كيف أحببت “التأمل” في ثمان محاولات منفردة

هل يمكننا حقًا إيقاف سير تدفق أفكارنا وتحليلاتنا العقلية ولو لبعض الوقت؟
آلاء عثمان

December 23, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

في يناير من عام 2013، تقاطعت للمرة الأولى مع مفهوم “التأمل”، كنت أقرأ حينها بشغف كبير لـإليزابيث جلبيرت للمرة الأولى، وتحديدًا كتابها Eat, Pray, Love… لم أكد قد تخطيت الثامنة عشر بعد إلا أنني تتوقت للقيام برحلة تطهيرية كتلك التي قامت بها الكاتبة، وربما أداء بعض تمرينات التأمل للحصول على أمن واسترخاء وتكامل داخلي يقيني شر جلبة الحياة العائلية ومتاعب الدراسة. لم أحضر جلسة تأمل حقة سوى بعد التاريخ ذاك بـ5 سنوات كاملة، كانت متاعبي الحياتية قد تضاعفت، صرت صحفية – للغرابة – كجلبيرت، وأصبحت استكشف عوالم خاصة بدوري، أقتحمها وأرصد سماتها وأتعلم الكثير خلال رحلاتي القصيرة.

لم تكن زيارتي لتدريب التأمل سوى رحلة عمل محضة، ذهبت مُحصنة بدفتر ملاحظاتي الأرجواني أرصد الأجواء وكأنني دلفت لقاعة مؤتمرات مكتظة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك، فقط بضعة وسائد مخملية منسقة باهتمام على أرضية غرفة متسعة، لا أثاث ولا ساعة حائط أو أي عناصر جاذبة للانتباه، تجلس 3 سيدات على الوسائد بأحد الأركان يثرثرن، أنتظر بروح “الصحافي” أدون ملاحظات في أحد الأركان إلى أن يكتمل الجمع ويحضر المدرب الشاب في ملابسه تشكل مزيج ما بين ملابس رهبان بوذيين و جماعة من ال”هيبيز”.

لا يكف رأسي عن التحليل بمجرد أن يبدأ الشاب في الحديث من وسادته المخملية الصغيرة، إذ هو يفتتح الجلسة بإشعال قطعة خشبية نفاذة الرائحة، “هل هذا حشيش ؟!”، كلا بالطبع تُجيب حاسة الشم لدي  بمجرد أن تتسلل إليها رائحة عتيقة، أقرب ما تكون إلى بخور والدتي المنزلي. يبدو الأمر في البداية أقرب لمحاضرة طويلة، حول صراع أبدي ما بين “النفس” و “الإيجو” (الأنا) أو المحرك العقلاني لأفكارنا ومن ثم سلوكياتنا، هل يمكننا حقًا إيقاف سير تدفق أفكارنا وتحليلاتنا العقلية ولو لبعض الوقت كما يُرجح ذاك المدرب؟ وكيف لي بينما يتمحور عملي للفترة التالية في مراقبة أدائه وتوثيق قصتي الصحفية؟

نبدأ التمرين، بعد فصلًا مطول من الحديث، نحدق جميعًا لأيدينا فترة من الزمن، التزمت بالتمرين ولم أدري حقًا كم مر من الوقت قبل أن أكتشف كم صغيرة هي يداي كما يزعم الجميع وأنفي أنا في أغلب الأحوال، كيف يمكنني حقًا الشعور بحركة كل إصبع على حدة بمعزل عن الجسد كامل؟ يبدو الأمر مثيرًا للاهتمام عند تلك النقطة، حتى أنني التزمت بباقي تمارين الجلسة وقررت خوض لُعبة التأمل بنفسي، وضوء ما تلقيت من معرفة حول أنماط التأمل المختلفة، التأمل عبر الاستماع والتحديق واللمس وأخيرًا التنفس؛ 4 أنماط سوف أقوم بتجريبها منفردة في رحلة خاصة لتعلم التأمل كمبتدئة شديدة النشاط العقلي سريعة التشتت، إذ ربما أستطيع تعلم شيء جديد عن عالمنا الصغير، أو ربما وبالأحرى… عن نفسي.

