كيف تتعامل مع صحافية رياضية من وجهة نظرها

"الكثيرون يعتقدون أن الاختلاف جريمة فإذا لم تكن مُشابهًا لهم لا يستطيعون تقبلك".
بسمة صبحي

March 28, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

كنت طفلة هادئة للغاية لا أحد يسمع لها صوتًا… لا تُحب اللعب برفقة غيرها من الأطفال في الشارع الذي تسكن به رغم أنها كانت تحبهم كثيرًا ولكنها كانت خجولة بشكل كبير، تكتفي ببعض العرائس والكتب التي تعتبرهم أصدقائها الحقيقيين الأوفياء.

كنت أسمع بعض المقربين والجيران يصفونني بالمعقدة والبعض الأخر يرى أنني مُدللة أكثر من اللازم وكانت أمي تربط على كتفي وتقول لي أن هذا الهدوء ميزة وليس عيب فاهدأ بعض الشيء.

هل أنا معقدة بالفعل؟ كان هذا السؤال يدور في ذهني دائمًا ولا أعرف إجابةً له.

مع نهاية المرحلة الابتدائية بدأت أشعر بالكثير من الملل فحياتي كانت بائسة بشكل كبير فقط مع بعض اللحظات السعيدة التي تمنحها لي الكتب وبعض الألعاب التي أحبها ولكن لم يكن هناك جديد في الحياة ولا هدفًا منها.

منذ صغري كنت أجلس بجانب والدي وأخي الأكبر لمشاهدة مباريات كرة القدم التي تجمع بين “الأهلي” فريقهما المُفضل و”الزمالك” غريمه التقليدي، فبمجرد فوز الأهلي تنتشر سعادة غريبة في منزلنا وفي مصر بشكل عام لم أكُن أفهم سببها حتى قررت أن أتعرف على هذا النادي الذي يمنح السعادة للكثيرين دون تفرقة.

ومنذ ذلك الحين بدأت متابعة مباريات النادي الأهلي وأغلب الصحف التي تتحدث عنه بشغفًا كبير وتمنيت أن أكون جزءًا من هذا الكيان وأن أعمل في مجال كرة القدم بأي طريقة عندما أكبر وأصبحت كرة القدم صديقتي التي بحثت عنها كثيرًا لتملأ حياتي بأشياء مفيدة وجديدة وتجعلني أُفكر في مستقبلي بشكل مختلف به الكثير من الأمل والسعادة.

ولكن منذ أن اتخذت هذا القرار وأصبحت محلًا لسخرية البعض التي تصل في بعض الأوقات للسخافة والتهكم الغير مُبرر… لذا ومن تجربتي الشخصية، إذا كنت تعرف فتاة عاشقة لكرة القدم، فلا تفعل معها هذه الأشياء:

لا تصفني بالمسترجلة
يرى الكثير من الناس خاصةً في الدول العربية أن كرة القدم للرجال فقط ولا يفقه فيها غيرهم وبالتالي فكل فتاة تُحب كرة القدم أو تعمل في أي مجال يتعلق بها تكون “مسترجلة”… هذه الكلمة السطحية، السخيفة كانت تجعلني أحزن جدًا خاصةً أنني أرى أنه لا يوجد أي علاقة بين حب كرة القدم وكون الشخص الذي يحبها رجل أو امرأة، فلدى العالم الحق في تشجيع كرة القدم وممارستها أيضاً فلا داعي لهذا الوصف المزعج.



لا تسخري مني كوني مختلفة
في الكثير من فترات حياتي كانت الفتيات اللاتي في نفس عمري لا يرغبون في التعامل أو الحديث معي رغم محاولاتي للتقرب منهن والسبب كان حبي لكرة القدم وللقراءة لكنني بعد ذلك توقفت عن هذه المحاولات لأنني كلما تحدثت معهن زادت سخريتهن مني ومن كوني مختلفة عنهن واهتماماتي مختلفة هي الأخرى.

الكثيرون يعتقدون أن الاختلاف جريمة كبيرة فإذا لم تكن مُشابهًا لهم لا يستطيعون تقبلك والتعامل معك وإذا كانت لديك القدرة على الجدال وعدم الاتفاق مع كل الآراء السائدة كقواعد لا يمكن تغييرها فيقومون بإخراجك من عالمهم.

