كيف دفعتنا الإعلانات المثالية للسعي المرهق نحو الكمال الوهمي؟

تعتمد الشركات بشكل كلي على غمس مستهلكيها في حالة من السحر بالجمال المختلق لنركض خلفها وننفق أموالنا ووقتنا لأجلها.
هدير الحضري

October 10, 2019

وقت القراءة: 4 الدقائق

الصورة من غيتي ايمجز

في السنوات الأخيرة، حدثت طفرة عملاقة في مجال الإعلانات في حياتنا كشباب ننتمي إلى جيل الألفية، احتلت مساحة ضخمة من يومنا العادي وأصبحت تلاحقنا بعشرات الطرق، تتصفح الفيسبوك أو الانستغرام فتغرق في المئات منها وإذا توقفت لدقائق لمشاهدة إعلانٍ ما سيعرض نظام الفيسبوك أمامك تلقائيًا مئات المنتجات المشابهة، ستطاردك الإشعارات على هاتفك المحمول بمنتجات مختلفة، وستحصل على الإعلانات عبر بريدك الإلكتروني، ستشاهد مسلسلك المفضل على التلفاز شرط التعرض لعدة فواصل إعلانية، وإن قررت الهروب إلى يوتيوب أو مواقع الأفلام المجانية ستشاهد إجباريًا الإعلانات، حتى في طريقك اليومي للعمل في سيارتك، ستمر عيناك على عشرات اللوحات الإعلانية وستستمع إلى عدة إعلانات تقتحم برنامجك الإذاعي المفضل كل صباح.

إذاً، مع هذه المساحة الإعلانية الضخمة في حياتنا فكرت كثيرًا في إعادة تقييم الرسائل التي أتلقاها ومراقبة تأثيرها القوي في تشكيل أفكاري الخاصة، وتوقفت أمام التأثير المرعب للأفكار التي تبثها الرسائل الإعلانية الضارة في عقل ابني ورفاقه من الجيل الجديد خاصةً أنهم وُلدوا فوجدوا أنفسهم مطاردين إعلانيًا بنظام متقن الاستهداف، فيصل إليهم المعلنين بكل سهولة وفقًا لعمرهم وأصدقائهم والمنطقة التي يسكنون بها.

 

صورة وهمية من معايير الجمال

وُلدت في بداية التسعينات، في سنوات مراهقتي الأولى لم يكن لدي الوعي الكافِ لنقد الأفكار التي تبثها الإعلانات في رأسي، تكوّنت لدي صورة نمطية ضيقة ومحدودة جدًا حول معايير جمال المرأة وما يشذ عنها فهو قبح، كل الإعلانات تظهر بها نساء بشعر حريري منسدل وفي الغالب أشقر اللون، جميعهن يضعن طبقات ثقيلة من المكياج وجميعهن لهن إطلالة لامعة، كن يبدون في حالة من الكمال لم أكن أعلم أنها خادعة وقضيت سنوات أشعر بعدم الرضا لأنني لا أستطيع الوصول إليها ولأنني لا أشبههن، لاحقاً اقتنعت بأنّها طريقة تستخف بعقولنا وبأن المعلنين يفكرون حتمًا في أن صور النساء البراقة ستدفعنا دون تفكير إلى شراء المنتج الإعلاني طمعًا في الحصول على هذا الشعر السحري أو البشرة الخالية من العيوب أو غيرهم، اعتمدوا بشكل كلي على غمسنا في حالة من السحر بالجمال المختلق الوهمي لنركض خلفها بأنفاس متسارعة، وننفق أموالنا ووقتنا لأجلها.

 

خلق حالة من التنمّر وتعزيز النزعة الاستهلاكية

هذه الإعلانات مفرطة المثالية دعّمت النزعة الاستهلاكية بشكل مزعج وأصابت المستهلكين بجنون السعي نحو الكمال وضاعفت بشدّة الأموال التي يتم إنفاقها على مستحضرات التجميل في العالم العربي، إضافةً إلى ذلك خلقت حالة من التنمّر الشديد بين الفتيات والنساء العاديات بعد إقناعهن بأنهن مضطرات للحصول على مظهر يشبه نساء أوروبا، وضعت هذه الإعلانات معايير غير منطقية للجمال ولا تنطبق في الأغلب على النساء العربيات ودفعتهن جبرًا إلى محاولة تحقيقها لدرجة أن كثيرات قد يدفعن كل ما بحوزتهن من مال فقط للوصول إلى الشكل الجمالي المقبول مجتمعيًا.

