موضة الأزياء المحتشمة: كيف بدأت؟

باتت كل امرأة تعمل على تنسيق أزياء حسب ذوقها ومعتقداتها، وبيئتها تشكّل عالماً للموضة بحدّ ذاتها
ليلى يمّين

August 13, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

في مطلع هذا العام أكّد موقع Pinterest أنّ التفتيش عن “موضة الأزياء المحتشمة” (Modest Fashion) ارتفعت بنسبة 500%! بلغت قيمة هذا القطاع 243 مليار دولار في عام 2015 وهي قيمة ليست إلّا بازدياد ضخم لمدة السنين القادمة، تتوقع الوصول إلى 368 مليار دولار في عام 2021. أيّ امرأة، عربيّة أو أجنبيّة، تزور اليوم المحلّات التجاريّة، لن يقع نظرها إلّا على الفساتين الطويلة، القمصان الخفيفة والمحتشمة مقابل تقلّص ملحوظ بالmini-skirt. موضة الأزياء المحتشمة اجتاحت الأسواق والأهمّ أسابيع الموضة و أزياء الشوارع، وهي ليست للمسلمات فقط.

    

عندما كنت أقرأ بعض المقالات عن موضة الأزياء المحتشمة، لفتتني بعض العناوين مثل “الموضة المحتشمة ليست للنساء المسلمات فقط!” و “أصبح لكلّ امرأة مكانة في عالم الموضة!” وغيرها من العناوين الّتي اعتبرتها هجومية. قبل الإسلام، كانت النساء ترتدي الملابس الفضفاضة، وصولاً الى اليوم، كلّ امرأة تعمل على تنسيق أزيائها حسب ذوقها ومعتقداتها، وبيئتها تشكّل عالماً للموضة بحدّ ذاتها، وهذا ما فعلته النساء بشكلٍ عام لوقتٍ طويل قبل انفجار “موضة الأزياء المحتشمة”. لنعود بالوقت قليلاً، إلى نشأة “موضة الأزياء المحتشمة”.

الشرق الأوسط قبل الإسلام والمسيحيّة

على الأقلّ، منذ 1250 سنة قبل المسيح، كانت النساء في بلاد ما بين النهرين والآشوريّون يرتدين الغطاء على رؤوسهنّ عند الخروج من المنزل للدلالة على عذريّة الفتاة وإخلاصها. بهذا الشكل، كانت العائلات تضمن للرجل أن نسائهم سيكونوا مخلصين لهم تماماً، وبالتالي يجب إظهار هذا الولاء للآخرين أيضاً (حسب المؤرّخة جيردا ليرنر). أمّا النساء العاملات في الجنس، كنّ محرّمين من ارتداء هذا الغطاء. استمرّت هذه العادة لفترةٍ طويلةٍ في هذا المنطقة، إلى أن لاحظنا امتدادها مع المسيحيّة، حيث النساء دائماً ما يخرجن بغطاءٍ على رؤوسهنّ.

أمّا في شبه الجزيرة العربيّة، وقبل الإسلام أيضاً، كانت جميع النساء ترتدين العباءات الطويلة والملوّنة كرمزاً للجمال، بالإضافة للشالات وغطاءات الرأس مختلفة الأشكال والألوان والزخرفات، وذلك لضمان الشعور “بالفضفضة” والراحة الجسديّة.

يناقش البعض على أنّ هذا الأمر مرفوض حتّى ولو لم يكن متعلّق بالدّين بما أنّه يعود إلى نفس مبدأ التحكّم بالحياة الجنسيّة للمرأة وفرض حدودٍ لها. لكن بالنسبة لي، ذلك لم يعد قائماً في القرن الواحد والعشرين. نحن أحرار في قراراتنا الشخصية مهما كانت و كما أن النساء لسن روح واحدة.

انتقالاً إلى الفترة العباسيّة في شبه الجزيرة العربيّة ومع دخول الإسلام، لم تتأثّر النساء حقيقةً بالدين الاسلاميّ، فملابسهنّ لم تتغيّر فعلياً، بل استمرّوا بارتداء الفساتين الفضفاضة والملوّنة. هناك قصّة تحكي عن انتقالهنّ إلى العباءات السوداء في تلك الفترة، حيث كان هناك بائع فقير يأتي بعباءاتٍ ملوّنة ويبيعها، ودائماً ما تبقى العباءات السوداء. في يومٍ من الأيّام لم يبقى معه إلّا عباءات سوداء ولم يرد أحد أن يشتريها. قرر هذا البائع الفقير اللّجوء الى أحد أصدقائه وهو شاعر لمساعدته. كتب الشّاعر قصيدة أصبحت تردد من قبل الجميع، تمدح اللون الأسود وما يدلّ عليه من الملوكيّة والبرجوازيّة وكلّ ما إلى ما هناك من صفاتٍ حسنة تمدح هذا اللّون. الشّاعر كان ذكياً، فهذا كان هدف كلّ امرأة آنذاك، الّذين لجأن مباشرة إلى البائع الفقير واشترين كلّ العباءات السوداء!

