قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغنية العربية عبر الزمن

بين العاشقة والمظلومة والثائرة.
دانية أ. موسى

March 19, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

في ذاكرة الأغنية العربية آلاف الأغنيات التي تتحدث بلسان حال المرأة، فبين العاشقة المشتاقة، وبين المُحِبّة المظلومة، وبين الثائرة على واقعها، وبين المتطلبة التي لا ترضيها الحلول الوسطى، وبين التي تشعر بأن العمر قد مضى وأن الزمن قد ترك آثاره على ملامحها، آلاف الحكايات والنساء، والكثير من الأغنيات التي ترددها الألسن، وتذيعها المحطات، وتحفظها الجماهير عن ظهر قلب، دون تفكير متعمق في الصبغة الطاغية على خطابها.

في هذا المقال، أحاول أن أقف على أبعاد تطور صورة المرأة في الأغنية العربية، منذ الحقبة الذهبية لها وحتى زمننا الحالي، مستشهدةً بأيقونات لكل حقبة زمنية، وأشهر أغنياتهن، لندرس معًا لسان حال المرأة في تلك الأغنيات، ولنقف معًا على أهم قضاياهن وكيفية تطورها عبر الزمن.

الحقبة الذهبية: كوكب الشرق… عن حب الرجل، والأرض، والرب

تميزت أغاني الحقبة الذهبية التي تزخر بأسماء كبيرة في عالم الموسيقى كليلى مراد، وأسمهان وسواهن من أهم مطرباتها، بالتنوع والثراء في مواضيع الأغنيات وكلماتها وألحانها. وربما تعد تجربة كوكب الشرق، السيدة أم كلثوم، خير مثال على هذا التنوع. تتفق معظم الجماهير على أن أم كلثوم تعد أسطورة موسيقية بمساحة صوتها وقدراته وعاطفته. لكن البعض يرى في فن أم كلثوم مشروعًا موسيقيًا متكاملاً، تظافر فيه الصوت الشجي، مع اللحن البديع والكلمة المعبرة، لتقدم إلى العالم تحفًا فنية في هيئة أغنيات. وبالنظر عميقًا في اختيارات أم كلثوم الشعرية، سنجد ميلاً إلى الانتقائية والذائقة الشعرية المرهفة، التي تبحث عن الكلمة الساحرة في جميع الأزمان. لم تقتصر تعاونات أم كلثوم الغنائية مع شعراء من حقبتها ومساحتها الجغرافية، بل غنت قصيدة “أراكَ عصي الدمع” لأبي فراس الحمداني وهو شاعر عباسي، وغنت قصيدةً ترجمها الشاعر المصري أحمد رامي للشاعر الفارسي عمر الخيام، عرفت بالرباعيات، وغنت “هذه ليلتي” للشاعر اللبناني جورج جرداق، وغنت كلمات الأمير عبد الله الفيصل بن عبد العزيز آل سعود في “من أجل عينيك”، ناهيك عن تعاوناتها مع الشعراء المصريين الكبار كحافظ إبراهيم، بيرم التونسي، إبراهيم ناجي وسواهم. وبالرغم من أن أم كلثوم قد تغنت دومًا بقصائد لشعراء ذكور، إلى أن اختياراتها الغنائية للكلمات يمكن أن تشي بصورة المرأة الشائعة في تلك الحقبة. فسنجد الحبيبة التي فاض بها الصبر في “للصبر حدود”، والمستضعفة أمام الحنين للحب القديم في “دارت الأيام” والمسكونة بالعاطفة الجياشة في “أنت عمري”، ثم نخرج من إطار العشق الآدمي إلى العشق الإلهي، فتصادفنا المرأة المتضرّعة في “برضاك يا خالقي”. ورغم كون أم كلثوم قدمت الأغنية الوطنية عن قصائد لشعراء رجال، إلا أن تغنيها بروح المقاومة والدفاع عن الأرض، قدّم صوتها صورة مغايرة عن دور المرأة الوطني، تتخطى مباركة المقاومة ودعم الرجل بأدعية النصر، إلى المشاركة فيها بشكل عملي، أو ربما هذه الصورة التي ترتسم في ذهن المستمع إلى أغنية كـ”أصبح الآن عندي بندقية”، كتبها شاعر المرأة نزار قباني.

