كيف تتقاطع ثقافة اللانجيري مع أفكارنا عن الجسد الأنثوي؟

غيّر الإنترنت وثورة المعلومات الوعي الشرقي الموروث للمرأة عن جسدها، أصبحت تعرف وتتصفّح وتقارن المميزات والعيوب وتشتري ما تشتهيه وما تراه مطابقاً لتصورها عن جسدها
وئام مختار

August 13, 2018

Reading Time: 1 minute

اللانجيري أو “قميص النوم” تحديداً، هو قطعة الملابس الأهم في دولاب المرأة، والتي تعني علاقتها بجسدها و بالشريك، وتحددهما بشكل واضح. يمكنك معرفة شكل العلاقة بين شريكين بشكل عام إذا ألقيت نظرة على دولاب ملابسها وأحصيت عدد قطع اللانجيري الموجودة أو لاحظت تنوّعها، ومن جانب آخر، يمكنك تحديد ما إذا كانت متزوجة حديثاً، أو ما إذا كان الحب قد فتر والشغف تحرّك إلى مكانٍ آخر.

بجانب بعض الآراء النسوية التي ترى في قطعة الملابس هذه تشييئاً للمرأة وتجسيداً لمنظومة القهر التي يمارسها المجتمع الذكوري عليها، هناك الملايين من النساء حول العالم يغيّرن من أنماط استهلاكهن للانجيري بحسب ما يتراءى لهن ويريح أجسادهن ويوافق تصوراتهن عن أنفسهن، ويستمددن من اللانجيري قدراً من القوة والثقة بالنفس عن طريق رؤية أجسادهن جذابة ومثيرة.

نعم! لقطعة اللانجيري هذهِ الأهمية! ومن المحيط إلى الخليج، كانت ظاهرة التغيّر الملفتة الأولى تبدأ من مصر، حيث لفت نظري ظاهرة انتشار اللانجيري التنكري! ملابس “القوة” مثل الشرطة والجيش والمرأة القطة وما إلى ذلك، تجد لها مكاناً كبيراً في فتارين المحلات وعلى عربات الباعة الجائلين في المناطق الشعبية، وفكرت، ماذا كانت فكرة اللانجيري الأصلية؟ وكيف بدأت فكرة ارتداء قميص النوم احتفاءاً بالعلاقة الجنسية وكيف وصلت إلى موديلات وتصميمات اليوم؟

في الحقيقة، لم يكن لدى العرب سيرة عن ملابس النساء الداخلية، عدا ما تم ذكرهُ هنا أو هناك عن السراويل الطويلة الفضفاضة الحريرية، والتي تم ذكرها بشكل عابر في أشعار أو حكايات ألف ليلة وليلة، أو ربّما بعض الكتب التي تحدّثت عن أمور الجنس والنكاح في الجزء الخاص بالأخبار والنوادر. بينما في أوروبا، كانت صناعة اللانجيري تجري على قدمٍ وساق بدايةً من القرن الثامن عشر، وبدأ استخدام أقمشة الساتان والحرير بعدما كان قميص النوم مقتصراً على الكتان، وفي بدايات القرن التاسع عشر بدأت قمصان النوم تصبح بلا أكمام، وتوالت الاختصارات بعد ذلك.

الصناعة والتطور
وفي سياق عربي، فبشكل عام تأثرت دول المغرب الكبير باللانجيري الأوروبي، أكثر مما تأثرت دول المشرق، لكن شعوراً عاماً بعدم الارتياح مع أجساد النساء ظل يسيطر، والرجال هم البائعين الرئيسيين للانجيري! خصوصاً في الأسواق الشعبية، يمسكون بالكيلوتات المزركشة والقمصان القصيرة معلنين هنا وداعين النساء لاختيار ما يناسبهن، وربما يخترن لها المقاس المناسب أو اللون “الأليق” للبشرة! ففي تقرير لقناة LBC في عام 2010 عن سوق الحميدية في سوريا، كانت شهرة اللانجيري السوري وصلت إلى لندن، وظهر الباعة الرجال في التقرير يتحدثون عن أنماط عجيبة من اللانجيري المصنّع بخيال وأفكار ثورية – إذا كان ممكناً تسميتها كذلك – لصناعة لانجيري بقطع مثيرة وغريبة، صدّرتها سوريا لمصر والسعودية والشرق الأوسط، كيلوت بخيط “ثونج” عليه فواكه تؤكل، أو موبايل بلاستيكي، أو الطقم كاملاً مشد صدر صغير جداً يغطي الحلمات وكيلوت يحتويان على حلوى بأطعمة مختلفة، كيلوت يسقط بضغطة على زر ريموت خارجي، أو يسقط عند سماع صوت الصقفة، وتتغيّر إكسسواراته، كأن يكون مضاءاً بلمبات ملونة صغيرة، أو كيلوت معلّق به أجراس صغيرة مع سلسلة لمنطقة الخصر!