كنت ومازلت أحترم الاختلاف وأحبه ليس لمجرد الاختلاف ولكن لإيماني الشديد بمقولة هيلين كيلر التي تقول: “الحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء”.



لا تعتقد أنني لا أفعل شيء في يومي غير متابعة مباريات كرة القدم
يعتقد الأخرين أن الفتاة التي تهتم بكرة القدم لا تهتم بشيئًا آخر وهذا اعتقاد غير صحيح فأنا مثلًا لدي الكثير من الهوايات بخلاف حبي لكرة القدم وللرياضة بشكل عام مثل القراءة والكتابة الدائمة والاستماع للموسيقى وأهتم بأخبار الفن وزيارة الأماكن التاريخية وخاصةً المتاحف ولدي شغف كبير بمعرفة المزيد من المعلومات والقصص التاريخية بجانب حبي للأعمال اليدوية وخاصةً التطريز.

وبالتالي لا يصح أن تراني لا أفعل شيئًا أخر في يومي سواء متابعة كرة القدم والحديث عنها.



لا تقل لي أن مكاني المطبخ
“إنت مكانك المطبخ”… هذه الجملة الشهيرة التي يطلقها البعض في وجه أي فتاة تُحب كرة القدم وتتحدث عنها معتبرين أنها لا تفهم قواعد اللعبة وتاريخها ومن الأفضل أن تبقى في المطبخ لتتعلم مجموعة جديدة من الأكلات الشهية لتصنعها بشكل جيد ويصفق لها الأخرين بعد تحقيقها لهذا الإنجاز العظيم.

ولكن المعلومة التي لا يعرفونها هي أن الفتاة التي تفهم في كرة القدم يمكنها صناعة العديد من الأكلات الشهية بجانب حبها لكرة القدم فلا يوجد أي تعارض بينهما لذلك توقف عن ترديد هذه الجملة اللعينة.



لا تخلط بين هدوئي وخجلي وبين قدرتي على العمل في مجال كرة القدم
تبدلت حياتي للأفضل بعد قراءتي لكتاب “السر” لروندا بايرن والذي ملخصه يقول أن كل ما نفكر فيه ونؤمن أننا سوف نحققه سوف يتحقق بالفعل بشرط أن نعيش وكأننا نُحقق حلمنا فعلًا لأن ذلك سيدفعنا لإنجازه بسهولة.

نعم يمكن أن تكون الفتاة المُحبة لكرة القدم هادئة وخجولة وهذا لا دخل له بكونها قادرة على العمل في أي مجال يتعلق بكرة القدم سواء بممارستها أو ممارسة مهنة التحكيم أو العمل بالإعلام الرياضي.

فهدوئي وخجلي لم يمنعاني من العمل في الصحافة الرياضية بدايةً من عام 2010 من خلال مجلة “كلمتنا” خاصةً مع وجود شخصيات تحترم الاختلاف إلى أقصى درجة داخل هذه المجلة لذا وجدت نفسي أُحقق حلم الطفولة بأن أعمل في مجال يتعلق بكرة القدم في يومًا من الأيام واستمريت في ذلك وعملت كمحررة أخبار رياضية في الكثير من المواقع الإلكترونية.

وفي عام 2014 صدر لي كتابي الرياضي الأول وكان بعنوان “محطات رياضية” لأكون أول فتاة في مصر تكتب كتابًا رياضيًا وهو ما ذكره الناقد الرياضي الكبير وأستاذي الراحل عن عالمنا الدكتور خالد توحيد في مقدمة الكتاب التي شرفني بكتابتها.

“محطات رياضية” كان مُكون من 9 محطات أتحدث فيها عن أحداث تاريخية هامة في تاريخ الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص.

وبعدها بأربعة أعوام صدر لي كتابي الثاني وكان يحمل عنوان “ريمونتادا والريمونتادا” هي كلمة إسبانية تعني التعافي والعودة كانت تستخدم قديمًا في الحروب عندما يخسر الجيش ثم يتعافى ويعود وينتصر وبعد ذلك بدأ استخدامها في عالم كرة القدم فعندما يتأخر الفريق في نتيجة المباراة ثم يتعافى ويعود ويفوز بالمباراة في النهاية يقولون أن الفريق قد عمل ريمونتادا.