الجلسة الأولى – ضوضاء المدينة

قررت في البداية ممارسة التأمل عبر تكنيك الاستماع للأصوات، تمرين كنت قد قمت به في غرفة التدريب على تجريد الأصوات من مصادرها والإنصات بها دون تحليل عقلي يُحيل الأصوات إلى ضوضاء مزعجة، في قول آخر، إحداث حالة من التصالح مع الأصوات وتقبلها… بدأت دقائق التأمل بحالة من الاسترخاء الجسدي، إلا أن عقلي لم يستسلم بالسهولة ذاتها، ظل يحلل أصوات المدينة، يرصد كم تبتعد السيارات عن مجلسي، يحاول اختراق الجدران لمعرفة لماذا توقفت فجأة وارتفع صوت الفرامل، بمزيد من التركيز لم تعد هناك سيارات عالقة بذهني، أُحيل صوت السيارات إلى موجات أتخيلها تدون بخفة في صفحة ناصعة البياض، تحدد مدى ارتفاعها وانخفاضها، استمر الأمر إلى أن عاد عقلي الصحفي للعمل، محاولًا جمع الملاحظات لتدوينها.

 

الجلسة الثانية –  لعبة تخيل

اختبرت شعور مختلف في المحاولة التالية، بعد الحصول على درجة مناسبة من التركيز على سماع الأصوات،  لم أعد إلى تحليل الأصوات لمعرفة من أين أتت ومن القائم بها، بل بات عقلي والذي كان مايزال مسيطرًا،  يُحيل تلك الأصوات إلى خيالات من الطبيعة، فيتخيل الأصوات الحادة كزقزقة عصافير، والخشنة كفرشاة تقوم بطلاء حائط، واستمرت عملية التخيل والتصنيف طوال جلسة التأمل، وإن لم تكن لتمثل المطلوب بالضبط من الجلسة إلا أنها أضفت عليّ شعور بالاسترخاء والنعومة لم يقطعه سوى تدخل عقلي الواعي بمحاولة فرض نقاش واقعي عن الحياة العامة أو التفكير في مهام عمل الغد.

الجلسة الثالثة –  باحة الصغار

تخيرت القيام بالجلسة الثالثة من التأمل في أحد المساجد المُحببة إلى قلبي، كان المغرب قد حل وبدأت خيوط الليل تتمدد بالأفق، بينما يلهو بصحن المسجد مجموعة من الأطفال.  بمجرد أن ارتفعت درجة تركيزي لم أعد أذكر تمامًا أين أجلس، بل انطلق عقلي في تخيل أننا أصبحنا داخل باحة خاصة بالصغار ذات سقف مرتفع، يغمرها الشعور بالراحة وتعلوها أصوات الصغار المرحة الضاحكة، بينما يُشرف الكبار بأصواتهم المتداخلة أحيانًا على كل ذلك من منطقة بعيدة مرتفعة وتُحاط الأصوات كافة بنغمة واحدة رتيبة لأقدام الأطفال في جريهم على صحن المسجد والتصاقهم به ثم انفصالهم عنه، مايزال عقلي يقوم بدور فعّال في التأمل إلا أنني لم أفقد الأمل.

الجلسة الرابعة – الصفير

استبدلت مجلسي الأول للتأمل بالمنزل من غرفة مطلة على المدينة لأخرى هادئة منعزلة، واختبرت لأول مرة تأمل الأصوات الخافتة البعيدة، وخلال دقيقة حققت نجاح ملحوظ، بدأت تتبع الأصوات بمعزل عن مصدرها الأصلي أو محاولة إعمال رأسي في تخيله، وتدريجيًا تراجعت أولوية التفكير لدي وبت أنصت فقط في هدوء واسترخاء… لاحقًا تلاشت الأصوات من حولي أو ربما اجتمعت في صوت صفيرٍ هادئ أو ما يشبه الجرس المنتظم… ربما هو صوت الصمت، إذ كنت متأكدة أن شيء بالغرفة لم يُحدث ذلك الصوت… ورغم ما اعتقدت أنني حققته من نجاح في تلك الجلسة إلا أنني خشيت أن تندرج مجهوداتي كافة أسفل مظلة اختبار درجات مختلفة من التركيز وليس التأمل بمعناه الحق.

الجلسة الخامسة –  هل تمارسين اليوجا؟!

بدأت جلسة تأملي على غير العادة في الصباح الباكر، وبدلت التقنية من التأمل بالاستماع للتأمل بالتحديق، وكان موضوع التحديق هذه المرة حائط غرفتي المكتظ باللوحات الفنية الكلاسيكية ورسومي وألواني الشخصية ومقتطفات من ذكريات الأصدقاء، وعلى الرغم من الجلبة بالمشهد إلا أنني نعمت بمستوى عالٍ من التركيز، فيما غابت أفكاري المشتتة أو المنتظمة عن الجلسة، فقط تتبعت عيناي الصور واللوحات، لم أفكر أيضًا في موضوعات اللوحات، جذبتني رغم ذلك حدودها الخارجية الصارمة، وكيف تتداخل فجأة مع رسوماتي الطفولية وألوانها غير المتناسقة، مجرد تأمل دون أفكار أو ملاحظات، لم يقطع الأمر سوى دخول والدتي إلى الغرفة وسؤال بنبرة سريعة متعجبة من جلستي الصامتة: “هل تمارسين اليوجا؟!”.

