“مكتبة مرآه: خمس نساء مصريات يروين قصصهن في ”خلخال

مُؤرخات شفهية تأخذنا عبرها الكاتبة نيرة عطية في رحاب حواري ثمانينيات مصر.
آية أحمد

December 2, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

تروي الكاتبة والمؤرخة المصرية نيرة عطية في كتابها ”خلخال: خمس نساء مصريات يروين قصصهن“، الحائز على جائزة يونيسف للكتب في عام 1990، قِصص مُؤرخَة لحياة خمس نساء مصريات تأخذنا برحلة لاكتشاف طبقات المجتمع المصري الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عام 1982.

اشتهرت فترة الثمانينات وأوائل التسعينات بتصدر السير الذاتية المكتوبة لسيدات المجتمع المصري وارستقراطيته، كجيهان السادات وليلى سعيد وتحية جمال عبد الناصر، ليشكلن بذلك كثير مما يعرفه القارئ عن أبعاد المجتمع المصري. إلا أن الكاتبة والمؤرخة نيرة عطية أخذت مسار مختلف عبر روي قصص نساء من عامة الشعب لتعيد بذلك كتابة تاريخ شوارع وحواري مصر ولتقرب للقراء سيرته عبر عدسة مختلفة.

يروي ”خلخال“ قصص مؤثرة وإنسانية عن خمس نساء يجمعهن كفاحهن ومخاوفهن ولكن فرقتهن القيود المجتمعية والاقتصادية. تكشف كل من أم جاد، وأليس، وسودا، ودُنيا، وأم نعيمة عبر قصص حياتهن عن قضايا اجتماعية ”محظورة“ كالختان، ومفهوم ”المشايخ“، والعذرية. ومن هنا سنبدأ رحلتنا عبر صفحات “خلخال“.

”الناس عندنا بتفضل الأولاد على البنات، لأن حياة البنت صعبة. حياتها صعبة أيا كانت عائلتها أو جنسيتها. حياة الفتاة تختلف عن حياة الرجل، فليس لديها أي ضمانات للسعادة في زواجها، وحياتها ما هي إلا عبارة عن عدة تجارب تجري حسب ما يشتهي الرجل“ أم جاد

أم جاد، زوجة صاحب الكراج، تأخذنا في رحلة عبر عالم الجن والمشايخ“ الذي يتفشى في قريتها الصغيرة بمحافظة الجيزة. تبدأ أم جاد قصتها بروي معاناة أمها ونساء قريتها في فقد مواليدهم وأطفالهم، ليكون ”الشيخ“ أملهم الوحيد في إعطاء أزواجهم ما يحلمون به وهو ”خِلفة الذكور“.  

المشايخ والسحر هما جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، فالشيخ هو الذي يفك ويحل مشاكلهم الحياتية والزوجية، ”دفع الحسد“، أو ”مصالحة قرين“، أو ”تيسير الجن“ هي من بعض الأمور التي لا تخفى عليه.

”عرف من أعراف قريتنا أن نوشم البنت المتمردة (الحِركَة) عشان تهدى وتعقل“ – أم جاد

تعرفنا أم جاد على الكثير من أعراف وتقاليد قريتها، كالوشم الذي كان دلالة على مدى تمرد المرأة. فالأوشام المدقة على جبهتها، ويديها وقدميها كانت سبيل أمها الوحيد ومجتمعها للسيطرة عليها وكبحها.

”الدم لازم يبان. فالدم هو علامة شرف“ – أم جاد

ولا تبخل علينا أم جاد في سرد تفاصيل حياتها وبعض أحداثها التي ”لا تنسى وأولها الختان، ثم ليلة فقدانها لعذريتها وتقاليد قريتها لتأكيد عذرية الفتاة في ليلة زواجها“، حيث تجتمع مجموعة من النساء حولها لإتمام العملية وعرض ”ملاية اللف البيضاء“ التي تحمل شرفها على الزوج والعائلة قبل أن يدخل عليها.

