فن العيب

بحث ميداني لتعريف العيب بين معاصراته من المبدعات وطريقه إلى "اللا مستقبل".
آية أحمد

January 23, 2019

آية أحمد
وقت القراءة: 6 الدقائق

في وجهة نظري كلمة “عيب” هي أحد أكثر الكلمات تأثيرًا في مجتمعاتنا العربية، وليس لصعوبة الكلمة أو لعمق معناها، فمعجم لغتنا المعاصر يُعَرِّف عن كلمة العيب بمصدر عاب… فكالذي فسر الماء بعد جهد بالماءِ.

 

عَيْب – مصدر عابَ

  • وصمة، نقيصة، شائبة، مَذمَّة: ليس الفقرُ عيبًا، – أظهر عيوبَ الآخرين، – مَنْ نظر في عَيْب نفسه اشتغل عن عَيْب غيره، – وعين الرِّضا عن كُلِّ عَيْبٍ كليلة

عَيْب – عورة

  • عَيْب خِلْقي: علَّة فسيولوجيَّة أو بنيويَّة، بحيث تتطوَّر عند الولادة أو قبلها وخاصَّةً كنتيجة للنموِّ ذي العُيوب أو النقائص

حسب تعريف معجم اللغة العربية المعاصر لكلمة عيب.

وكفتاة عربية ومسلمة ترعرعت في مجتمع عربي لعائلة متحفظة نوعًا ما، كلمتا عيب وحرام اِحتلا جزء كبير من قاموسي اليومي، فالعيب حرام والحرام عيب. والمضحك أنه كان من العيب أن أسال “يعني إيه عيب؟” فالضحكة بصوت عالي كانت عيب، وشعري كان عيب وحرام وجسمي كان عيب وحرام وعورة. اليوم في سن الثامنة والعشرين، تعريفي لكلمة عيب اختلف كثيرًا عما كنت طفلة وأصبحت كلمة عيب بعيدة كل البعد عن لساني ولسان من حولي، فأحتفل بشعري الكيرلي (المجعد)، وأضحك بصوت عالي في الشارع، وأستطيع أن ألبس ما يمثلني بغض النظر عما قد يراه من حولي، ولم أعد أواجه الكثير من حاملي “راية العيب” حتى من أهلي. مما جعلني أتساءل عما إذا اختفى العيب من المجتمع؟ أم تبدلت مفرداته فقط؟

ومن هنا قررت، أن أناقش الفكرة مع ثلاث مبدعات من العالم العربي – المصورة، والشاعرة، والفنانة – اللواتي سلمهن البعض راية “فن العيب”، لعلهن يخبرنني عن مستقبل العيب في مجتمعاتنا المعاصرة وما تحمله الكلمة من معاني لهن.

 

#مشروع _عيب

 

 

أول وقفة لي كانت مع المصورة الوثائقية السعودية، إيمان الدباغ، التي كرست مسيرتها في التصوير الفوتوغرافي لتوثيق ودراسة قضايا اجتماعية تمس المرأة ومن أهمها المساواة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية، والنظرة الاجتماعية للحب والعيب، وأخيرًا الهوية الاجتماعية للمرأة العربية التي اختارت من الفن سبيلاً للتعبير عن النفس.  

#مشروع_عيب هو أحد مشاريع الفنانة إيمان التي أثارت انتباهي على وسائل التواصل الاجتماعي، لما يطرحه المشروع من قضايا تشغل المجتمع العربي بشكل عام والمرأة العربية بشكل خاص. #مشروع_عيب هو سلسة تصوير وثائقي نبعت من بحث وتوثيق إيمان المستمر لكل ما هو خارج عن المألوف وغريب عن عدسة المجتمع، وتبنت هذه السلسلة اتجاهها في بداية ال2011، لتتخذ من العيب موضوع طرح ومادة بحث.

