ماذا أخبرتنا أمهاتنا عن الجنس

”أغلقي النور، المتعة للرجال فقط…“
شيماء جلهوم

August 8, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

رسوم كريستينا عتيق

كانت ليلتي الأخيرة في منزل العائلة، وغدًا في الصباح أغادر إلى صالون التجميل ثم إلى قاعة العرس، ولن أعود إلى هنا مجددًا، سأترك هذا الفراش وهذه الغرفة التي عشت فيها سنوات عمري على جانب واحد منها، تاركةً الآخر لشقيقتي الكبرى. كانت توقعاتي لليلتي الأخيرة مختلفة عما حدث، فبعد ليلة حناءٍ صاخبة واحتفالية عائلية بزواج الإبنة الصغرى، لم تنم أمي، وبقيت أعينها مفتوحة لصباح اليوم التالي، بينما غرقت أنا في نومٍ عميق. 

لم تخبرنى أمي شيئًا عما سيحدث لي بعد ساعات، لم تجب على تساؤلاتي التي قَرَأَتْها في عيني، تركتني لخالتي والجيران، يقومون بمهمة تجهيزي لليلة العرس. كانت خالتي تضحك وهي تقول أني سأكون تميمة حظ زوجي لسنوات عمره، تتحسس جسدي المسجى أمامها وهي تغمغم: ”زين ما خلفتي يا سوسو“؛ لقب أمي العائلي. أخبرتني صديقاتي عن ليلة الزفاف: ”لا تخافي، ستمر على خير، سيكون الأمر مؤلمًا، لكن الألم لن يدوم“، صدقت الصديقات، وصمتت أمي. 

الحديث عن الجنس لم يكن أمرًا معتادًا في منزلنا، الذي لم نعرف فيه ماذا تعني علاقة زوجية، فالأب الذي رحل مبكرًا، كان غيابه بمثابة غياب لأنوثة أمي، فحلت الجلابيب السوداء محل قميص النوم، واخشوشنت أمي في علاقتها بالناس وبنا، وتحولت حياتنا إلى محاولات مستمرة لإرضاء الذكر الوحيد الباقي للعائلة، حتى أتى ذكر آخر بعد حين، كان علي أن أبحث وحدي عن سبل لإرضائه.

مر العرس، ومرت أيام بعده، استمرت أمي على صمتها حتى زرتها، وفي أول زيارة سألتني: ”عملتوا ايه؟“، كان السؤال مغلفًا بالخجل، وأجبتها بما كانت تنتظر سماعه، وفي هذه الزيارة أخبرتني أمي بنصيحتها الوحيدة: ”مش لازم كل مرة تنبسطي… الانبساط ده للراجل بس“، لم أتناقش معها فيما قالته، فهي بالتأكيد تعلم أكثر مني، وذات مرة أحببت أن استشيرها في ألم يفاجئني في بعض الأوضاع أثناء الجماع، كانت صدمتها بادية وهي تجيب: ”انتي ازاي بتعملي كده؟ هيقول عليكي إيه؟“، وحين رددت عليها بسؤالها عن حالها مع أبي: ”كنا بنطفي النور لحد ما يخلص وخلاص“. 