في القرن الرّابع عشر، وفي حين حكم السلطنة العثمانيّة بلاد البحر الأبيض المتوسّط، بدأت النساء ترتدي “الأنتاري” والمعروف أيضاً بالكفتان، وكان ذلك الخيار الأساسي لهنّ في تلك الفترة. هذا اللّبس كان يدلّ على الأناقة والملوكيّة، وكان يجبر المرأة على التغطّي بالكامل. تزامن هذا القرن مع عصر النّهضة بأوروبا، ومع الملكة إليزابيث الأولى التي شكّلت وجهاً أساسياً للموضة الملوكيّة في تلك الفترة الّتي كانت أيضاً تعتبر “محتشمة”. تبعتها كل النساء من الطبقات الوسطى في تصاميم لفساتينٍ تغطّي جسد المرأة بالكامل من الرأس حتّى القدمين. واعتمدت النساء في تلك الفترة أيضاً، بشكلٍ كبير، على غطاءات الرّأس التي تحوّلت لاحقاً الى قبّعات.

في تلك الفترة كانت المرأة البورجوازيّة “صورة” عن ثروة زوجها وطبقته البورجوازيّة، وفي نفس الوقت، كانت “امرأته”. إذاً كان عليها أن تكون دائماً بكامل أناقتها وجمالها، بمقابل احتشامها لأنّها امرأة زوجها فقط.

استمرّت هذه الموضة لفترةٍ طويلة في أوروبا. أمّا في بلاد الشرق الأوسط، تزامنت موضة هذه الأزياء مع انتشار الدين المسيحي والإسلام بشكلٍ كبير، حيث فرض الاثنين الحشمة على النساء.

بالنسبة للعودة إلى تاريخ “غطاء الرأس” ومهما كان شكله أو اسمه، وبالرّغم من أنّه اليوم مرتبط بالانتماء الديني للأفراد، إلا أنّه لم يدل في التاريخ القديم إلا على “الملوكيّة”.

في أوائل القرن التّاسع عشر وبعد الثورة الصناعيّة بفترة، أصبح للمرأة دوراً أساسياً بالصناعة والحياة الصناعيّة. وكانت بحاجة إلى ثياب عمليّة، فبدأت ثورة “البنطلون” وقصرت الفساتين للتمتّع براحة أكبر خلال العمل. فالنساء أصبحن عاملات، وبدأت المطالبة بحقوق المرأة والمساواة مع الرجل. الثورة القائمة على هذا الأساس بدأت في الستينات وتجلّت من خلال رفض المرأة كل ما يمكن أن يقمع حريتها وتمظهرت من خلال أزيائها وبدأ معظم جسدها أن يبرز. للمرأة الحقّ بالتصرّف كما تريد وكما الرّجل يتصرّف، وهنا بدأت المحاربة اليوميّة للمرأة للحصول على حقوقها مقابل الرجل. كان (ولا يزال) نوع من تحدي لذكوريّات المجتمعات، ورفض لتحكّم الرجل بجنسيّة المرأة، ورفض لأن يكنّ كما يريدهن الرجال. كلّ هذا الرّفض برزته النساء بالملابس. فكما تقول مصممة الأزياء البريطانيّة، إلسا شياباريلّي “في الأوقات الصّعبة، تصبح الموضة مباشرةً عنيفة”. وهذا دليل على تحكّم التغيرّات السوسيو-بوليتيكيّة بالموضة، حتّى ولو بشكلٍ غير مباشر.

كيف انفجرت الموضة المحتشمة اليوم؟

عاملين أساسيين لعبا دوراً أساسياً في “تحرر” الموضة. أولاً، تخلّصت المرأة (ليس بشكلٍ كامل) من سلطة الرجل، وأصبحت مستقلّة وغير مكترثةً لرأيه. تريد ملابس مريحة، محتشمة، عمليّة، وجميلة! وتقول المدوّنة حنان تهايلي Hanan Tehaili أنّ “الموضة المحتشمة هي طريقة للتعبير عن أسلوب حياتك بالتزامن مع ذوقك بالموضة. موضة الأزياء المحتشمة جميلة بسبب ما تحمله من معتقدات وأذواق مختلفة، تتشابك لخلق هذه الظاهرة”.

