قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل

لا يتوقف المتحرش عند المغازلة الغير مرغوب فيها فقط بل ينتقم من المجني عليها إذا لم تتفاعل معه بالشكل الذي يريده.
شروق المليجي

July 4, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

رسوم يارا مراكي

التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهو أي سلوك مضمونه جنسي ويهدد أمان وسلامة المرأة النفسية والجسدية، وتنتشر ظاهرة التحرش الجنسي في الشوارع والمواصلات العامة والمولات وأيضاً في أماكن العمل.

 وفي مجال العمل التحرش الجنسي يكون في صورة ضغوط وتجاوزات وغالبًا ما يكون المتحرش في منصب قوة يستغله في الضغط على من هن في منصب أقل منه ولكنه قد يصدر أيضاً من الزملاء أو الموظفين الأقل مرتبة أو حتى العملاء. قد يكون في صورة مغازلات أو نظرات أو مكالمات هاتفية أو تداول النكات والإيحاءات الجنسية الغير مرغوب بها أو اللمس والتحسس في مناطق من الجسد أو الالحاح على اللقاء خارج مكان العمل أو التحرش الإلكتروني وقد يكون أيضاً في صورة مساومات على الترقيات مقابل خدمات جنسية، ويشترط أن يكون فعل غير مرغوب به من قبل المرأة.

وقد يعتقد الكثير من الأشخاص أن مثل هذه التصرفات مجرد مغازلة غير مؤذية وأنها لا تسبب أي مشاكل بل وتحدث أيضاً ب”نيّة حسنة“ أو قد تكون مجرد حادث عن غير قصد من قبل الفاعل أو حتى مجرد دعابة، وأننا اختلقنا ثقافة تُحَتِم أن أي نوع من أنواع الغزل يعتبر تحرش، لكن التحرش ليس مجرد حادث أو صدفة أو دعابة ولا تكون نوايا الفاعل حسنة فالتحرش يكون دائماً عن قصد ولهدف معين، ولكن ما هو الخط الفاصل بين الغزل والتحرش؟ الفرق الأساسي بين التحرش الجنسي والغزل هو أن التحرش الجنسي يكون تصرف غير مرغوب به وغير مريح بالنسبة للمتلقي وغير مرحب به.

والفرق يعود إلى النوايا، ففي حالة المغازلة يكون الفاعل مراعي لمشاعر المفعول به ولدوافعه فالغزل بطبعه فعل متبادل وقد يوجد إعجاب أو علاقة عاطفية بين الطرفين ويكون برضاهم ولكن في حالة التحرش فالمتحرش لا يكترث لمدى تقبل المتلقي ولا يهتم بأمره أو رد فعله ويتجاهل حقيقة أن من يتحرش بها لا تقبل تصرفاته وأنها منزعجة ويستمر في ذلك، فهو لا ينظر لها كإنسانة بل مجرد وسيلة لإشباع رغباته.

فإذا وَجَد شخص ما أن محاولته للغزل البريء اعتبرت تحرش جنسي فهذه ليست مسألة خلط أو سوء تفاهم من قِبَل الطرف الآخر بل هذا يعني أن محاولات تقربك غير مرغوب بها من البداية وأن طريقتك لإلقاء المجاملة كانت فجة أو غير مقبولة بالنسبة للشخص الآخر أو أنه غير منجذب إليك ولا يرغب بسماع ”غزلك“ به، فطالما رد الفعل كان سلبي فيجب عليك التوقف حتى لا تتعدى الحدود وتوضَع في خانة المتحرش.

غالبًا ما يحدث ذلك لاعتقاد البعض أن الأنثى ضعيفة ولن تستطيع المواجهة أو تصعيد الأمر للشخص المسؤول، والتحرش الجنسي في مكان العمل فعلاً يعد من أكثر أنواع التحرش صعوبةً في التعامل معه فهناك عدة أسباب قد تمنع المرأة من المبادرة بفعل شيء ومنها الخوف من الفضيحة وتلويث السمعة أو من فقدان عملها أو الخوف من الرسوب في الجامعة أو بسبب عدم قدرتها على إثبات التحرش الذي حدث واحتمالية عدم تصديق المسؤولين لها وإلقاء اللوم عليها.