السبعينات: فيروز… عن البساطة والتفاصيل الدافئة

رغم اقتران السبعينات بآثار النكسات السياسية التي عاشها سكان المنطقة العربية في حقبة الستينات وخيبات الأمل العربية المتلاحقة حيال الوضع السياسي المضطرب فيها، وبالحرب على لبنان، إلا أنها كانت حقبة “انفتاح” فني وثقافي في تاريخ الأغنية العربية، بتقديم الكبيرة فيروز، نمطًا غنائيًا جديدًا على الساحة العربية، يتمثل بالأغنية الجماهيرية القصيرة ذات الموضوع المحدد. تعاونت فيروز في مشروعها الفني مع الأخوين رحباني، وأخيهما الأصغر إلياس، وقدمت المئات من الأغاني التي أحدثت ثورة في الموسيقى العربية لتميزها بقصر المدة وكثافة المعنى. وبعيدًا عن القصائد المركبة بتعابيرها المعقدة، وسبكها اللغوي الصعب، كانت أغاني فيروز بسيطة، تعتمد على عمق الفكرة الموسيقية وتنوع المواضيع. قدمت فيروز عن طريق أغنياتها المرأة بصور مختلفة فغنت بصوت المرأة الأم “نامت ريما”، والمرأة المناضلة في “زهرة المدائن”، والمرأة العاشقة “بعدك على بالي”، والمرأة اليائسة “لا إنت حبيبي ولا ربينا سوى”، وغنت الحزن والفرح والغربة والسفر. قدمت فيروز عددًا كبيرًا من أغانيها ضمن مسرحيات، وصل عددها إلى خمس عشرة مسرحيّة، من تأليف وتلحين الأخوين رحباني. تراوحت جرأة قضايا هذه المسرحيات، من نقد قضايا الحب والعلاقات الاجتماعية إلى نقد الحاكم والشعب وتمجيد البطولة. غنت فيروز لكثير من الشعراء والملحنين العمالقة؛ ومنهم الشاعر اللبناني الكبير ميخائيل نعيمة وذلك في أغنية “تناثري”، والشاعر اللبناني سعيد عقل في أغنية “لاعب الريشة”، وهو الذي أطلق عليها لقب “سفيرتنا إلى النجوم”.

الثمانينات والتسعينات: ماجدة الرومي… عن حب المثقفين والوطن والحيوانات

في منتصف الثمانينات إلى نهاية التسعينات، انخرطت المرأة العربية في الحياة الثقافية بشكل ملحوظ، ولمع نجم الفنانة اللبنانية الماجدة، ماجدة الرومي، وهي ابنة الموسيقار الكبير حليم الرومي. لقبت ماجدة الرومي بـ”مطربة المثقفين” لما ارتبطت به أغانيها من اختيارات أدبية ذات رقي بالغ، وحس مرهف. وكيف لا وهي خريجة كلية الأدب العربي من الجامعة اللبنانية ببيروت.حرصت ماجدة الرومي منذ بداياتها على الالتزام بخط غنائي انتقائي، وحرصت على التمعن في اختيار الكلمات والألحان. غنت بصوت المرأة المؤمنة في الكثير من التراتيل مثل “ميلادك” و “طوبى للساعين إلى السلام”، وغنت عن حب الوطن والأمل بمستقبله في “شعبك واقف بالريح”، وغنت لبيروت في “بيروت ست الدنيا”. وفي قضايا الحب، غنت بصوت العاشقة المحافظة القلقة من ألسنة الناس الثرثارة في “عم يسألوني عليك الناس”، لكنها لم تكتفي بذلك، فقدمت المرأة التي سئمت من الحب وتبحث في الرجل عن صديق في قصيدة كتبتها الشاعرة سعاد الصباح بعنوان “كن صديقي”، وغنت بلسان الواقعة في غرام الرجل حلو اللسان، قليل الفعل في “كلمات” وغنت بصوت المرأة مرتادة المقاهي الأدبية في رائعة نزار قباني “مع جريدة”. كما أنه من العجيب والثوري بمكان، أن ماجدة الرومي تخطت قضايا الأغاني المكررة إلى الغناء عن علاقتها بأرواح أخرى غير إنسانية، كالحيوانات مثلاً، فغنت للسمكة الذهبية في حوض منزلها أغنية “الأكواريوم”، ولقطّتها سيسي في “عندي بيسة”، دون أن يؤثر ذلك على رقي خطها الفني وخصوصية الأغنيات التي تقدمها.