“بعد حصولي على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق” في ال2016، قررت أن أتخذ من توثيق حياة الفنانات العربيات ومعاصرتهن لمفهوم “العيب” كمادة أساسية للبحث والتوثيق، لما تحمله من أبعاد تعكس أفكار مجتمعية عن المرأة العربية المُبدعة. محطتي الأولى بدأت بتوثيقي لتجربتي الشخصية في التعبير عن الذات ورحلتي الشخصية للعثور وتحديد صوتي الفني. فكم كرهت إحدى معلماتي حين عاقبتني لرسمي ما تخيلت أن يكون عليه شكل الله، وكم غُلِلت بنظرات العيب حين عبرت لمن حولي عن اهتمامي بالرقص الشرقي. ونتيجة لِكبتي أحاسيسي وأفكاري خوفًا من سماع كلمة “عيب” و “حرام” و “ممنوع”، أصبح #مشروع_عيب سلاحي للتعبير عن ذاتي ومنصة لأسلط بها الضوء على مسيرة من حولي من النساء في تعبيرهن عن الذات.

“توثق السلسلة حياة فنانات، ورياضيات، وراقصات سعوديات وعربيات تَمَكَّنَ من إعادة تعريف كلمة عيب. وبالرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على هذه الذكريات، مكنني #مشروع_عيب من استرداد هذا الشعور الطفولي البريء الذي كان يجتاحني عندما كنت أقف أمام الشاشة مقلدة فيروز الصغيرة في الفيلم المصري “ياسمين”. فاستطعت أن أرقص وأتحرر أخيرًا باستخدام عدستي الوثائقية”.

عند سؤالي لإيمان عن ردود الفعل التي تلقتها على #مشروع_عيب، شاركتني:

“تلق العمل ردود فعل مختلفة، فالبعض لم يُدرك الهدف من العمل معلقين فقط على تفاصيل الصور مثل الوشم… “إيش دخل حرية التعبير في التاتو إذا التاتو أصلًا ربنا حرمه”… في حين أنه لم يكن هدفي توثيق جسد الفنانة بل مسيرتها للتعبير عن الذات. أما البعض الآخر وجد في العمل تصوير لمعانته الخاصة في التعبير عن الذات وذكريات مدفونة لزمن الكبت والرقابة في السعودية وغيرها من البلاد العربية”.

 

الكلمات ليست كالكلمات

“معظم قصائدي عن التحرش الجنسي أو التحرش بالأطفال أو الحب قبل الزواج… التي تنبئت جلد الرأي العام عليها، لم تلقى سوى الترحيب والتشجيع من متابعيّ – فالبعض شاركني تجاربهم الأليمة، والبعض تأثر ً بالكلمات بالرغم من عدم مواجهتهم لهذه التجارب. أنا أؤمن بأن هذه النظرة والتخوف من رأي المجتمع هو مجرد صورة وهمية مبنية في عقولنا نحن كأفراد فيه، وبمجرد اكتشافنا لقدرتنا الخاصة للتعبير عن الذات نتحرر من هذا التخوف والعيب”.

هكذا بدأت حواري مع الشاعرة المعاصرة نمال الصدّيقي، عن العيب ومفهومها له، حيث تُعرف على وسائل التواصل الاجتماعي بالشفافية المطلقة ومشاركتها لتجاربها الشخصية لأوضاع وقضايا قد يراها الكثيرون “عيب”.

 

 

انتهاك

في كل مرة حطم قلبها رجل

في كل مرة تكلم معها بطريقة وقحة

في كل مرة لم تحظى بالاحترام الذي تستحق

تذكرت طفولتها السوداء… تذكرت الإساءة… تذكرت انتهاك براءَتِها

تذكرت لماذا كانت عاجزة المشاعر

فإما خامدة كانت أو بركان

تذكرت بأن الحب كالطير الجارح

الذي يطير بلا عنوان

 

OMG! BOOBIES

 

 

تلقت الفنانة السورية، مالدا صمدي، أصداء واسعة من الإعلام العربي والعالمي بعد عرضها أخر أعمالها OMG! BOOBIES،وذلك لنحتها أثداء مصغرة مستندة على أثداء نساء حقيقية باستخدام موهبتها في النحت الجاف. قلدها الإعلام بوسام لمحاولتها “كسر الصور النمطية عن جسم النساء” و”تحديها لتصور المجتمع لثدي المرأة”.