تعرضت ”ر.ق.“، 26 عام، صيدلانية، لموقف يعتبر نوع من أنواع التحرش والابتزاز عند عملها بأحد المستشفيات الحكومية. كانت ”ر.ق.“ جديدة التعيين في المستشفى وقررت أن تحظر جميع زملائها الجدد من على شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بها لأنها لم تكن ترغب في التعامل معهم خارج نطاق العمل وكانت ترغب بإبقاء حياتها الشخصية بعيدًا عن تطفل الآخرين.

وفي يوم فوجئت ”ر.ق.“ بسؤال أحد زملائها لها عما إذا كان محظورًا من حساب ”الفيسبوك“ الخاص بها وعندما لم تستطع الكذب عليه صارحته بأنها لا ترغب بأن يعلم زملائها في العمل عن حياتها الشخصية فإذ به يهددها باختراق جميع حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بها والرسائل الخاصة بها إذا لم ترفع الحظر من عليه مؤكدًا لها أنه ليس مثل زملائها الآخرين قائلًا: ”أنا شخص متفتح ومتفهم لأسلوب حياتك وبراحتك تعملي اللي انت عايزاه“، وأكد لها بأنه لن يخترق حساباتها بشرط ألا تخبر أي من الرجال من أفراد عائلتها بما حدث وأن ترفع الحظر.

بالرغم من خوف ”ر.ق.“ في البداية بسبب تصديقها له وأنه من الممكن أن يكون بالفعل ”هاكر بارع“ كما قال إلا أنها لم تخضع لتهديداته وتقول ”ر.ق.“: ”المشكلة الكبيرة أنه كان زميل لي في العمل ولذلك كنت مصدومة جداً من الموقف ومن جرأته الوقحة ولكنه إذا كان شخص غريب لكنت أوقفته عند حده من البداية، وانتهى الموضوع، عندما علمت من صديق لي أن هذا الشخص كاذب وأنه غير قادر على اختراق حساباتي وأخبرت أخي بما حدث ليتعامل معه ولم أتحدث معه مرة أخرى إلى يومنا هذا وأتجاهله عندما أراه ونادرًا ما أراه أصلاً بسبب اختلاف مواعيد العمل“.

وفي حالات أخرى لا يكون باستطاعة الفتيات فعل أي شيء بسبب أن من يتحرش بهم هو صاحب العمل فلا يوجد من يشتكون له، هكذا تحكي لنا ”م. ح.“، 24 عام، عن قصتها عندما كانت تعمل في مركز دروس: ”كان يتحرش بي مديري وصاحب المكان الذي كنت أعمل فيه ودائماً ما كان يتغزل بي بالرغم من أنه كان خاطب فتاة أخرى“. كانت تشعر ”م. ح.“ بعدم الارتياح وأنها عالقة لأنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء بسبب منصبه ولأنها تعلم ردود فعل الناس في مصر وتضيف: ”في مصر إذا قلت أن ذلك الشخص يفعل كذا سيبدؤون بإشارة أصابع الاتهام إلي لأنهم يظنون أن المرأة هي من تلاحق الرجل المرتبط وليس العكس حتى إذا كان هناك شخص مسؤول لأبلغ له عن ما حدث فستكون كلمتي ضد كلمته، من سيصدقني؟ فهو أقدم مني ويعمل هناك منذ سنوات عديدة.“