تقول صديقتي السورية خولة: “قبل الثورة، كان أغلب اللانجيري في مصر ولبنان والمشرق صناعة سورية، والآن هناك سوريون يعملون على تصنيعه في مصر، وتحظى معارض المنتجات السورية بقبول واسع.”

في كتاب “الحياة السرية للانجيري السوري” لمالو هلاسا ورنا سالم، معلومة تقول أن سوريا تحتل المرتبة الرابعة عالميًا في إنتاج القطن الطبيعي، وأنها حصلت على مركز متميز في إنتاج اللانجيري في المنطقة من بضع ماكينات خياطة منزلية في أقبية البيوت الدمشقية، وتميّزت لأنها تطلق العنان للخيال ولحس الدعابة. يقول محمد عماد حلبي أحد أصحاب المحلات لمؤلفة الكتاب: “يجب أن يكون هناك ضحك ولعب في السرير، إذا لم يستطع الرجل إضحاك المرأة فالجنس بينهما ميّت”.

كتاب “الحياة السرية للانجيري السوري” لمالو هلاسا ورنا سالم

بدأت نهضة سوريا في صناعة اللانجيري من منتصف السبعينيات، حينما بدأت دول الخليج في الاستثمار بقوة في التجارة الدمشقية، قبلها كانت النساء السوريات يستخدمن أقمشة مطاطيّة عريضة لشد الصدر، بدلاً من الحمالة التي نراها اليوم، لأن الحدود كانت مغلقة أمام الاستيراد والمعرفة، وكان الفساد مسيطراً، وندرت الخامات والماكينات الحديثة.

يحب الرجال – على تنوّع مشاربهم – اللانجيري إذن ويستمتعون ببيعه أو بمشاهدته أو بلمس قماشه حتّى، والنساء تعرف ذلك جيداً، ويستخدمن الأمر في إيصال رغباتهن بشكل غير مكشوف، ففي مجتمع يضع خيالات الرجال الجنسية في المقام الأول، وينفي عن المرأة امتلاكها الرغبة هي الأخرى، كان لابد من التصرّف سريعاً، بينما كان العلماء يحتارون في سبب حب الرجال للانجيري وهوسهم برؤيته، كانت فئران التجارب العلمية تكشف عن السبب!

في جامعة مونتريال بكندا، قام جيم بوفوس وجونزالو ر. كوينتانا، بعمل تجربة مزاوجة بين مجموعتين من ذكور وإناث الفئران، في المرة الأولى قام الذكور بالتزاوج مع مجموعة من إناث الفئران التي ترتدي جاكيت صغير، وفي المرة التالية، وضعوا أمام مجموعة الذكور إناث لا يرتدين جاكيت مع الإناث اللائي يرتدينه، واختار الذكور ذوات الجاكيت!

المخ يربط شكل وملمس الجاكيت بالحصول على متعة الجنس، وبالمثل يفكّر الرجال، يربطون متعة الجنس بمشاهدة قميص النوم وملمسه.