أم جاد هي مثال للمرأة البسيطة المكافحة التي تتمسك بعرف مجتمعها بالرغم من عملها في القاهرة ومساندتها لزوجها في الكراج، فقصتها ما هي إلا واحدة من ملايين النساء غيرها اللواتي يؤمنّ بأن ”كفاحهن وفقرهن هما إرادة من الله“ ويستعان بالمشايخ والأعراف للبقاء.

”المال يعطي الناس المجال للحب والأمل. والحرمان من نعمة المال يجعل منه شغل الإنسان الشاغل ويمحو غيره من القيم“ – أليس

عانت أليس الكثير مع الجنس الآخر، بدءًا من زوجها الخائن، إلى تجارب النساء من حولها مع الرجال، فهي تري الرجل ”خائن“ و”لا يهمه غير الجري وراء الهوى“ فحتى ولادها ”خونة“ لزوجاتهن. ولذلك أخذت أليس على عاتقها مساعدة غيرها من النساء لكي لا يقعن في نفس الفخ الذي وقعت فيه، في محاولة منها لإرضاء ”الرب“ وتغيير واقع ومستقبل النساء من بعدها.

”الست المصرية وفية لزوجها بالرغم من معاملته السيئة لها. أنا تعلمت إن الست مش لازم تكون خادمة لزوجها. بل لازم تهتم بنفسها وتقدر تغري زوجها عشان يقدرها. فإذا ركزت اهتمامها على أولادها وبيتها، سيعاملها كالخادمة – أليس

من خلال أحداث حياة أليس تطرح نيرة قضايا كالطلاق في المجتمع المسيحي المصري المتوسط الطبقة، وتقيد المرأة بزواجها إلى الممات، حتى لو كان الزوج مسيء وخائن، فالطلاق كلمة لم تُخلق في قاموس هذا المجتمع.  

”من المستحيل أن أتزوج من رجل أبيض. إذا اخترت راجل من لوني سيتحملني بعيوبي وبجميع تصرفاتي على عكس الراجل الأبيض – سودا

”مستحيل زوجي الأسود يناديني يا سودا“، هكذا تصف سودا رؤيتها للزواج في مصر، فأصبح العرف لدى الكثيرات محدود بلون البشرة ”السمار“. فالسمرة للأسمر و”البيضة للأبيض“.  

تطرح قصة سودا أسئلة عن التمييز العنصري الطبقي في المجتمع المصري، فهل يعيش أصحاب البشرة الداكنة كغيرهن من المصريين أم يواجهن التمييز للون بشرتهن السمراء.  

”الحياة في عائلة فيها أكثر من زوجة مريرة. الزوجة الثانية دائمًا ما تكون محط كره وحقد الزوجة الأولى وأولادها. فهل يمكن للزوجة من الوثوق في زوجة زوجها الثانية؟ مستحيل، ولهذا تكون الحياة بينهن مليئة بالعداوة، والغيرة، والحقد – أم نعيمة

أم نعيمة، صائدة السمك. الزواج المتعدد والفقر يلخصان حياة أم نعيمة التي ورثت أن تكون الزوجة الثانية من أمها.  وتناقش أم نعيمة فكرة الزواج وأهمية العائلة الممتدة في حياة المرأة المصرية، فهي ظهرها وعمادها.

”مستحيل أختن بناتي، لا يمكن أخليها تتوجع زي ما أنا اتوجعت. ما في الآخر في حاجة اسمها حرية رأي – دنيا

أما قصة دنيا فتشع بالأمل لغد أفضل، فشجاعتها وقدرتها على تصدي عادات قريتها البسيطة هي شعاع أمل لما تستطيع المرأة المصرية من إنجازه.

دنيا، في العشرينات من عمرها، سطرت مثال لقوة المرأة المصرية عند تحدي عرف الزواج التقليدي والختان. فرفضت زواجها من ابن عمها لتختار بذلك شريك حياتها ”الأجنبي“، وأدركت مدى وحشية الختان في حق المرأة وهي تجربة مريرة خاضتها في سن لم تستطع فيه الدفاع عن حقها في جسدها.  