لا يتوقف المتحرش، خاصةً إذا كان في منصب كبير، عند المغازلة فقط بل يتلاعب بالمجني عليها بطريقة غير مباشرة للانتقام إذا لم تتفاعل معه بالشكل الذي يريده وتضيف ”م. ح.“: ”كنت في البداية اتجاهله أو أعطه ردود باردة وأحاول الذهاب للعمل في أوقات مختلفة عنه لكن بعد فترة عندما ازداد في المغازلة والإصرار بدأت أن أتعامل معه بعنف، وبما أنه هو الشخص المسؤول عن تحديد الدروس لكل شخص وعن عدد ساعات العمل، فبدأ في تقليل عدد الدروس المخصصة لي وكان غرضه أن يزهقني ويجعلني أشعر أنه ليس لدي عمل لأقوم به وفي النهاية فعلاً مللت وتركت العمل ولكني كنت مجبرة بطريقة غير مباشرة لفعل ذلك فأنا كنت أحب عملي ولم أكن أريد تركه.“

وتعرضت ريم طلبة، 23 عام، لموقف مشابه في عملها المؤقت كمرشدة في أحد المولات وكان يتحرش بها مديرها أيضاً وتحكي لنا: ”إنه كان يتغزل بجميع الفتيات في العمل وفي يوم قبل انتهاء ميعاد العمل بوقت كبير طلب مني أن أترك بقية العمل للأولاد الموجودين وأن أوصله إلى منزله بسيارتي، فقلت له أنني لا أسكن بالقرب منه وأن بإمكانه سؤال أحد من الأولاد لفعل ذلك.“ وكانت تفهم ريم معنى ذلك الطلب الجريء ولكنها لم تقدر على فعل أي شيء لأنه كان مديرها.

وفي بعض الأحيان يكون التحرش من قِبل شخص أقل مرتبة ويكون التعامل في مثل هذه المواقف أسهل بسبب عدم وجود تهديدات وابتزازات فتحكي لنا ريم عن موقف مع صبي المكتب في عمل آخر حيث كان دائماً ما يلقي تعليقات صريحة ويتغزل بها ويحاول أن يلتصق بها بشكل غير مباشر كلما رآها وتضيف: ”اشتكيت للمسؤولين أنا وبنات آخرون اللواتي تعاملن معه وبالفعل توقف عما كان يفعله.“

أما ”م. ز.“ تحكي لنا عن عملها السابق الذي كان مليء بالتحرش والإيحاءات الجنسية الغير لائقة الذي تتعرض له الكثير من زملائها ولكن بالنسبة لها فهي كانت صديقة مقربة من أحد المديرين ولذلك كان يخاف زملائها ويتعاملون معها بحذر، وتقول ”م. ز.“: ”كانوا يخافون من فعل تلك الأشياء معي لأنهم على علم بصداقتي مع المدير ويتجنبون رد فعله بالإضافة إلى أنهم كانوا يحترمون صديقي كرجل مثلهم ولم يرغبوا في إهانته!“

أما بالنسبة للبقية فتخبرنا قصة أحد زميلاتها التي قررت أن تشتكي لأحد الأشخاص المسؤولين عن زميلها الذي كان يتغزل بها دائماً ويلاحقها بالمكالمات التليفونية، فقال لها المسؤول: ”وأنا أضمن منين إنه عمل كده؟ هتثبتيلي إزاي؟، بعدين عنده حق بصراحة!“، وتضيف ”م. ز.“: ”لم يكن من السهل أن يصدق المدراء تلك البلاغات فنحن كنا مجرد متدربين ولم نكن ذات أهمية بالنسبة لهم مقارنةً بالآخرين الذين كانوا في العمل منذ فترة طويلة بالإضافة إلى أن الكثير من المدراء نفسهم كانوا متحرشين.“

مقالات مقترحة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...
سألنا النساء: هل حصلتن على مناصب قيادية في عملكن؟
ما مدى إمكانية وصول النساء إلى مناصب قيادية في أعمالهن المختلفة؟ ربّما لا زلن في حاجة إلى وقت طويل لتحقيق...
سألنا نساء عن الأسئلة الشخصية لهن في مقابلات العمل
في إحدى مقابلات العمل قال لي من يجري المقابلة: هناك نوعين من النساء، الأولى لا نشعر أبداً أنها متزوجة، والأخرى...