 

 

“لم يكن هدفي من العمل أن أحطم أي صور نمطية لثدي المرأة، بل كان هدفي هو تغيير نظرة المرأة نفسها لجسدها. أنا أدرك أن عملي ليس فريد من نوعه، ولكن ما ميزه هو طرحي للفكرة كفتاة شرق أوسطية. استوحيت فكرة العمل مما يمثله الثدي للمرأة – فهو علامة نضوجها من فتاة إلى امرأة، وهو رابط سحري يربطها بأولادها، ثم علاقتها بثدييها مع تقدمها بالسن. لا أرى أن مناقشة هذه العلاقة عيب أو حرام بل أؤمن بأنه يجب أن تتمكن كل فتاة من لغة الحوار الصحيحة للتعبير عن جسدها، ومشاعرها وأفكارها بعيدًا عما قد يراه المجتمع عيب.

 

 

“تجمع بيني وبين عائلتي لغة حوار مفتوحة عن فني وتطلعاتي، وعند طرحي لعمل OMG! BOOBIES طرح والديّ أسئلة ليتأكدا من صحة رسالتي وهدفي من العمل فقط وليس تشكيكًا بالموضوع المطروح. قد أكون واجهت موقف واحد مع والدي حين علم أن أحد المنحوتات هي لثديي من مقالة نشرت عن الموضوع حيث قال لي “أنك بنتي، ما يمس جسدك يمسني”، ولكنه تفهم لهدف العمل.

 

 

“العيب بالنسبة لي هو كل ما يراه المجتمع غير أخلاقي أو غير صحيح. فالعيب هو مفهوم اجتماعي يعتمد على المجتمع نفسه وتعريف أفراده له. شخصيًا أنا لا أستخدم الكلمة ودائمًا ما أدرب نفسي على محاورة الآخر، سماع وجهة النظر المعاكسة، ثم أحلل ما إذا كنت اتفق أم اختلف. وأرفض بشدة أن أقلد أي فكر أو رأي بالعيب. من أحد المواقف القليلة التي أذكر أني استخدمت فيها كلمة عيب، كان في تعليق مني على تصرف أخلاقي غير لائق تجاهي”.

ننتمي اليوم لمجتمع ملون الأبعاد والأوجه، متأثر بعوامل تعرية لجميع ملامحه التقليدية، فنحن النساء اليوم تغير تعريفنا لمفهوم العيب والكثير غيره من المفاهيم، ولم تعد ترى ذاتها كمحض انعكاس لمجتمع مكبوت وآراء “فلكلورية”. فهي صحافية، مصورة، شاعرة، وفنانة ورائدة أعمال قادرة على تعريف مفاهيمها بذاتها ومن تجاربها الخاصة. فالعيب اليوم هو سراب يقيد القليلات من اللواتي اخترن التقاليد كهوية وعباءة لتغطية “مخاوفهن الشخصية”.

 

 

تصوير آية أحمد

  .تم تعديل المقال عن نسخته الأصلية حسب ملاحظة نمال الصدّيقي*

مقالات مقترحة

صوت المرأة… ثورة
(شابة تقود متظاهرين في هتاف ثوري في الخرطوم، السودان، 8 أبريل، تصوير لانا هارون @lana_hago) ”صوت المرأة عورة“، هذه العبارة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...
النسوية المعاصرة: نضال حقيقي أم وسيلة للشهرة والتسويق؟
”النسوية“... ذلك العنوان العريض الذي يتصدر صفحات الحراك الأنثوي على الإنترنت، ويؤطّر المشهد الاجتماعي الحقوقي على الأرض في مدن عدة...