القصص الخمسة هي وثائقيات مثيرة ومليئة بالتفاصيل الحياتية الخاصة، بداية بتعدد الزوجات وقبول المرأة لدورها كالزوجة الثانية، وتعقيدات الطلاق، وعملية الختان وعواقبه على حياة الفتاة الزوجية والنفسية، ودور الشعوذة والسحر في حياة المرأة البسيطة. فتثري أحداث حياة النساء الخمس بحقائق عن المجتمع المصري لمن يرغب في فهم تشابكاته والخوض في تكوينه اليوم.

واستخدمت المؤرخة كلمة ”خلخال“ كعنوان لكتابها الوثائقي لما تحمله هذه الكلمة من معنى شمولي. حيث أن الخلخال يعتبر من أثمن ممتلكات المرأة الخاصة الذي تورثه من بيت أبيها لبيت الزوجية، وبذلك يعبّر الخلخال عن الجوهر الأساسي لكل امرأة وما تحمله حياتها من خفايا.

نيرة عطية والتأريخ الشفهي

خلخال كان من أولى تجاربي في قراءة كتب في مجال التأريخ الشفهي. يرتقي التأريخ الشفهي ”الأدبي“ عن التأريخ الكتابي ”الوقائعي“ الذي نقرأه في كتب التاريخ، وذلك لسرده القصص عبر التجارب اليومية لأفراد المجتمع، بعيدًا عن هوى وغرور ذوي السلطة. كما يعطي التأريخ الشفهي أبعاد إنسانية لطالما ما كانت منسية أو مهمشة ويعيد التوازن إلى عملية كتابة التاريخ فينقل بذلك أصوات الناس العاديين، مثلي ومثلك.

لا يمكن إنكار القيمة المعرفية والتاريخية لمثل هذا النوع من التوثيق، فأبدعت الكاتبة نيرة عطية في رسم ذاكرة حية للقائها مع الخمس نساء، فأكست اللحم والدم لأحداث قد يمحي التاريخ صوتها.  

خلخال: خمس نساء مصريات يرويّن قصصهن (١٩٨٢) من كتابة وتأريخ نيرة عطية، وهي مؤرخة شفهية وصحافية لدى صحيفة القاهرة جازيت. يعد كتاباها ”خلخال: خمس نساء مصريات يروين قصصهن“ و ”شهامة“ من أهم أعمالها في التأريخ والكتابة. يمكن الحصول على النسخة الإلكترونية لكتابها ”خلخال“ عبر موقع أمازون. جمع كتاب خلخال ثلاث مبدعات نيرة عطية التي قامت بكتابة وتوثيق أحداث النساء وقصصهن، أندريا راغ، وهي حاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع، التي قامت بتدقيق الكتاب، والمخرجة والمصورة المصرية المعروفة، أسماء البكري، التي قامت بتوثيق الصور الفوتوغرافية في الكتاب.

تصوير آية أحمد @ayoushka.a

مقالات مقترحة

سألنا الفتيات في مصر: كيف ترين حملة ”خليها تعنس“؟
أطلق بعض الشباب في مصر مؤخراً حملة ”خليها تعنس“ عبر منصات السوشيال ميديا للتعبير عن الغضب والسخط من الارتفاع الباهظ...
شهقة الملوخية وقلب الحذاء ورش الملح… تخاريف أسطورية أم موروث شعبي؟
تكتنز ثقافتنا العربية بالعادات والتقاليد والطقوس الموروثة ذات الامتداد التاريخي ضارب الجذور في المنطقة من حيث الممارسة، ولكن ربما دون...
عن فِكر الجاهلية في حديث الشوارع العربية
اللغة وعاء الثقافة، وسجل للإرث الإنساني للشعوب على امتداد التاريخ. ولا شك أن ما تكتنزه اللغة من مفردات ومصطلحات وتعابير،...
نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: سارة العبدلي
قد يحتكر فن الرسم والتجسيد على تمثيل الناس والتفاصيل، لكن سارة تمارس نوعًا آخر من الفن، وهو الفن التقليدي الإسلامي،...