كيف تستحم مجموعة من النساء في مكان مشترك؟

زينب حسين

July 14, 2018

من الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان عند السماع بالحمام العام في المغرب
Reading Time: 1 minute

تعتبر الإمبراطورية العثمانية من أكثر الحضارات المعروفة بثقافة و تقاليد الحمام العام، و التي امتدت إلى مختلف الدول في شمال إفريقيا، جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا. حيث أن أول مباني الحمامات شيدت في تركيا و الحضارة الرومانية، لذلك عند دخولها الأخير لشمال إفريقيا كانت سوريا، المغرب و مصر من الدول الأولى التي عرفت بثقافة الحمام العام.

تشبث المغرب بثقافة الحمام العام حيث صنف من التقاليد الأساسية في أغلبية المناسبات الدينية و الشعبية في المجتمع المغربي. يقع أول حمام مغربي في منطقة وليلي الرومانية بالقرب من مدينة مكناس و إقليم مولاي إدريس زرهون. يختلف الحمام المغربي عن أنواع الحمامات الأخرى في العالم باستخدام الماء بدلاً من البخار فقط، و ذلك لاستمداده من أصول الإمبراطورية العثمانية التي كانت تعتمد على الماء، الصابون، و الفرك في جو تملأه بخار المياه الساخنة. في كل الأزقة الشعبية أو العصرية المغربية، يوجد العديد من الحمامات العامة المشتركة لكلا الجنسين، و تقع في أغلبية الأحيان بالقرب من المساجد و ذالك لأغراض الوضوء والنظافة.

ينقسم الحمام إلى صنفين في المغرب، حمام نساء و حمام رجال، و في الحمام العام يكون هناك ثلاث مستويات في درجة حرارة الغرفة، الغرفة الأكثر حرارة و هي التي تكون الأقرب من منطقة الأعواد و النيران و في بعض الأحيان تكون نيران الحمام مدفونة تحت تلك الغرفة، الغرفة الثانية تكون متوسطة الحرارة، و الغرفة الباردة التي توجد بجانبها غرفة تبديل الملابس. في كلا حمامين النساء و الرجال يوجد شخصين يعملان في المكان و يسمان ‘’الطيابة ‘’ في حمام النساء و ”الكسال” في حمام الرجال. يقوم ‘’الكسال’’ و‏”الطيابة” بمساعدة الناس في الحمام العام و ذلك بفرك أجسادهم.

في الحمام النسوي، تقوم النساء بتمضية وقت أطول مقارنة مع الرجال، حيث تمكث لمدة نصف يوم في الحمام لذلك تحمل معها بعض الفواكه كالتفاح أو البرتقال لتمضية اليوم. تعتمد النساء على استخدام مختلف المنتجات الطبيعية المغربية للتجميل و النظافة. فمثلاً يعتبر ‘’الصابون البلدي” الغني بزيت الزيتون من عناصر الإستحمام الأساسية.
حيث يتم دهنه على جميع أطراف الجسم ليعمل على ترطيبه و تأهيله لاستخراج الخلايا الميتة والأوساخ.

تستخدم المرأة المغربية المواد الطبيعية للتجميل في الحمام مثل الحنة مع الليمون و ماء الورد أيضاً و ذلك لتعطير الجسم و الحفاظ على نعومته حيث أن قديماً لم تتوفر أية ماركات ترطيب أو تعطير الجسم كما الآن.

بالنسبة للشعر، يستخدم الطين المغربي المعروف ب”الغسول’’، الذي لديه الكثير من المنافع كالعمل على زيادة طول الشعر وكثافته وتعزيز بنيته، و حتى التخلص من مشكلة قشرة الرأس وجعله أكثر نعومة. فقد كانت النساء المغربيات يستعملن الطين المغربي كشامبو للشعر منذ العصور القديمة. ثم تقوم المرأة بفرك جسدها بالكيس الخشن حيث تستعين بصديقاتها أو بـ’’الطيابة’’ التي تفرك جميع أطراف الجسم فوق قطعة جلد توضع فوق الأرض و التي تعرف ب”الجلدة ‘’، في الوقت الحالي تستخدم النساء الجلود على الأرض أو حتى الكراسي البلاستيكية. عملية الفرك غالباً ما تتم في الغرفة الحامية أكثر و ذلك لاستخراج الأوساخ و الخلايا الميتة من الجسم بسهولة، بعد عملية الفرك يتم شطف الجسم بالماء الساخن و إعادة دهن الصابون ليبقى الجسم برائحة النظافة قبل الشطف الآخير.