لم يختلف الحال مع الكثيرات، فأغلب الأمهات العربيات يفتقدن ثقافة الحديث عن الجنس مع بناتهن، والأغلب منهن يعتبرونه أمرًا مشينًا، يجب مداراته والبعد عنه، ليس هذا وحسب بل أيضاً تجنب الخوض فيه حتى ولو بدافع العمل، تحكي ”ع.ع.“ (35 عام) والتي تعمل بالصحافة عن تجربتها عندما تعرضت لموضوع صحفي يناقش مرض الإيدز، وتطرقت لكيفية الإصابة به من خلال العلاقة الحميمة، رفضت أمها عملها بتلك القصة، لكنها رضخت في النهاية بعد إصرار الإبنة التي تخطت الثلاثين، تعاملت الأم بمزيج من الغضب والاحتقار، ومعها الشقيقة الكبرى، لكن ذلك لم يؤثر على قرار ”ع“، فذكريات البلوغ والدورة الشهرية مازالت تداعب ذاكرتها، لم تنصحها أمها بما يجب عليها فعله، وكل ما فعلته أن أخبرتها بأن تذاكر مادة العلوم، ففيها ستجد إجابة عن كل ما يدور في ذهنها. أما الشقيقة الكبرى ”ل.ع.“ فلم تختلف كثيرًا عن الأم، فهي نسختها المصغرة في التشدد، حتى أنها وقت زواجها لم تستجب لنصيحة شقيقتها الأصغر بقراءة كتب عن الزواج، أو أن تتحدث مع صديقاتها المتزوجات أو زميلتها التي أخذت دبلومة المشورة الزوجية، لكنها رفضت كل شيء. في بداية المرحلة الجامعية، كانت خطوة ”ع“ الأولى نحو المعرفة بما يعنيه غشاء بكارة والعلاقة الحميمية، تكفلت صديقات الجامعة بالأمر وكتب تثقيفية استعارتها من صديقة؛ موضوعات عن الختان، تجميل المهبل بالليزر، الثقافة الجنسية – كلها قصص أثارت غضب الأم، إلا أن الأب والأخ الأكبر كانا أكثر قدرة على الاحتواء: ”والدي وشقيقي لديهم مرونة أكثر من أمي في التعامل مع كل ما يخص العلاقة بين الرجل والمرأة، وبالتالي هم أكثر مرونة مع طبيعة عملي“. 

”كانت المرة الأولى التي عرفت فيها ما يعنيه التقاء رجل وامرأة وباب مغلق، كان هذا يعني فقط ضربي وتعنيفي“، تتذكر ”ي.ق.“، ما حدث لها وهي طفلة ذات سبعة أعوام حين تغيبت عنها أمها لدقائق، وحين طرقت الباب لم تتلق ردًا رغم سماع صوتها بالداخل، فهداها عقلها لأن تقف فوق الكرسي الخشبي، وتنظر من شراعة الباب، لم تر شيئًا لكن والدها رآها ولقنها درسًا لم تنسه أبدًا، ولم تنسى لأمها أيضاً إهانتها لأنوثتها ومحاولتها الدائمة للتقليل من مظاهر فتنتها البادية: ”كانت أمي وخالتي دائمًا ما تتنمران بصدري الكبير، وتريان أنني أهوى ارتداء الملابس الضيقة كي أثير الرجال من حولي“، رغم ذلك لم تخبرها أمها شيئًا عن الجنس، أو عن العلاقة الحميمة قبل زواجها أو بعده: ”رأتني ذات يوم وخطيبي يقبلني بعد كتب الكتاب، غالبًا عرفت حينها أنني لا احتاج للتعلم منها“. 

لم يحن موعد ليلة الزفاف بعد، لكن تفاصيل كثيرة كانت فارقة في عمر ”ي.س.“ (29 عام)، ليس الجنس فقط هو ما بين الرجل والمرأة، لكن كل شيء له علاقة بأجزاء جسدها السفلي اعتبرته أمها من محرمات الحديث، فلم تخبرها عن احتياطاتها اللازمة عند البلوغ، ولم تبادر بحديثٍ واضح عندما سألتها ابنتها عن مصدر الدماء التي وجدتها في سروالها الداخلي، بقيت الصغيرة حتى الجامعة وهي لا تعرف كيف يأتي الأطفال إلى الدنيا، معتقدةً أن القبلة – التي تغلق أمها شاشة التلفاز كلما جاءت في أحد الأفلام – أنها هي سبب الإنجاب. في الجامعة عرفت ”ي“ من زميلاتها سبب مجيء الأطفال، واختبرته بعد ذلك حين نشأت علاقة حب مع أحد زملائها وصلت إلى ممارسة الجنس، حينها امتنت لأمها عدم ختانها، فقد أخبرها حبيبها أنه لا مثيل لها في العلاقة، لكنها حتى الآن لم تزل تفضل القبلة التي تخفيها عنها أمها: ”أكثر ما يثيرني في العلاقة الجنسية هو التقبيل، بدونه لا سكس ولا حب“. 

