو الصويا. في المقاهي يمكن الحصول على القهوة مع حليب الصويا أو الشوفان ويكون لذيذ جداً”.

من طرفٍ آخر، لراشيل جذور إندونيسيّة من جهة أمّها الإندونيسيّة: “القهوة مهمّة جداً في عائلتي الإندونيسيّة. لديهم أشكال وطرق مختلفة لتحضير القهوة، من ضمنها طريقة تشبه طريقة تحضير القهوة التركيّة. في إندونيسيا، تغلى القهوة ويتركونها لترقّد في الأسفل، من ثمّ يشربونها. الأوروبيين لا يحبون هذه الطريقة من التحضير، ويعتبرون أنّه من الغريب احتساء القهوة و البنّ لا يزال موجود مباشرةً بالكباية”. ربّما هذا يفسّر طريقة تعاملهم مع القهوة التركيّة!

كابوسين، فرنسيّة، 28 عامًا، تعمل كمساعدة مبيعات في متجر لأواني المطبخ

“عندما أستيقظ أوّل ما أفعله هو تناول الفطور بشكلٍ مباشر، ثمّ أحتسي كوبٍ من القهوة مع سيجارة. من دون هذا الروتين لا يمكن أن أبدأ نهاري. لديّ آلة خاصّة أصنع بها القهوة (Filtered coffee machine) أو أحيانًا عندما تتسنّى لي الفرصة استخدم الآلة الإيطاليّة لشرب قهوة إيطاليّة (Stovetop espresso maker). أحبّ كثيرًا هذه القهوة التي تذوقتها في إيطاليا! في اليوم العادي أحتسي حوالي الأربع كبايات من القهوة. صباحًا، خلال وقت الراحة في العمل، بعد الغذاء، وحتّى في المساء. وبسبب الطاقة التي تبعثه فيّ، قررت الانتقال في المساء إلى القهوة من دون كافيين. أنا أعشق طعم القهوة بشكلٍ عامّ، وأحيانًا أريد أن استطعم بها فقط من دون المفعول”.

ربّما يختلف الروتين الصباحي من شخصٍ إلى آخر، لكن لا يمكن أن يختلف حبّ القهوة وأهميّة التلذذ بمذاقها عند الصباح. تقول كابوسين: “حاولت أن أتوقّف عن القهوة لمدّة أقصاها ثلاثة أيّامٍ! في اليومين الأولين كانت حالتي صعبة جداً، لم أكن أستطيع التركيز على أيّ شيء خلال النهار، بالإضافة إلى مزاج سيء جداً والشعور بتعبٍ شديدٍ غير اعتيادي. ولكن بعد مرور ثلاثة أيّامٍ لم أعد أشعر بهذا النقص. بشكلٍ عامّ، أريد أن أوقف القهوة والسيجارة، لكن ذلك صعب حقيقة. أنا أعشق القهوة وأعشق الوقت الذي أمنحه لنفسي عند تناول القهوة، في الصباح وخلال النهار”.

بالنسبة لطقوس القهوة في فرنسا، تقول كابوسين أنّه ليس هناك طقسٌ فعليّ وموحّد للجميع كما في لبنان مثلاً: “لا يمكنني أن أتحدّث عن الجميع لكن الأكيد أن القهوة مهمّة جداً، والفرنسيين يشربون الكثير من القهوة. كما أنّ في فرنسا الكثير من المقاهي، لكن طريقة شرب القهوة تختلف. بعض الأشخاص يفضّلونها مع سكّر، البعض الآخر مع حليب… كما أنّنا أحيانًا نشرب القهوة في كوبٍ عاديّ، أو في فنجان أو زبدية. عادةً الفرنسيين كما أظنّ، يتناولون كوبٍ من القهوة صباحًا، وآخر خلال العمل، وثالثًا بعد الغذاء، وأحيانًا، بعد الظهر”. عندما تفاجئت من موضوع استخدام الزبدية، أوضحت كابوسين أنّ الموضوع ليس بهذه الغرابة عند الفرنسيين: “أجدادي يتناولون القهوة صباحًا في الزبدية ومساءًا (بعد الظّهر) في كوبٍ عاديّ. القهوة في فرنسا ليست قويّة جداً كالقهوة الإيطاليّة أو التركيّة، لذلك ليس هناك مشكلة فعليًا في تناولها في زبدية خصوصًا وأنّ الكثير من الأشخاص يزيدون على القهوة الحليب لكن هذا فقط في الصباح عادةً”.