ثقافة اللانجيري
وكما يعتبر اللانجيري بألوانه الزاهية وقطعه المثيرة التي تحتفي بمفاتن الجسد دليلاً على الحصول على متعة الجنس، فإنه لا يعتبر دليلاً كبيراً على التحرر، ففي بعض الدول العربية، تمتلئ المناطق المحافظة بمحلات ذات واجهات صاخبة باللانجيري التنكري والألعاب الجنسية والتفصيلات الغريبة. تحكي لي صديقتي غيدا من لبنان عن الضواحي بعيدًا عن بيروت العاصمة، مناطق الشمال مثلاً، تمتلئ بمحلات شعبية تضع في واجهاتها ألوانًا فاقعة وموديلات من الكيلوت ذو الخيط “سترينج” معلّق به حلويات في منطقة العانة، أو يمكن فتحه بسحاب من الأمام، وينتشر بالطبع جلد النمر وبدلات الرقص الشرقي، وغالبًا ما يكون زبائن هذه المحلات من المحجبات، وربما رجال محافظين، يأتون لشراء هدايا لزوجاتهم.

تقول غيدا: “اذهبي إلى “فرن الشباك” مثلاً وهي قرية مسيحية صغيرة في الضاحية، ستجدين واجهات لمحلات يبيعون الألعاب الجنسية sex toys بأسعار رخيصة جداً، وتفصيلات فاضحة وأزياء جلدية بالإكسسوارات، من عصا للضرب وقيود اليدين وما إلى ذلك!”

لم أجد أن للانجيري شأناً كبيراً في شارع الحمرا مثلاً، وعندما سألت صديقتي غيدا قالت: “بيروت تعتبر قلب المدينة المتعلّم، يسكنه طبقات متوسطة فأرقى، والبنات فيه يتمتعن بقدر كبير من الاستقلالية والحرية، ولا يمثل اللانجيري بالنسبة لهن موضوعًا كبيرًا، فهن يشترين التصميمات العالمية من ماركات مشهورة، وغالباً ما تكون بسيطة وبألوان هادئة، ويعتبرون هذه هي معاييرهن للجاذبية الجنسية، في حين أنهن لا يعتبرن هذا فعلاً محددًا بالجنس مع الشريك، هناك من يشتريها للنوم أو يشترين البوش أب برا والسترينج ليتمتعن بصورة أجسادهن”.

وفي العراق، مهما كانت المرأة العراقية من قرية نائية أو عائلة فقيرة، فإنها تهتم باللانجيري الخاص بها اهتمامًا كبيرًا، وكانت حتى منتصف الستينيات تخيط ملابسها الداخلية بنفسها، عدا حمالة الصدر لصعوبة تصميمها.

والأسواق العراقية تعرض ما لذ وطاب من مختلف الألوان والأشكال، كما تقول زهراء من بغداد: “حتى أكثر المناطق تديناً في بغداد تجد في أسواقها محال لانجيري تعرضه بفخر في واجهاتها.”

يحتفظ الذوق الشعبي العراقي بالزركشة والألوان، وتطريز بعض كلمات الحب والغزل على الكيلوت مثلاً، وبالطبع بدلة الرقص الشرقي دائماً في واجهات العرض، وتعتبر الأسعار مناسبة لجميع الطبقات.

وفي اليمن، تحكي الكاتبة اليمنية هدى جعفر عن اليمن المتنوّع جغرافياً وسياسياً ومذهبياً والمتفق على أهمية اللانجيري، إذ يمكن تقسيم اليمن نساء اليمن حسب انتمائهن إلى الريف والمدينة. تقول هدى: “الريفيات يشترين من المناطق والأسواق الشعبية المحلية، يحبون الألوان الفاقعة و موديلات اللانجيري التي تكشف أكثر مما تستر”، وتستطرد: “هناك تناقض لطيف بحيث لو اطلعتِ على دولاب عروس يمنية ريفية أو من طبقة اجتماعية فقيرة، ستجدين أن ملابسها تتنافى في عريها مع السمعة المحتشمة لفتيات الريف أو فتيات الطبقة الفقيرة اللاتي يكنّ أكثر محافظة من غيرهنّ، ذلك العريّ الشعبي المبالغ فيه”، لكنهن يتفقن أن “الشلحة” التقليدية هي القطعة الأكثر رواجاً في اليمن، التي تُفصّل من الحرير أو الشيفون مع أطراف من الدانتيل، والتي ظهرت في فترة التأثر بالثقافة المصرية واللبنانية.