إذا كان هذا هو الحال في المدن، فالريف معاناته أكثر، خاصةً إذا كنتِ الإبنة الوحيدة بين أربعة من الذكور، عليك دائمًا التخفي في كومة من الملابس، كي لا تثيري فتنتهم. ارتدي الحجاب، لا تلبسي بنطلون، قبل أن تستخدمي الحمام عليكي بغسله جيدًا، أنتِ نفذين الأوامر فقط وليس عليكِ سوى ذلك، لا تسألي عن أشياء ستسيئك حتى وإن لم تبدى لكِ، هكذا كانت تمر السنوات على ”ص.ف.“ في منزلها الريفي، قبل أن تلتحق بجامعتها في القاهرة، كان مجيئها للقاهرة واختيارها للدراسة بها هو هدفها الوحيد وسبيلها الأوحد للهروب من سطوة أمها التي تمنع عنها حتى التنفس في حضرة الذكور. أول ما فعلته الطالبة الجامعية حين أتت إلى القاهرة أن ارتدت بنطلون جينز، ثم ركبت دراجة، وغامرت ذات مرة في إحدى الرحلات و ركبت الحصان، كلها أشياء كانت تخبرها أمها أنها ستفقدها عذريتها إن فعلتها، كل ما سمعته عن العذرية كان فقط تحذيرات من الفقدان. لكن كل سنوات الصمت التي عانتها صغيرة، كبرت وهزمتها بما تعلمته، فكتبت عن الجنس والثقافة الجنسية، أعدت برامج تتناول العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة، إلا أنها حين جاء موعدها مع الزواج، افتقدت نائح أمها وخاصةً حين تدخلت حماتها بعد يومين من تأخير المهمة: ”كانت عاوزة أروح لطبيبة تتأكد من عذريتي، زوجي رفض وبعدها بأيام تمت الأمور بشكل طبيعي، كل هذا وأمي صامتة لا تتدخل ولا تسأل ولم تحتضنني ولو لمرة“. 

 

التثقيف الجنسي

التحدث مع الأبناء عن الجنس في 2019 لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقيمه بمحاذير آباء الأجيال السابقة. تتحدث الأخصائية النفسية سارة حبيب عن ضرورة التثقيف  للأبناء، وأن الدراسات النفسية قد أكدت أن الطفل يبدأ وعيه بالجنس منذ أن يتم الثالثة أو الرابعة من عمره حين يبدأ في اكتشاف نوعه، ومع هذا الاكتشاف تبدأ الأسئلة التي لا يجب التحايل عليها بإجابات غير منطقية، لكن الأفضل أن يوجه الطفل بشكل سليم وتحت استشارة طبية تعفي الطفل وعائلته من مشكلات نفسية وجنسية كبيرة في المستقبل. 

العديد من المشكلات النفسية تحدث نتاج التجهيل الجنسي الذي يمارسه الأهل على الأبناء، مشكلات مثل ازدواجية التوجه الجنسي، والتعرض للتحرش وآثاره السلبية التي كان يمكن أن تقل آثارها في حالة وجود تقارب وتفهم أسري، الشره الجنسي الذي أصبح مرضًا واضحًا تعاني منه حالات كثيرة، يقابله جمود وبرود جنسي على جانب آخر، وفي الحالتين هما نتاج كبت أسري وغياب الوعي بضرورة التحدث مع الأبناء عن مشاكلهم الجنسية وأي تساؤل يلح عليهم بشأن الجنس، فتتحول الحياة الجنسية لدى الأبناء سواء من الذكور أو الإناث إلى تابوه مغلق تظهر كل مشاكله بعد الزواج، وعلى الطرف الآخر في العلاقة تحمل تبعات التربية الخاطئة.

مقالات مقترحة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل
رسوم يارا مراكي التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...
تجربتي بعد عام من العمل الفريلانس كفتاة عربية
رسوم يارا مراكي حين دخلت المدرسة الثانوية، قررت ماذا أريد أن أصبح وما الكلية التي أرغب في الالتحاق بها -...