لانا، 23 عامًا، لبنانيّة تعيش في فرنسا، طالبة دكتوراه بعلوم الكيمياء

“تقليد القهوة تغيّر بشكلٍ كبير بين لبنان وفرنسا. كلّ حياتي عشت مع أهلي على التقاليد ذاته. أصحو في الصّباح، تحضّر لي أمّي “ركوة” القهوة، وتنتظرني لنجلس سويًا “على الصبحيّة”، ثمّ كلّ واحدٍ منّا ينصرف إلى أعماله اليوميّة. هذا الروتين شكّل جزءًا أساسيًّا من يوميّاتي ولم يتغيّر ليومٍ واحدٍ إلى حدّ انتقالي إلى باريس لاكمال دراساتي”.

“شخصيًا تعودت على هذا النوع من القهوة؛ كميّة معيّنة من القهوة والكافيين، فنجان “شفّة” صغير، طعمٌ معيّن… وهذا كلّه تغيّر وتحوّل إلى نمطٍ أسرع بكثير ومختلف بشكلٍ كبير. هنا بدأت بشرب القهوة الأميريكيّة (Filtered coffee)، التي تحتوي على كميّة من الكافيين المختلفة جداً عن الكميّة الموجودة بالركوة التركيّة. هذا التغيير أثّر في الأسبوع الأوّل على الاستفاقة صباحًا وإعادة تعديل “جرعات” الكافيين وطريقة تأثيرها عليّ. بالنسبة لكيفيّة شرب القهوة، أنا أشرب عادةً قهوتي التركيّة من دون سكّر، من دون هال، ومن المؤكّد من دون حليب!”

“أمّا التأثير الأكبر على صباحاتي، فكان الاختلاف بمفهوم الوقت! لا “صبحيّة” في أوروبا. وقع الحياة سريع جداً، كلّ ما عليك فعله صباحًا هو أخذ قهوتك من وعاء آلة القهوة والرّكض إلى الصفّ أو إلى العمل. الجلسة الصباحية “الرايقة” غير موجودة. أمّا على الصعيد الشخصيّ، فأصبحت أقضي صباحاتي في العمل. نمط الحياة العمليّة لم يكن “شيئًا كبيرًا” في لبنان، وكان هناك دائماً وقت للقهوة الصباحيّة. هذا النمط لا يسهّل عمليّة “الصبحيّة” ويدفعك إلى تغيير هذه العادة العربيّة. عندما كنت في لبنان، كنت أبذل جهدًا وأصحو باكرًا جداً يوميًا للاستمتاع بالقهوة مع أمّي والانصراف بعدها إلى الجامعة أو إلى العمل. هذا الأمر تلاشى اليوم مع تغيّر النمط الحياتيّ وانتقاله إلى نمطٍ أسرع بكثير”.

“عندما أصل إلى عملي، أوّل ما أفعله هو تحضير كوبٍ كبير من القهوة، لأنّ النهار لا يبدأ من دون القهوة، أشربه خارجًا مع صديقتي، وندخّن سيجارة، ليبدأ معه النّهار فعليًا ونبدأ العمل”!

مقالات مقترحة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على مدربة مبارزة
بدأت المبارزة كطريقة قتالية في فترة ما قبل الميلاد بمصر، وفي القرن الرابع عشر بدأت في دول أوروبا كرياضة قتالية...
سألنا الشباب: لماذا تجتمع العائلة في رمضان دون غيره؟
الصورة من شترستوك وصمة التكنولوجيا الكبرى هي ما خلقته من عزلة اجتماعية وتفكيك أسري واجتماعي، جعلت لكل شخص هاتفًا صغيرًا...
سألنا النساء كيف أثرت التكنولوجيا على حياتهن وتقدمهن المهني
نحن بالتأكيد الأكثر حظاً! من كان يتخيّل منذ عشرين سنة أن هاتف صغير في اليد سيصبح نقطة اتصالنا بعالم لا...