من إدمان التسوق إلى إدمان البساطة

هذه كانت قصتي لاكتشاف ذاتي.
وسان عبد الحق

December 31, 2018

وقت القراءة: 2 الدقائق

لم أتخيل يومًا بأنني سأحمل وزني فقط وأنا أغادر المول، فأنا أكاد أجزم بأنني كنت ابتاع ما معدله قطعة إلى اثنتين في الأسبوع، سواء كان لونًا آخر من حذاء امتلكه، أو أي قطعة لفتت انتباهي على الرغم من أنني أملك شبيهتها. نعم لقد كنت بهذا السوء إذا صح التعبير، فقد كنت استمتع بالتسوق وابتياع كل جديد، لما منحني ذلك من شعور وهمي بالسيطرة على زمام الأمور وبأنني أخلق سعادتي بنفسي، سعادة كنت أرى تعريفها من منظارٍ شديد الضيق، لا يتجاوز صورة “سيلفي” بال”جينز” الجديد، أو ذلك الحذاء ذو الكعب العالي الذي كنت أكيدة بأنه صمم خصيصًا لي.

كنت ناجحة في عملي، يدفعني لذلك طموحي العالي بالطبع، بالإضافة إلى تخصيص أكثر من نصف راتبي للتسوق، مما يعني ضرورة محافظتي على هذا العمل الذي كان وقودًا يغذي هوايتي المفضلة! كانت هذه عناصر حياتي: العمل من 9 إلى 5، سيارة فارهة، شقة واسعة مطلة، أثاث انتقيته ببراعة وفخر شديد بذوقي المتميز الذي لطالما شاركت الآخرين به عبر الانستغرام!

كان هذا حالي إلى أن أصابتني انفلونزا كان وقعها شديدًا علي بعض الشيء، اقعدتني في سريري لفترة تجاوزت 10 أيام من الحرارة والقشعريرة والدوار، وغياب عن العمل، والتسوق بطبيعة الحال. إلا أن هذه الأيام العشرة أيقظتني من غفوتي، ولا أقصد هنا نومي الثقيل بسبب المرض، بل غفوتي عن زوايا الحياة التي لم ألحظ غيابها قبل مرضي، والتي لم أمنحها أي اهتمام!

صعقت وأنا أبحث عن صور لي خارج حدود السيلفي على هاتفي، وبحثت عن جيراني حيث أسكن لمساعدتي في تجاوز أيام المرض ولم أجد؛ لم أجد سوى منزل فاخر عنوانه الازدحام تعج كل زاوية فيه بضوضاء مزعجة وأغراض لم أعلم بأني قمت باقتنائها أو حتى استخدامها، فها هنا مصباح لم أضيئه، وسفرة من خشب الساج لم استعملها سوى مرتين مع عدد من الأصدقاء للعب الشدة. أما خزانتي فكانت تعج بالملابس التي لا وزال سعرها عليها، إلا أن أيًا منها لم يتمكن من التخفيف عني في لحظة الحقيقة الموجعة التي انتابتني.

لم يكن هذا فقط ما جال في خاطري، بل قفزت إلى هاتفي لاستخدم الآلة الحاسبة واحسب المبالغ التي دفعتها في كل قطعة من ثياب أو أثاث أو أحذية مازال سعرها عليها ولم استخدمها قط، لأتفاجأ بأنها تغطي قرضي من البنك، ساعات العمل الإضافية التي لطالما أرهقتني ولكنني عزمت على أن ابتسم خلالها، والكثير الكثير من الرحلات والسفرات التي لم أقم بها والذكريات التي كان لي أن أرسمها والتي كانت لتكون أثمن بكثير من كل ما كان أمامي في تلك اللحظة.

أكملت رحلتي في اكتشاف ذاتي ومحاسبتها، وكأن يدي تخط دون إرادة مني أو تحكم أمنياتي الحقيقية وحياتي التي أرغب أن أحياها. لم يكن العمل المكتبي ضمن القائمة، ولم يكن لأي من أحذيتي التي كانت أعز ما أملك أي حيز على القائمة، حتى أنني بت فجأة أشعر بأن الشقة التي سكنتها لأربعة سنوات بدت أكبر بكثير على الرغم من ازدحامها بما أملك. قائمتي ضمت البلدان التي أرغب بزيارتها، مدونة الطبخ التي رغبت ببدأها لأعود بها لهوايتي القديمة، كما ضمت التقاط الكثير من الصور للناس والاحتفالات والذكريات والرقص، واللوحات التي رغبت برسمها وتلك التي رسمتها أثناء مراهقتي والتي بقيت محفوظة في بيت العائلة.

كانت تلك الانفلونزا الشديدة آنذاك هي السبب الذي غير حياتي، تبرعت بعدها بأكثر من نصف الملابس التي أملك، حتى أنه خيل لي أن خزانتي قد تنفست الصعداء أخيرًا، واستبدلت عقد العمل بدوامٍ كامل بعقد جزئي لا تتجاوز بموجبه ساعات عملي الخمس، وعلى الرغم من أن المردود المادي قد تضائل لحدٍ كبير إلا أنني بفضل التغيير الذي أصابني، أصبحت أملك ما هو أثمن؛ أصبحت أملك تجارب حقيقية، وأصدقاء من مختلف أنحاء العالم وصورًا من أكثر من 15 دولة قمت بزيارتها علقتها على حائط شقتي الجديدة التي على الرغم من صغر حجمها، إلا أنها تعج برائحة الطعام الذي أحرص على أن أعده لمدونتي، كما تعج بالكثير الكثير… من الحياة.

مقالات مقترحة

شهد بودبس تتنفس الكروس فيت وتمثل بلادها في بطولة 2019
إن لم تكونوا من المطلعين مسبقًا على رياضة كروس فيت فربما يكون من الصعب بعض الشيء أن نبدأ فورًا بالشرح،...
فتيات عرب يتحدثن عن الأشياء التي وددن لو فعلنها أثناء فترة الجامعة
الصورة لأليكسيس براون من أنسبلاش تخرجت العام الماضي من الجامعة وبدأت أبحث عن فرص عمل مناسبة في مجالي وبعد أن...
فتيات عرب يروين تجربتهن في الجمع بين العمل والدراسة
الصورة من ستوك سناب بدأت الدراسة منذ عدة أسابيع وبين فئات طلابية عديدة تظهر فئة تجمع بين العمل والدراسة معًا،...
مقابلة مع الرحالة السعودية إسراء ريس
وصفت نفسها بالمغامرة والشغوفة والمحبة للحياة والمغامرة لاكتشاف كل ما هو جديد، وجدها الكثير ممن هم حولها محفزة ومثابرة وفتاة...