لكن للكويت شأن آخر، قالت لي شيماء عندما سألتها عن تفضيلات اللانجيري في بلدها: “هذا موضوع نار”، وقامت بعقد اجتماعات مع الصديقات لمناقشة أهمية اللانجيري للمرأة الكويتية، تقول شيماء: “جارتنا الأربعينية كانت تحكي لي عن نصائح جدّتها لأمها، إذا قصدتي الفراش اخلعي سروالك وضعيه تحت الوسادة، ثم نامي. السبب وراء ذلك حسب الجارة، أن تكون المرأة جاهزة لاستقبال رجلها، كعلامة استعداد للعلاقة الجنسية، إذا رغبهاالرجل في أي وقت، مرتدية فقط “الدرّاعة” وهي عبارة عن قميص طويل ذي أكمام، كانت النسوة الكويتيات يرتدينه حتى الستينيات.

تحكي شيماء عن تغيّر نظرة الرجال للمرأة مع مرور الزمن، بدأ شكل المحافظة يتغيّر، وظهرت الحركات النسوية، وأصبح الرجل ينظر للمرأة بشكل مختلف، كما أن نظرة النساء لأنفسهن اختلفت، كما أصبح عاديًا الآن أن ترتدي مراهقة ماركات عالمية لثونج وسترينج.

يختلف الحضر والقبائليين بالكويت في أذواقهم، ترجع شيماء لدرجة الكبت، فهي لديها كفتاة حضرية تحفظات وقيود ولكنها تختلف تمامًا عن منطقة مثل “الجهرة” القبائلية، فمعروف لديهم في الكويت انطلاق البنت القبلية فيما يتعلق بالجنس، تبالغ في ارتداء قمصان نوم مثيرة ومزركشة وارولا تجد حرجًا في الملابس التنكرية، كما تحب ممارسة الـ themes وهي التيمات، مثل تحويل غرفة النوم إلى غابة وتضع فيها قفص تنتظر زوجها فيه، وترتدي الملابس المضيئة أو التي بها حلويات للأكل، وتشغل أصوات الطيور وتملأ الغرفة بصور أو دمى للحيوانات!

وتقول شيماء أن المرأة الحضرية تميل للشكل العصري الأوروبي أكثر، ترتدي ما يناسبها وما يريح جسدها فقط. وهذا ما لاحظته أنا مثلاً عند تجوالي ببيروت العاصمة.

أما العروس فلها طقوس خاصة، فاللانجيري جزء من المهر المدفوع من قبل العريس، وقد يأخذ التسوق له أسابيع بشكل متقطع، ففي المشرق عمومًا، وبشكل أقل المغرب الكبير، يتفق الجميع على أهمية القميص الأبيض ذي الروب لليلة الدخلة، مع الاهتمام بأن يكون طويل جدًا ليوحي بالبراءة والاحتشام، ويجب على الفتاة كذلك أن تظهر الحياء والجهل بالأمور الجنسية، حتى لا تكون موضعًا للشكوك. وهناك ألوان أخرى للانجيري إلى جانب الابيض، أشهرها الأحمر لما له من تأثير في تحفيز الرغبة الجنسية، حسب الاعتقاد الشعبي، مع بعض الطقوس الخاصة لعرضه على الأقارب والأصدقاء!

تقاليد العرس السوري جزء خاص باللانجيري، احتفال تقيمه العروس وأهلها وصديقاتها، يظهر العريس في آخره، ويكون الحفل عبارة عرض تبدل العروس خلاله كل اللانجيري الخاص بها أمام الناس، وكلما كان غريباً كلما نال صيحات الإعجاب، وبالطبع الريش والجلد والترتر وبدلة الرقص الشرقيّة مكونات أساسية في السهرة.

أما جهاز العروسة اللبناني، فيجب أن يحتوي على بدلة رقص شرقية، اعتباراً أنها سترقص لزوجها بانتظام.