بجانب كل تلك الممارسات والطقوس، يعتبر الحمام العام في المغرب مكان روحي و مقدس، وذلك للمساواة و حس الإنتماء التي تعتليان الجو بغض النظر عن لون البشرة، شكل الجسم أو الأصول العرقية. كل النساء المتواجدات تكن بدون ملابس أو أية مواد تجميل، مما يظهر القوة الخلقية للأجساد و  طمأنينة الأنفس التي تحسها الأفراد وهي داخل الحمام العام. تعايش النساء في المكان و معاملاتهن مع بعض يكمن في مساعدة كل واحدة منها الأخرى في الاستحمام، الفرك و مشط الشعر، حيث يكون الجو مليئ بالمحادثات و القصص بينهن في جو تملؤه السعادة و الراحة و ذلك لروح الانتماء التي تسود على الجو. من أفضل القيم التي تزرع عند دخول الحمام العام هي رضى النساء عن أجسادهن و تقبلها باختلافها، بل و حتى تقبل الأجساد التي من حولهن.

من السهل أن تنسى نفسك في خضم صخب الحياة اليومية ولكن من خلال الحمام العام، تدرك الكثير من النساء أهمية تقبل اختلافات أشكال الناس من حولهن، و أن البشر لم يخلقوا نسخة طبقة الأصل عن بعضهم البعض، و تلك الاختلافات هي التي تميز كل فرد على حدة. خوض تجربة الحمام العام يدعك تدرك أهمية التنوع و الإختلاف بين أشكال الأشخاص، تدرك أنه لا يوجد شكل محدد للمرأة أو لجمال المرأة المثالي، و ذلك لمصادفة مختلف النساء في الحمام. تكون النساء من مختلف الأعمار والأشكال، السمراوات والشقراوات، القصيرات والطويلات، النحيفات و البدينات، و حتى أن الكثيرات من ذوي الاحتياجات الخاصة يلجن الحمام و يحظين بالمساعدة من الكل. النساء تعيش في جو من الاستجمام، كما أنهن تبدن في سلام و حب مع  ذاتهن و تقبلها، بل و حتى تقبل الأخريات من حولهن. للحمام طابع خاص يوحي للنساء أنه مهما يكن اختلافهن فإنهن متساويات، و كل واحدة تتميز بشكل جسدها و لون شعرها المتفرد، خاصة أنهن يتجردن من الملابس و يكن على طبيعتهن، وهذا إحساس يوحي على إطلاق العنان للذات الحقيقية للإنسان، و يحث على التأمل في الذات البشرية.

الإستحمام في المكان العام لا يفيد الفرد في الإسترخاء فقط، بل و حتى في تعزيز الثقة في النفس و حبها و تقبل اختلافات الأشخاص من حولنا. التقيت بالكثير من الفتيات و النساء اللواتي ترى ولوج الحمام من مختلف الزوايا. عامة النساء المغربيات يفضلن الذهاب إلى الحمام العام، حيث أن المكان يكون ساخناً و يساعدهن في تطبيق الوصفات الطبيعية للجمال الخاصة بهن، أو حتى الالتقاء بصديقاتهن لتبادل أطراف الحديث، ويعتبرن أن ولوج الحمام العام يساعدهن في الاسترخاء، وأخذ راحتهن في التحرك.