ريمونتادا كان يتكون من 35 قصة مُلهمة من تاريخ كرة القدم وفي نهاية الكتاب يوجد 5 قصص مُلهمة من تاريخ الرياضات الأخرى لتوضيح أن القصص الرياضية بشكل عام ممتعة ورائعة.

ومع بداية عام 2019 تحقق واحد من أهم أحلامي بصدور كتابي الثالث وهو كتاب “حكايات أهلاوية” الذي حقق نجاحًا كبيرًا في أيامًا قليلة والذي أتحدث فيه عن تاريخ النادي الأهلي الذي أعشقه كثيرًا وأعتبره مصدر السعادة والبهجة في حياتي.

كنت أحلم منذ صغري أن أدخل تاريخ النادي الأهلي وأظن أنني قد فعلت ذلك بالفعل عن طريق كتاب “حكايات أهلاوية” حيث أصبح أول كتاب يتحدث عن النادي بقلم فتاة.

ولدي أيضاً صفحة رياضية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تحمل عنوان محطات رياضية يتابعها أكثر من 74 ألف من محبي الرياضة وأكتب فيها يوميًا.



لا تحاول التقليل من ذكائي والتهكم على أحلامي
“ما هي أهم هواياتك؟”… دائمًا ما أُجيب على هذا السؤال بسرعة شديدة القراءة ومتابعة كرة القدم وكانت هذه الإجابة لا تعجب البعض لأنهم يعتبرون متابعة كرة القدم شيئًا من التفاهة خاصةً بالنسبة للفتيات ويُضيفون على هذا الرأي جملة سمعتها مرات كثيرة تقول: “عليك أن تهتمي بشيء مفيد وليس كرة القدم” ويقصدون بالشيء المفيد أن أهتم بالمطبخ وأدوات التجميل وصيحات الموضة والتفكير في فارس الأحلام والزواج والإنجاب … حسناً أنا أُفكر في هذه الأشياء أيضاً فما وجه الاعتراض إذًا؟

نصيحتي لكل من يتعامل مع فتاة عاشقة لكرة القدم أن يبتعد عن التهكم عليها خاصةً إذا كانت فتاة مُثقفة فهؤلاء الفتيات تحديدًا لن يقوموا بالرد على تهكمكم بالكلام فهن لديهن أساليب أخرى للرد.

بعد صدور كتابي الأول كنت في مكان ما وطلبت مني صديقة أن تأخذ صورة سيلفي معي احتفالًا بالكتاب وكان بالقرب منا صديقتان أخرتان سمعتهما يسخران من فكرة أن البعض بدأ يلتقط معي صورًا وأن هذا موقف عارض لن يحدث مُجددًا وظلا الاثنان يضحكان بصوتًا عالي.

لم أهتم بما قالوا ولم ألتفت حتى للرد عليهما ولكن كلماتهما ظلت عالقة بذهني لا أنساها أبدًا فغضبي من سخريتهما جعلني بعد سنوات قليلة يطلب الكثيرين الحصول على صورًا تذكارية معي ويأتون لحفلات توقيع كتبي من أجل ذلك.

قد يرى البعض أن صاحبة هذه السطور لديها قدرًا من الغرور ولكن هذا غير صحيح فأنا لا أحب الغرور ولم أفعل شيئًا قويًا يجعلني أشعر بهذا الشعور ولكنني أؤمن بمقولة المطرب الأمريكي الشهير فرانك سيناترا التي تقول: “أفضل انتقام أن تنجح بشدة… ومقتنعة اقتناعًا تامًا أن من يرغب في تحقيق حلمًا سوف يحققه بكل تأكيد”.

وأرى أن تواجدي الدائم بالمنزل لظروفًا خاصة لا يعني عدم قدرتي على تحقيق أحلامي فكل من يملك كتاب وورقة وقلم وإنترنت ولاب توب وهاتف محمول يمكنه تحريك الكون بأكمله من أي مكان يتواجد به.

مقالات مقترحة

المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي
تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات...
صوت المرأة… ثورة
(شابة تقود متظاهرين في هتاف ثوري في الخرطوم، السودان، 8 أبريل، تصوير لانا هارون @lana_hago) ”صوت المرأة عورة“، هذه العبارة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...
سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...