تحكي لي ندا من يافا، فلسطين عن أمها مواليد عام 1961 وكيف ترى أن اللانجيري كان مهماً وقتها أكثر من اليوم، لأن الرجال كانوا يهتمون جداً بما ترتديه المرأة قبل النوم، كان يعتبر معيار الفخامة والحلاوة كلما زاد الريش في قميص النوم أو الروب المصاحب له، وكان أهل العريس يشترونه للعروس كهدايا فيما يسمى “الكسوة” خصيصاً من الضفة من مناطق مثل طولكرم ونابلس، لأنها أقرب للثقافة العربية التي تمجّد التطريز الشرقي من المتاجر داخل الخط الأخضر التي تعرض إنتاج إسرائيلي وموديلات أوروبية.

أما أسماء فصدمت قليلاً من الموضوع، لكنها أسرعت بالإجابة! “اشتريت اللانجيري المطلوب شراؤه في الجهاز لأرضي أمي وبعدها بشهر بعتهم لمحل ملابس بنفس حالتهم”!

تعتبر أسماء أن الاهتمام باللانجيري في فلسطين يتركّز بتجهيزات العروس وهو الهم الأكبر، وبالأزمنة القديمة كانت العروس وأقاربها يخيطون الجهاز بأنفسهم، مكوناً من قمصان نوم طويلة وأقل جرأة من الحالي. كان الخيال محدوداً ولا توجد أي طريقة تربطهم بالعالم والموضة، أما الآن فيتباهى أهل العروس بكم قميص أو قطعة اشتروا لها – ويجب ألا يقل العدد عن 15  قميص على الأقل – وبالطبع لأول يوم يشترون اللانجيري الأبيض الفخم، أسعاره مبالغ فيها، هناك بالطبع طبقات راقية ترى في اللانجيري الفاقع والألعاب والألبسة التنكرية قدراً من الرخص، لكنهم يرون ذلك لأنهم يشترون من محلات معينة وماركات بعينها ويعتبرون الباقي شعبيًا، بينما في العموم حتى المحلات الغالية والراقية لا تتوقف عندما يتعلق الأمر بأن تعرض في واجهاتها قميص نوم على شكل أرنب.

في فلسطين يتجدد الهوس بالبضائع التركية وموديلات قمصان النوم التركية، هناك هوس فلسطيني بها على حد قول أسماء، وتكون مقياس الفخامة لأن الماركات العالمية ليس لها محلات أو أماكن بيع مباشر في فلسطين، لكن الجليل مثلاً التي تقترب من لبنان، أورثت الفتيات اهتمامًا أكبر “بالكلسون والصدرية” وهما مشد الصدر والكيلوت، أكثر من الاهتمام بقمصان النوم..

وفي الأردن، يبدأ جهاز العروس في المناطق الشعبية والمتوسطة برحلة البنت مع أمها أو اخواتها الكبار للسوق المختص بقمصان النوم، تكون في صندوق مزركش يحتوي على عدد من القطع، أصبحت الطبقات المتوسطة اليوم تتخلى عن القطعة الأساسية أو تغيّر في ألوانها، أو تشتري قميص واحد فقط.

احتفظت الأردن بخليط من الشعبي والراقي، يحكمه الوضع الاقتصادي للبلد، فبشكل عام اللانجيري المتوفر بالبلد في الأسواق العامة ووسط البلد وسوق العرائس صناعة سورية وصينية، أما المحلات العالمية فتملأ كل مولات الأردن، وعندما تبدأ التنزيلات السنوية، يشتري منها الجميع، استغلالاً لاقتراب السعر من الأسعار الشعبية ولكن بجودة أفضل.

لكن المحافظة وجدت طريقها إلى هذه المحلات العالمية أيضاً. تقول أسماء، المحلات العالمية مثل لاسينزا وفيكتوريا سيكريت ولا في إن روز، لا يعرضون بضاعتهم المعتادة في المناطق العربية، ففي مرتين ذهبت فيهما للتبضع من لاسينزا، شاهدت في الأولى أقنعة وبعض الألعاب الجنسية، وبعدها بأسبوع عادت لتشتري شيئاً آخر، فلم تجدهم! سألت عن السبب، فقيل لها أنه تم مخاطبة المحل ليتوقفوا عن بيع البضاعة!