على النقيض من ذلك، يوجد العديد من النساء اللواتي تمتنع عن دخول الحمام العام و ذلك لإعتقادهن أن المكان ابتدع لزعزعة تلك الحشمة الفطرية و يرين في الحمام على أنه مكان تطغى فيه مظاهر العري. يعتقدن بكونه من العوامل الأساسية التي جعلت النساء، في مجتمعاتنا على وجه التحديد، ينسلخن عن مظاهر الحياء و الحشمة التي تميز المرأة العربية.

كما أن هذا لا يمنع ذكر أن  هناك الكثير من النساء ضحايا أيديولوجيات معاصرة و اللواتي  ينتقدن أجساد الأخريات بحكم أنها لا تنطبق على مواصفات الجسم المثالي التي تبرزها الإعلام في الإعلانات و المجلات، و التي تظهر أن جمال المرأة محدود في معايير معينة كالنحافة، الشعر الأملس و جسد خالي من الشروح أو أية علامات جسدية.

و من جهة أخرى، هناك نساء تخشى دخول الحمام العام بسبب تحديق الناس إليهن، و خاصة الفتيات حيث أنهن يحسسن بعدم الثقة بأجسادهن، ويفضلن الاستحمام في المنزل أو الذهاب إلى الحمام في الصباح الباكر حيث يوجد عدد قليل من المستحمون في المكان.

تذكر لي بعض الفتيات أنهن يمتنعن عن دخول الحمام بسبب شعر أجسادهن الكثيف، حيث يخشين تحديق النساء الأخريات لبنية شعر جسدهم التي تشبه الرجال، و قد تعرضن لمواقف محرجة كإعطائهن نصائح من نساء حولهم في الحمام للتخلص من الشعر الكثيف، بحكم أن المرأة يجب أن تكون ناعمة الملمس و قليلة شعر الجسد حسب التقاليد الاجتماعية التي زرعت في الكثير من الأفراد في المجتمع.

و تذكر امرأة امتنعت مؤخراً من الاستحمام في المكان العام بسبب حدث كان قد وقع في حمام الحي الخاص بهم، وهو دخول أجنبية مع آلة تصوير لتوثيق الحدث و الناس بدون علم العاملين بالمكان. فكانت المرأة تستحم حتى تتفاجئ بآلة تصوير أمامها و هي عارية. فقد كان تصرف المرأة الأجنبية عفوياً بسبب غرابة تقاليد الحمام بالنسبة إليها، لكنها أوقعت نفسها في المشاكل بتسرعها و عدم تفكيرها جيداً باحترام تقاليد ثقافة مغايرة عنها.

رغم تقبل الحمام و تقاليده من قبل عدد كثير من النساء المغربيات، إلا أنه يوجد بعض الأفراد التي تتعارض مع ولوج مكان عام للاستحمام بسبب قناعات ذاتية أو أحداث قد وقعت لهم.    

عندما أذهب إلى الحمام العام، فإنني أحس نفسي داخل لوحة زيتية من حضارة اليونان، و ذلك بتناسق أشكال الأجساد و المياه فوقها مع بخار المياه الساخنة. حتى أن هندسة المكان وإضاءته الخافتة ترجع بك إلى  تذكر المغرب القديم بنسائه و تقاليده، حيث كان الكل يجد متعة و راحة في دخوله، كما أنه اعتبر نشاط أسبوعي لكثير من النساء قديماً.

في الحمام يبدو الكل منشغلاً بغسل بدنه و استرخاء ذاته بعيداً عن ضوضاء الشارع وأماكن التسوق المكتظة. الكل يكون في سكينة يراقب انسكاب المياه الساخنة من الأنابيب مع البخار الكثيف الذي يساعد على الإسترخاء، و رائحة المواد الطبيعية العطرة التي تفوح من مختلف الزوايا تساعد الفرد أكثر على الاستجمام مع الجو.

قد يرى العديد من الناس أن الاستحمام مع الأفراد شيئ محرج للذات، و لكن في الثقافة المغربية يعد الحمام العام من التقاليد التي يستفيد منها المرء جسمانياً ونفسياً، حيث يعتبر عامل اجتماعي مهم يقوم بتوطيد العلاقات بين الناس و زرع مختلف القيم و حب النظافة فيهم.