ثانياً، الاختلاط الكبير الذي عاشته النساء مع دول الغرب. مهاجرين هنود، صوماليين،  بنغلاديشيين، مسلمين، يهود… فرضوا نوعاً من حاجةٍ جديدة بالأسواق، بالإضافة إلى أزياء مختلفة، تداخلت مع الوعي الجماعي لمجتمعات الغرب. هؤلاء النساء باتوا أوعى على حاجات النساء المختلفات عنهن. وتقبّل هذا الاختلاف أدّى إلى قيام نوع من توازن بعالم الموضة بين العالمين المختلفين، لخلق موضة جديدة.

تقول هيلين نويني “أنا لست بحاجة لأكون مغرية فقط، أنا بحاجة إلى الذهاب إلى اجتماعات وطرح أفكار والحصول على الأموال مقابلها! إمّا أن أكون مقدّرة بسبب تلك الأفكار، أو بسبب مؤخّرتي، كان عليّ أن أختار.”

في عام 2007، عرضت المصممة الاماراتيّة رابية زارغابور أوّل مجموعة من الأزياء المحتشمة في أسبوع دبي للموضة. لم يؤثّر الأمر كثيراً على ساحة الموضة العالميّة، إلا أنّه أطلق نوعاً من الإشارة إلى الفكر القادم. و في عام 2013 قدّرت نسبة إنفاق النساء المسلمات على الأزياء قيمة 200 مليار دولار  وأكثر، بالتزامن مع أوّل أسبوع موضة يأخذ بعين الأعتبار الموضة المحتشمة في واشنطن. في تموز عام 2014، أصدرت DKNY أوّل مجموعة أزياء رمضانيّة بالتزامن مع القرار الفرنسي بمنع الحجاب والبرقع، وقد صممت هذه المجموعة امرأتين مسلمتين، يعملان في قطاع الموضة. ثمّ تبعتها بعد أقلّ من شهر أوّل امرأة محجّبة مشتركة في مسابقة The Project Runway  نزينغا نايت Nzinga Knight. في العام التّالي أصدرت السلسلة العالميّة Mango أيضاً مجموعة أزياء رمضانيّة، تبعتها أيضاُ في العامّ نفسه أوّل عارضة أزياء محجّبة ماريا إدريسي Mariah Idrissi في مجموعة الخريف لh&m.

الخطوة الأكبر كانت مع المنزل العالمي للموضة Dolce & Gabbana حين أصدر مجموعة عباءات تعبّر عن “جمال المرأة العربيّة”. عام 2016 بدأ أسبوع الموضة المحتشمة في إسطنبول، وفي صيف 2016 رأينا أوّل امرأة محجّبة، أمينا خان، وهي مدوّنة محجّبة، في إعلان لوريال. و بعد أقلّ من شهر، عرضت المصممة أنيسا حسيبوان Anniesa Hasibuan، أوّل مجموعة كاملة مع عارضات محجّبات. انطلقت موضة الأزياء المحتشمة التي توّجتها العارضة حليمة أدن مع مجموعة YEEZY في أسبوع نيويورك للموضة عام 2017.

فعلياً، موضة الأزياء المحتشمة ليست اختراعاً جديداً. الرق الوحيد هو أنّ أكبر الماركات العالميّة قررت أن تأخذ بعين الاعتبار فئة ضخمة من النساء المهمّشات، بعدما كنّ يتعرضّن لهجومٍ دائم من وسائل الإعلام الغربيّة بسبب لباسهنّ. كما أنّ عالم التواصل الاجتماعي فرض على هؤلاء الماركات بتدارك الوضع. المدوّنات على انستغرام وغيرها من الوسائل شكّلن نوع من الضغط، وفرض لوجودهنّ على الساحة. بعد مئات السنين من العباءات، كان على عالم الموضة الاعتراف بها.

مقالات مقترحة

تجربتي مع دراسة تصميم الأزياء
الأزياء بالنسبة لي هي شكل من أشكال الفن. عندما يذهب الناس إلى المعارض والمتاحف، يتركون أنفسهم يتجولون في الأعمال الفنية،...
عندما صعدت الأزياء القمر قبل ناسا
في منتصف الستينات تقريبًا، سئلت رائدة "البساطة الراقية" كوكو شانيل، أو جابرييل بونور شانيل، عن موجة الأزياء المستلهمة من الفضاء...
تعرفوا على أول ”انفلونسر“ افتراضية عربية
ليلى تعيش حياة طبيعية في دبي في دولة الإمارات كأي فتاة في عمرها ممن يعشقن الموضة ويلاحقن آخر الصيحات، وتشعر...
هل تصميم جيوب صغيرة لأزياء النساء حقاً مضايقة؟
كانت تعد الجيوب حكرًا على الذكور فقط في القرون الوسطى، حيث كانت ألبسة الإناث تتوفر على جيوب صغيرة من تحت...