وفي السعودية، يعتمد جهاز العروسة على الشراء غالباً من المحلات، بحسب شخصية البنت واستقلالها، يمكنها أن تتخلص من صحبة الأم والخالات وتذهب مع صديقاتها للشراء، أما إذا كانت العائلة محافظة، فتجبر البنت على صحبة الأم أو الخالة، التي تتولى مسؤولية الشراء عنها، وتجبرها على شراء أشياء بعينها، وتمنعها من اللانجيري المثير والألوان الفاقعة الذي يلهب خيال العائلات المحافظة، تمامًا مثلما حدث مع أم سحر، الصديقة السعودية المقيمة خارجها، حيث أجبرت على شراء أشياء لا تعجبها لجهازها حرصاً على التقاليد وخوفاً من العيب والفضيحة.

ومن عجائب الأمور، أن هذا القميص القصير الذي يخجل الجميع من التصريح به في أول أيام الزواج، لم يكن معنيًا به أي إيحاءات جنسية! تعود قصة اللانجيري القصير إلى أيام الحرب العالمية الثانية، أوائل أربعينيات القرن الماضي، حين كان هناك نقص في الأقمشة الموجودة في السوق الأمريكي، فقامت المصممة الأمريكية المتخصصة في صناعة اللانجيري سيلفيا بدلر، بتصميم قمصان نوم قصيرة لشركتها الخاص إيرس لانجيري.

أما السودان، فهي بلد ذو عادات وتقاليد خاصة فيما يتعلق بالأعراس و بالاستعداد للممارسة الجنسية، لا يوقفها شيء ولا حتى مقاومة الأجيال الأصغر لها. تحكي سلمى الطبيبة المقيمة في الخرطوم عن العديد من الطقوس التي يجب أن تمارسها العروس قبل زفافها وحتى يوم الفرح، وترتدي لكل منهم ملابس معينة. والتقليد الأهم، فهو أن تحمل العروسة معها قطعة كبيرة من القماش تسمى “القرمصيص” لتفرشها على سريرها في اليوم الأول.

أتى “القرمصيص” من الماضي، حيث لم يكن هناك شيء يسمى لانجيري في السودان. كان الرجل يلمّح لزوجته أنه يريدها، فتقوم بعد صلاة العشاء ببدء طقوس الساونا السودانية والتدخين والدعك بالدلكة والخمرة، و تخلع جميع ملابسها وترقد في السرير مغطاة بالقرمصيص (قطعة قماش شكلها مميز وناعمة لا تشرب الدهن أو الزيت)، وتنتظره.

هذا هو القرمصيص:

قيود السودان تختلف قليلاً، إذ تخشى البنات هنا من الإقدام على شراء اللانجيري المثير حتى بعد الزواج، يخشين من رد فعل الزوج لمجرد أنها تعرف هذه الأشياء، “منفتحة” تعتبر سُبة، ستخاف من سؤال من أين تعرفينه أو أين شاهدته قبلاً لتشتريه؟

أما معظم بنات الطبقات الغنية المنفتحة، يسافرن لشراء الجهاز من دبي أو القاهرة أو السعودية، حيث أنها أرخص بكثير من البوتيكات الراقية في السودان، ويشترين أي شيء، من الملابس التنكرية أو البيبي دول، وبالعكس، يشجعهن الزوج على ذلك أو يشتري لهن هدايا.

ولمفاجأة طقوس الزواج السودانية، هناك عادة سودانية اسمها “رقيص العروس”، يدفعها العريس من ضمن مبلغ المهر، ويقام في صالة أفراح، ترتدي فيها العروس فساتين استعراضية، مثل لبس البرازيليات في الكرنفالات، الفستان يكون مثير جدًا و يظهر مفاتنها، وترقص على أغاني شعبية قديمة. الهدف منه أن يعاين أهل العريس جسمها وأنها كاملة وجميلة وليس لديها مشكلة وقد يحضر العريس بلا مشاكل، في الأزمنة القديمة كان العرائس يرقصن عرايا إلا من حزام على الخصر تتدلى منه خيوط تغطي العانة اسمه “الرحط”، وتطوّرت العادة مع الزمن للتحوّل إلى فساتين عارية وتيجان وإكسسوارات ومكياج كامل، مثل: تصميم مروة كمال

