نساء تخطين المألوف لتحقيق طموحاتهن

"لم يكن الأمر سهلاً في البداية إلا أن شعوري العظيم بالإنجاز في العمل و شغفي الكبير دفعاني للاستمرار".
وسان عبدالحاق

December 25, 2018

Reading Time: 1 minute

منذ أن بدأت المسير قدمًا في حياتي العملية، عقدت العزم على أن أمنح نفسي مساحة من الراحة بشكل يومي لأحظى بحياة متوازنة قدر ما أمكن، وامتدت ذلك لتطال كل جوانب حياتي، فيومي في العمل لا يتجاوز الخامسة مساءً، أواظب بعده على ممارسة الرياضة لساعة كل يوم، واحرص على أن أنال ما لا يقل عن 8 ساعات من النوم. وبناءً على ذلك فقد رتبت أمور حياتي لتسير بمسارٍ محدد، حتى أنني كنت أحرص على اختيار مواعيد سفري، الكثيرة بحكم عملي، بدقة شديدة حتى لا يتعارض ذلك مع جدولي اليومي.

اضطرتني إحدى السفرات غير المتوقعة لحجز تذكرة العودة إلى دبي في دولة الإمارات بما لا يوافق أهوائي، إذ هبطت رحلتي قبيل بزوغ خيوط الفجر الأولى، ودار في خاطري وأنا أهم بدفع حقيبتي سريعًا عبر أروقة المطار ألف خاطر، متى سأصل البيت؟ هل سأحظى بساعات نوم أم سأعاني الوسن على مدار 24 ساعة؟

ما إن هممت بركوب التاكسي وإذ بي أتفاجأ بأن السائق ما هو إلا فتاة شابة ترتسم على محياها ابتسامة، تنتهي الآن من ارتشاف قهوتها الصباحية، ليس هذا فحسب بل كانت تهتز طربًا على أغنية “Parole Parole” لداليدا، فسألتها على الفور “ألا تشعرين بالنعاس؟ ألا تشعرين بشوق شديد لسريرك كما أشعر أنا؟”

ضحكت “باريس” كثيرًا، وأخبرتني بأن ساعات عملها ليلية وأن نهارها أصبح ليلاً، إلا أن أسئلتي لم تتوقف بعد هذه الإجابة، فأسهبت باريس من كينيا، والتي سميت بهذا الاسم تيمنًا ورغبة من والدتها بأن تكون ممن يعيشون في المدن الكبيرة، بأنها تمارس مهنة القيادة منذ 5 سنوات وأنها تجد بأن المناوبة الليلية تناسبها جدًا، فدبي تبدو على الرغم من أضوائها المبهرة ليلاً مدينة هادئة جدًا، تختلف ملامح شخصيتها تمامًا عن حالها في النهار.

تقول باريس: “تواجهني بطبيعة الحال بعد الصعوبات، فأنا أم لأربعة أطفال، وجزء كبير مني يشتاق للحياة الاعتيادية، إلا أنني وأفراد أسرتي قد تأقلمنا مع طبيعة الوضع الحالي جدًا، فأنا أعود للمنزل مع ساعات الصباح الأولى التي يخرج فيها زوجي وأبنائي إلى العمل والمدرسة وأستيقظ مع موعد عودتهم”.

لا يقتصر الأمر بطبيعة الحال على باريس، فقد تحدثتُ أيضاً مع السيدة “منال عمر”، من لبنان، كابتن على متن الخطوط الجوية اللبنانية، والتي أخبرتني عن وظيفتها “غير الاعتيادية” التي تعشقها: “أهوى الطيران منذ صغري، ولست من النوع الذي يتنازل عن أحلامه، بل إن عشقي لهذه المهنة يتجدد مع كل رحلة أقوم بها وكل مدينة أكتشفها”. وأضافت: “صعوبات عملي إلى جانب الأوقات غير الاعتيادية تكمن في عشوائيتها أيضاً، فقد يتم الاتصال بي دون إنذار مسبق بأن علي أن أتواجد في المطار على الفور لرحلةٍ ما لم تكن ضمن جدولي، مما يجعلني متأهبة على الدوام فحقيبتي جاهزة لأي طارئ”.

أما “انشراح شعبان” من الأردن، فقد شاركتني بقصة كفاحها الطويل التي مكنتها من الوصول إلى نجاحها الحالي: “كنت أعشق الفن منذ طفولتي، وأبحث عن أي ورقة لأخط فيها مجموعة من التصاميم العشوائية التي ليس لها مثيل في نظري، وبعد تخرجي من الكلية، حالفني الحظ للعمل في معمل لصناعة الخزف، إلا أن ظروفي آنذاك – كوني أم لطفل في الثانية من العمر – لم تجعل الأمر سهلاً، كما أنني كنت أعيش في مدينة تبعد ما لا يقل عن ساعة ونصف من موقع العمل. حسمي للأمر وقراري بأن ألاحق حلمي، ترتب عليه أن أستيقظ الساعة الثالثة صباحًا لتحضير الطعام لطفلي ولزوجي، ومن ثم الالتحاق بأول حافلة تتجه صوب عمان العاصمة لأصل هناك حوالي الساعة السادسة صباحًا ومن ثم أتنقل بين المواصلات الداخلية ليبدأ يومي في المعمل في حدود الثامنة. لم يكن الأمر سهلاً في البداية إلا أن شعوري العظيم بالإنجاز في العمل و شغفي الكبير دفعاني للاستمرار. واليوم بعد 15 سنة أمتلك معرضي الخاص للأعمال الخزفية، وأحتضن فيه العديد من المواهب لسيدات قررن تحقيق أحلامهن مثلي”.

أعترف بأن تعريفي للبطولة والشجاعة قد اختلفا وأنا أكتب هذه المقالة، فقد تمت تهيئتنا منذ الصغر وبشكل تلقائي على أن التفاني في العمل لا يتجاوز حدود الزمان من 9 إلى 5، ولا تتخطى حدوده الجغرافية حيز مناطق راحتنا. الشجاعة هي باريس ومنال وانشراح وغيرهن الكثيرات اللاتي كافحن، لا بحثًا عن عائد مادي فحسب بل حبًا وشغفًا بمهن ليست اعتيادية.

 

رسوم ليزا رانيفا

مقالات مقترحة

فنجان قهوة حول العالم
خلال إحدى الورشات الصحفيّة التي قمت بها مؤخرًا، مكثت مع مجموعة من الأشخاص اللّبنانيين والأوروبيين في مكانٍ واحد لمدّة 3...
من إدمان التسوق إلى إدمان البساطة
لم أتخيل يومًا بأنني سأحمل وزني فقط وأنا أغادر المول، فأنا أكاد أجزم بأنني كنت ابتاع ما معدله قطعة إلى...
قرارات السنة الجديدة… هل سألتزم بها حقاً في 2019؟
بحلول شهر ديسمبر من كل عام، تبدأ الأقلام بالانشغال بكتابة قوائم الأمنيات والقرارات للعام الجديد، وتبدأ العقول بالدخول في صراع...
رسائل الحب والسلام عن طريق الفن التشكيلي
المناظر الجمالية والرسوم الإبداعية واللوحات الفنية والمنقوشات الفنية، جميعها تمثل سلسلة واحدة مرتبطة بالفن؛ الفن الذي من الممكن أن يعبر...