 هكذا نرى المجتمع العربي يسخر من الصفات التي تميز أغلبية نسائه، يرى الشعر المجعّد علامة قبح ويتعامل بعنصرية مع صاحبات البشرة السمراء ويمنح التقدير لمن تحمل عيونًا ملونة، أصبحت ذوات الوزن الزائد يتعرضن لحياة تعيسة بسبب التنمر المستمر على وزنهن؛ باختصار، أصبح القبول الاجتماعي للمرأة يتحدّد بعدد الكيلوجرامات في جسدها، وبدرجة لون بشرتها وطولها ومقدار اتساع عينيها. هل هذا بسبب الرسائل الإعلانية والإعلامية؟ في رأيي، نعم.

 

استخدام جسد المرأة كوسيلة أساسية للتسويق

كانت الإعلانات تركّز في الأغلب على استخدام جسد المرأة كوسيلة أساسية للتسويق، ليس فقط فيما يخص منتجات التجميل النسائية لكن بشكل عام، كان هناك اعتقاد سائد بأن الجسد النسائي هو عنصر الجذب الأوّل للمشاهدة، تليه عوامل الجذب الأخرى، وفقاً لهذا المنطق لا يهم ما هو المنتج الذي تعلن عنه وليس بالضرورة توفر رسالة إعلانية لكن فقط عليك استخدام “جسد نسائي” لتقنع المستهلك بالشراء، بالطبع لم يختفِ هذا الاستخدام الإعلاني في الوقت الحالي لكن في بعض الأحيان يصبح أقل فجاجة، كما ظهرت أيضاً اتجاهات إعلانية أخرى واعية تعيد مخاطبة المرأة كشخص وفِكر وعضو فاعل في المجتمع وليس مجرد جسد، تشجع تفوّقها ومشاركتها بما يخدم المنتج الإعلاني في الوقت نفسه، لا يمكنني القول بأن هذه الإعلانات تحتل النسبة الأكبر إلا أنها تتزايد تلقائيًا مع الطفرة القوية في وضع السيدات العربيات ونمو مشاركتهن المجتمعية وتزايد المساحات التي يحصلن عليها لإثبات الذات وتحقيق النجاح العملي.

 

التمييز لا يقتصر على استخدام الجسد

لم يقتصر التمييز الإعلاني ضد النساء على استخدام فكرة الجسد للترويج للمنتجات بل اتخذ أشكالاً عديدة مثل حصرها عمومًا في عدّة أدوار اجتماعية لا تخرج عنها، فنجد أن المرأة تظهر في الإعلانات على الأغلب كأم أو زوجة في المطبخ تطهو الطعام أو تنظف المنزل، بينما قليل جدًا من الإعلانات تدعم نجاحها أو تظهرها في صورة المرأة العاملة المؤثرة القادرة على المشاركة المجتمعية الفعالة.

في الوقت نفسه قد نجد إعلانات تبث رسائل إعلانية مهينة للمرأة حتى لو تظهر فيها بوضوح، بعضها تختلق أوصافًا يتم استخدامها كمرادفات للتحرش كما فعلت إحدى شركات الألبان الشهيرة في مصر على سبيل المثال، أو الإعلانات التي تعكس النساء بصفات قلة العقل أوالسذاجة أو التبعية للرجل، أو التي تساعد على غرس التنميط الجنساني في عقول الشباب.

 

قوانين صارمة لمنع التمييز الإعلاني ضد المرأة

في الحقيقة هو أمر يدعو للحزن حين نجد أننا في المجتمع العربي نقف بعيدًا جدًا عن الخطوات التي قطعتها دول أخرى في أوروبا لحماية المرأة من استخدامها كرمز استهلاكي ومن التمييز الجنسي ضدها، فعلى سبيل المثال، فرضت “هيئة معايير الإعلانات البريطانية” حظرًا رسميًا على الإعلانات التي تدعم الصور النمطية الجندرية الضارة التي تتضمن تنميطًا جنسانيًا، مثل عرض مشاهد تقوم فيها المرأة بأعمال منزلية بينما يرتاح شريكها، أو تظهر بها نساء يجدن صعوبة في قيادة سيارتهن، أو رجال لا يستطعن تغيير حفاضات أطفالهم، وفقًا لموقع اندبندنت عربية.