وعندما نصل إلى المغرب العربي الكبير، نبدأ بتونس، والتي لا تهتم فتياتها ونسائها باللانجيري إلى هذا الحد السوداني، أو حتّى المصري، لا توجد أشكال مُلفتة في واجهات المحلات، ولا توجد أصلاً محلات كثيرة تبيع اللانجيري. أثناء جولتي في تونس العاصمة أو حتى في المرسى، كانت واجهات المحلات كلها تشبه ذلك:

محل لانجيري في مول زفير في تونس

تقول إيناس صديقتي التونسية: “الأذواق هنا بسيطة وتشبه الأوربية كثيرًا. بالطبع لا زلنا نشتري في جهاز العروس أطقم مختلفة، لكنها عادية، أبيض وأسود وكحلي وعدة ألوان تقليدية أخرى، لن تجدي في صندوق العروس لانجيري على شكل أرنب أو طعوم مختلفة للكيلوت”.

وفي الجزائر، تحكي سلمى عن “لي سوفيتمون” كما يسمى اللانجيري عندهم بالفرنسية المحكية، كانت خبرتها الأولى مع في مدينة قسنطينة، تقول: “على الطاولات الخارجية التي تبيعها على أرصفة الأحياء الشعبية بكثرة، الطاولات المشهورة بالسلع الرخيصة والألوان الفاقعة والملابس الداخلية مبتذلة التصميم، كل الأنواع والألوان، من السليبات القطنية و”السترينج” إلى حمالات الصدر ” البلكونة” والعجائزية التي تخلو من الإسفنج الذي يجعل منظر الصدر منتصبًا حتى لو لم يكن كذلك.”

تحكي أم سلمى: “الملابس الداخلية في الماضي كانت تفصّل عند الخياطة حسب الطلب، مثل قميص النوم الذي يرتدى تحت الملابس واسمه “القمجة”، وحمالات الصدر واسمها “الرفافد” – ترفد يعني تحمل – والكلسون الواسع الطويل، وكانت غالباً تُخاط من أقمشة مستوردة، قطنية أو نيلون، النايلون كان يعتبر أغلى قماش ومن علامات الرفاهية.”

وفي المغرب، لا يختلف الوضع كثيرًا عن تونس، فلا تهتم الفتيات كثيراً باللانجيري الغريب أو الزاعق، ولا يبذلن مجهود في محاولة اقتناء الغريب والمزركش منه. تحكي لي مريم الصديقة المغربية المقيمة في باريس، عن السروال التقليدي من الساتان أو الحرير ويصل حتى الركبة وعليه روب أو قفطان باللهجة الدارجة، الذي استوحوه من أوروبا العشرينيات، وموجود حتى الآن في القرى والعائلات التقليدية المحافظة، حيث كانت الأمهات يخيطن أثواب العروس كلها، وملابس العريس كاملة، وكان هناك تطريز مشهور بكل مدينة، فالطرز الفاسي يختلف عن الرباطي وهكذا.

في المناطق الشعبية المغربية، تنتشر الصناعة الصينية التي تحاول أن تماهي الخيال الشرقي عن اللانجيري، وفي الأسواق الأسبوعية للقرى تظهر الإثارة كلها: لانجيري جلدي مزود بالسلاسل والقيود، وقمصان نوم تنكرية كالممرضة وضابطة الشرطة والمرأة القطة، وتشتري الفتاة ما تفضله، وقد يدفعها زوجها للتجريب ويطلب منها شراء شيء بعينه لتجديد العلاقة الزوجية بينهما.

تحكي أم مريم عن الزمن القديم، كان اللانجيري مطرز بالتطريز التقليدي بلا أكمام لكنه محتشم، و لم تكن العروس تعرف العريس من الأساس! كل قطعة في الجهاز مفصّلة في المنزل، من “الكمخة” الحرير الصافي، بما فيه ملابس العريس الجلباب والروب وملابسه الداخلية ومناشفه كاملة!

عائلات قليلة في البوادي هي التي لازالت محتفظة بهذا التقليد، لكن الحضر وأغلب المغرب، أصبحن يشترين اللانجيري جاهزًا.