الألفين وما بعد: إليسا… عن لوعة العشق ومرارة الحب

رغم تعدد مغنيات هذه الحقبة، اخترتُ إليسا لسببين، الأول أنها لازالت نجمة صف أول وفي أوج عطائها الفني حتى الآن، والثاني أنها تشبه مغنيات الحقب السالفة في انتقائها لكلمات وألحان أغنياتها بشكل ملحوظ وحرصها على صناعة ألبومات غنائية جيدة تستحق الاستماع بشكل مستمر، مما يعكس شكلاً من أشكال الالتزام في خطها الفني. أطلقت إليسا ألبومين قبل ألبومها الثالث “عايشالك” الذي وضعها على خريطة الغناء عالميًا، حيث صورت الأغنية التي يحمل الألبوم اسمها عنوانًا، في العاصمة الفرنسية باريس وأخرجها المخرج الفرنسي فابريس بيغوتي، كما صنعت دار الأزياء الفرنسية الشهيرة “ديور” زيًا مخصصًا لإليسا لترتديه في الفيديو كليب وهو أمر لم يحدث قبل ذلك الوقت لمغنية عربية. وبعيدًا عن الصورة الخارجية، لو نظرنا بتمعن إلى الصورة الداخلية التي تمثلها إليسا عن المرأة في كلمات أغانيها، لوجدنا حضورًا طاغيًا للمرأة العاشقة بشتى أنواعها وتقلباتها في الحب. فهي العاشقة المتفانية في “عايشالك” والغارقة في الحب في “أجمل إحساس” و المعاتبة في “إرجع للشوق” و الحزينة في “حبك وجع”، وتلك التي بدأت تكتشف عاطفتها حيال أحدهم في “جوايا ليك”، والمخذولة من غدر الرجال في “فاتت سنين”. قدمت إليسا ما مجموعه 11 ألبومًا، حضرت فيها المرأة العاشقة بقوة، ربما على حساب الغناء لقضايا أخرى، كان يمكن لصوت بمساحة وجماهيرية إليسا تقديمها للجماهير العربية. مع بضعة استثناءات هنا وهناك، فهناك أغنية “يا مرايتي” التي كانت تغني فيها بصوت المرأة التي تشعر بضياع العمر وتعاقب السنين وتغير أحوالها وأفول جمالها. كما قدمت إليسا مؤخرًا “إلى كل اللي بيحبوني” بصوت المرأة التي عاشت تجربة المرض واشتاقت لاجتماع الأحبة في ساعات الراحة والرخاء، وهنا تحدثت إليسا عن تجربتها الشخصية كناجية من مرض السرطان الذي تعالجت منه بشكل سري، ليعرف الناس قصتها عند صدور الأغنية.

مقالات مقترحة

قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: يسرى الهواري
بدأت يسرى ذات 35 عامًا تعلم الموسيقى الكلاسيكية والبيانو من سن صغير جداً. درست الفنون الجميلة لديكور المسرح والسينما في...
التقينا بالمؤلفة الموسيقية العربية-الكندية سعاد بشناق
الأغنية أنثى والموسيقى أنثى... النوتة أنثى، والأوركيسترا أنثى. ربما لا تعد هذه صدفًا محضة في عالم يزخر بموسيقياته كما يزخر...
عايشة وليلى ومريم… تعرفي على النساء في الذاكرة الجمعية للأغنية العربية
في صناعة الموسيقى العربية، يتخطى دور المرأة مكانها كموسيقية أو مؤلفة أو مغنية، إلى مكان آخر أكثر عمقًا، وأكثر تماسًا...