الأفضل من ذلك أن الهيئة أصدرت القانون بعدما راجعت أدوار الجنسين في الإعلانات، ووجدت أن الصور النمطية ستؤثر على اختيارات الأطفال والشباب وتفرض نفسها على تفكيرهم.

 

هل حدث تغيير لصورة المرأة النمطية بالإعلام؟

خلال  السنوات الأخيرة ظهرت حملات إعلانية على فترات متباعدة تنتصر للنساء ولحقهن في المشاركة المجتمعية في جميع المجالات، كان منها حملة إعلانية لشركة “شيكولاتة”، شجعت النساء على المغامرة والقيادة، وشركة فوط صحية أرادت أن تقول أن النساء يمكنهن فعل كل ما يفعله الرجال، وبينما كان هناك إعلانات لشركات مشابهة تفضل استخدام السائل الأزرق بديلاً عن الدم، ظهر إعلان لشركة فوط صحية أخرى استخدمت الدم بشكل صريح في إعلانها داعيةً النساء إلى عدم الخوف والتعامل مع دورتهن الشهرية كأمر لا يدعو للخجل.

 

 

وكانت من الحملات الإعلانية الإيجابية التي انطلقت في عام 2018، حملة المجلس القومي للمرأة المصرية، وكانت عبارة عن ملصقات حائط يتم وضعها داخل محطات المترو وفي الشوارع للتوعية بالقضايا المتعلقة بالمرأة، والعمل على تمكينها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وعملت على أربع قضايا: هي التحرش والزواج المبكر ودعم إنتاج النساء والصحة الإنجابية.

وبشكل عام، فقد أثبتت السوشيال ميديا أن المستهلكين يتفاعلون بقوّة مع الإعلانات التي تقترب كثيرًا منهم ويشعرون بأنها تعكس واقعهم الحقيقي، يتعلقون بالمشاهد والأغنيات المستوحاة من تفاصيل حياتهم العادية بتحدياتها المرهقة، فلماذا لا نحصل على إعلانات صادقة تعكس واقعنا الحقيقي كنساء عربيات ولا تتناقض في الوقت نفسه مع الترويج للمنتج الإعلاني؟ إعلانات نظهر فيها كما نحن حقًا بيومنا المتخم بالمسؤوليات وبوجوهنا المرهقة في نهاية كل مساء، ببشرتنا السمراء أو بالكيلوجرامات الزائدة في أجسادنا، محاولاتنا المستمرة للنجاح في العمل وفي علاقاتنا الأسرية وعلاقتنا بأنفسنا، ولماذا يصمم أغلبية المعلنين على تجاهل سعينا المستمر لإثبات جدارتنا بالمعاملة كإنسان فاعل وليس كجسد؟ وهل هو أمر شديد الصعوبة ألاّ يقتصر ظهورنا الإعلاني على إعلانات مستحضرات التجميل وأدوات التنظيف والأطعمة ومساحيق الغسيل؟

 

مقالات مقترحة

السلام الداخلي: رحلة حياة
الرسوم من شترستوك ”إن الرغبة في المزيد من التجارب الإيجابية هي بحد ذاتها تجربة سلبية، والمفارقة أن قبول المرء لتجاربه...
سألنا النساء عما تعرضن له من تنمر ومضايقات بسبب مظهرهن الخارجي
تتعرض المرأة في جميع أنحاء العالم للتنمر والمضايقات بسبب مظهرها الخارجي أو شكل جسدها أو ملابسها أو هيئة شعرها وهذا...
رحلة الجمال عبر ثلاثة أجيال
الصورة من شترستوك من أصعب الأمور الّتي يمكن تحديدها هو معنى كلمة ”جمال“. كلمة سائدة جدًا ويستخدمها الجميع بجميع الحالات،...
مش كله تمر حنه
أحاول كل صباح أن أقول لنفسي في المرآة أو في صحبة قهوتي الصباحية: "أنتي جميلة، أنا أحبك"، لا يأتي بالضرورة...