زي تقليدي للحمام والحنة في سوق لبلاد العربي في تونس

انفتاح
لكن مريم تعود فتقول بشكل عام أنه لا يوجد أهمية لقصة اللانجيري في المغرب كما في المشرق. وببحث سريع على الإنترنت، نجد ماركة مغربية محلية لصناعة اللانجيري تهتم بالإثارة بشكل خاص وباللانجيري التنكري، وتضمن خدمة التوصيل المنزل لجميع أنحاء المغرب، والدفع عند الاستلام لتسهّل على السيدات اللائي لا يملكن حسابًا بنكيًا عملية الشراء.

وبخلاف تأثير الوعي والإنترنت على الشغف بأشكال اللانجيري الغريبة من عدمه، أثر انفتاح العالم على حسابات إنستجرام والبيع من خلالها ما لذ وطاب على وصول الأجيال حديثة من الفتيات إلى أذواق وعوالم مختلفة، ولم تعد قيود العائلة وتحكم الجدات والأمهات في ذوق العروس وتفضيلاتها شيئاً ممكناً.

هذه الحسابات التي تعتبر مولات إلكترونية المتنقلة ساهمت في ثورة في عالم اللانجيري كما تحكي شيماء، يمكن للجميع شراء اللانجيري سواء كان في علاقة زوجية أم لا.

وفيما يخص المولات الإلكترونية والحقيقية، فالسعودية هي التي تتربع على العرش، بوجود مراكز تجارية في أغلب أنحاء المملكة تحتوي على محلات الماركات العالمية، بالإضافة إلى ماركة لانجيري مشهورة اسمها “نايومي” تم انشائها عام 1992 وظلت تعمل حتّى وصلت لأسواق عالمية، بشقيها العادي والمثير.

غيّر الإنترنت وثورة المعلومات الوعي الشرقي الموروث للمرأة عن جسدها، أصبحت تعرف وتتصفّح وتقارن المميزات والعيوب وتشتري ما تشتهيه وما تراه مطابقاً لتصورها عن جسدها، وأطلق لديها ميلاً للتجريب، ولااستكشاف أشياء ممتعة، بداية من تحديد قياس مشد الصدر المناسب على موقع ماركة اللانجيري المفضل لديها، وحتى متابعة آخر خطوط الموضة والعروض المختلفة، أصبحت المرأة تشتري ما تراه مريحاً لها، وداعماً لثقتها بنفسها، إذا فتحت دولاب امرأة تحب الآن، فستجد فيه ألواناً مبهجة من اللانجيري تعبّر عن شغفها بالعلاقة الجنسية بينها وبين شريكها، وإذا فتحت دولاباً لمتزوّجة حديثاً، فستجد فيه كل شيء من النقيض إلى النقيض، من قميص ليلة الدخلة الأبيض إلى بدلة الرقص الشرقي الحمراء! لأنها تريد معرفة كل شيء وتجريب كُل شيء، وإذا فتحت دولاب لامرأة فتر شغفها بالرجل الذي بجوارها على السرير، ستجد القمصان المنزلية القطنية تخبرك أنها تفضّل راحتها على أي شيء آخر!

مقالات مقترحة

الفنانة آلاء يونس تحتفي بنفرتيتي في خطوات نحو المستحيل
[caption id="attachment_9870" align="alignright" width="1920"] نفرتيتي[/caption] آلة خياطة مواد الصنع: معدن وبلاستيك مكان الصنع: المصنع الحربي ٥٤ في الجمهورية العربية المتحدة...
الأحذية الرياضية تتفوق على الكعب العالي
"عهد هاني" ترتدي أحذية رياضية منذ أن كانت بعمر الأسبوع، أو بمعنى أصح جوارب على شكل حذاء رياضي، لكنها بقيت...
تجربتي مع دراسة تصميم الأزياء
الأزياء بالنسبة لي هي شكل من أشكال الفن. عندما يذهب الناس إلى المعارض والمتاحف، يتركون أنفسهم يتجولون في الأعمال الفنية،...
عندما صعدت الأزياء القمر قبل ناسا
في منتصف الستينات تقريبًا، سئلت رائدة "البساطة الراقية" كوكو شانيل، أو جابرييل بونور شانيل، عن موجة الأزياء المستلهمة من الفضاء...