الجلسة السادسة – جينفيرا دي بينتشي

اتخذت من لوحة جينفيرا دي بينتشي موضوعًا للتأمل بالتحديق في محاولتي التالية، وعلى مدار دقائق تمكنت من التقاط عدد كبير من التفاصيل الدقيقة بلوحة ليوناردوا دافنشي الشهيرة لم أكن قد لاحظتها من قبل، بدء من ملابس السيدة وما يزينها من نقوش شديدة الدقة مرورًا بأكسسوارها الخاص كأزرار الرداء ووصولًا لانعكاس الأشجار على البركة في خلفية اللوحة، لم يخترق التفكير استمتاعي ولو للحظات، لم أفكر حتى في دافنشي شخصيًا، كما لم تعطلني الأصوات الخارجية عن التأمل على الرغم من وصولها السمعي، حيث باتت وكأنها حالة تأمل بالسمع مستقلة، تصلني فيها الأصوات ولا أميزها أو أصنفها، ولأول مرة عندما يُعلن هاتفي انتهاء مدة التأمل لم أكن قد شعرت بمرور الوقت.

الجلسة السابعة – خمن

فتحت “درج” أدوات التجميل خاصتي ليكون بطل تلك الجلسة من التأمل باللمس بعد أن عصبت عيناي بأداة لهذا الغرض، وبدأت لمس الأشياء بوحي من تعليمات المدرب، “تأمل الملمس ولا تفكر بالأشياء” إلا أنني لم أستطع الحفاظ على تلك الحالة سوى لبضعة ثوان، إذ سيطر عقلي على الموقف بقوة، وبدأ الخوض في مُباراة من تخمين ماهية الأشياء التي تلمسها أناملي، ورغم محاولتي الشديدة للتركيز على الملمس من حيث النعومة والخشونة والبرودة والاعتدال إلا أنني لم أحقق نجاح يذكر، وأيقنت أنه لم يكن نمط أو تكنيك تأملي المثالي.

الجلسة الثامنة – شهيق زفير

اختتمت محاولاتي بجلسة تأمل عبر تمرينات التنفس، وفقًا لتعليمات المدرب شهيق – زفير، الزفير أطول من الشهيق وفي الحالتين لا نُحرك الكتفين أثناء التنفس، وفي واقع الأمر بدأ تركيزي العميق بعد قليل من محاولات التنفس بعمق وانتظام وحصل جسدي على قسط وافر من الاسترخاء اللذيذ والصفاء الذهني في الوقت ذاته، إذ لم تكن هناك أي مساحة للتفكير فقط أنفاس عميقة وشعور بالامتلاء والاستمتاع باللحظة الراهنة… أدركت حينها أنني قد عثرت على التكنيك المناسب لي ومنحت نفسي، صدقًا هذه المرة فاصل من العالم الخارجي.

مقالات مقترحة

أول مرة علاج نفسي… أنا مش مجنونة
فقدان للتركيز، نوبات من الهلع، أرق، ذلك الشعور الغريب والثقيل الذي يصاحبني أينما ذهبت، شعور أشبه بظل يمحو بقدراتي على...
العلاج النفسي 101: دليل مرآه المبسط لأساسيات الصحة النفسية
نمر جميعًا بمواقف وشخصيات يصعب علينا التعامل معها، وفي لحظة تفلت منا مشاعرنا، نفقد أعصابنا، بدون وعي منا لأسباب هذا...
هكري حياتكِ: خمس حيل حياتية لسنة 2019
سنة جديدة تعني لائحة جديدة من الأحلام، قائمة جديدة من وعودك لذاتك بحياة أصح وأسعد وأكثر نجاحًا، ولكن ماذا إذا...
نصائح من علم ”الفينج شوي“ لتحقيق النجاح في المنزل والعمل
مثلما تؤثر طاقة أو هالة الشخص فيمن حوله، تؤثر طاقة الأماكن أيضاً في حياة قاطنيها بالسلب أو الإيجاب وفقًا لعلم...