نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: سارة العبدلي

المصممة سابقاً والفنانة حاليًا، سارة تعيد الذاكرة الفنية للثقافة الإسلامية والحجازية.
زينب حسين

December 18, 2018

Reading Time: 7 minutes

قد يحتكر فن الرسم والتجسيد على تمثيل الناس والتفاصيل، لكن سارة تمارس نوعًا آخر من الفن، وهو الفن التقليدي الإسلامي، و ذلك سواء لإحياء مختلف الأحداث التاريخية أو لتمثيل وسط الثقافة الحجازية المثالي التي تتمنى أن تعيش فيه. أبدعت في مجال هذا الفن و عرضت أعمالها في مختلف المنصات و المعارض. شرعت سارة في دراسة الفنون الإسلامية في مدرسة الأمير للفنون التابعة لجامعة الأمير تشارلز. دراستها هناك هي التي فتحت لها الباب أن تبدع في مختلف الفنون التقليدية سواء الخزف، الحفر على الجبس، البلاستيك، و رسم المنمنمات. كانت تدرس التصميم في الكلية في جدة لكنها لم تجد نفسها فيه لأنها تبحث عن شيء مفاهيمي، لذلك انتقلت إلى لندن لدراسة الفنون الإسلامية و التقليدية. أغلب وقتها مخصص للفن، تشتغل على عدة مشاريع، منها تحويل بيت قديم في جدة التاريخية إلى متحف. بالإضافة أنها تعمل بدوام كامل كفنانة في هذا المجال.

مرآه: كيف بدأت حياتك الفنية؟

سارة: “منذ صغري و أنا أهتم بالفن. حتى أنني أجرب عدة وسائط لممارسة الفن، وكانت عندي ميول كثيرة للرسم و التصوير. كنت أعتبر كل ممارساتي كهواية فقط، لكن كل ذلك أصبح شيء مهنيًا عندما أخذت درجة البكالوريوس من جامعة التصميم في جدة و بدأت العمل في وكالة التصميم. لم أجد نفسي كثيرًا في التصميم، في كل أوقات فراغي كنت أذهب لممارسة الغرافيتي مع أصدقائي. جذب ذلك انتباه الناس كثيرًا، حيث كان الغرافيتي من أول الممارسات لي في فن الشارع. عندما بدأت أعمالي بالانتشار، لم أكن راضية تمامًا عن نفسي خاصةً بحملي لقب “فنانة شارع”. لذلك قررت أن أن أدرس الفنون التقليدية في جامعة لندن. وجدت أن التصميم ممارسة تجارية أكثر، أي فهي مجرد علاقة مع الزبناء لتكوين محتوى بصري. لكنني لم أكن مهتمة بهذا الجانب، بل كانت اهتماماتي منصبة أكثر على كل ماهو مفاهيمي، و دراسة الفنون التقليدية مكنتني أن أدخل لهذا الجانب أكثر.”

هل ترين أن دراسة الفنون التقليدية أفضل من التصميم؟

“أرى أن التصميم مكنني من استعمال من الأشياء الرقمية، كما أنني اكتسبت منه بعض الوسائل لمسايرة الفنون التي أرغب بممارستها. لكن دراسة الفنون التقليدية في لندن هو ما وجدت نفسي فيه كفنانة. ما بين الفنون التقليدية و التصميم، فكل حرفي فنان أو صانع خزف عندما يرى أعمالي، سيلاحظ أن فني جد معاصر. لذلك أحاول أن أستفيد من الخلفيات التي اكتسبتها سواء في التصميم أو في الفنون التقليدية لإخراج بصمة خاصة بي و أن أجد لغتي بها التي ستكون مستوحاة من كلا المجالين. التصميم أفادني في إعطائي الأدوات التي ستمكنني من أن أخلق جسر بين الفنون التقليدية حيث أن الفنان لا يستخدم فيها أي شيء جديد أو حديث، و التصميم حيث أن كل شيء رقمي و بالكمبيوتر.”

ما نوع الأعمال التي تقومين بها عادةً؟

“أنا بطبيعتي أحاول أن أجرب الكثير من الأشياء. فعادةً أشتغل على أعمال تكون مجموعة معينة تهتم بمحتوى و عنوان معين، حيث أن الوسط الذي أستخدمه يتعلق بكل مجموعة على حدة. أغلبية الأعمال التي أقوم بها الآن هي رسم على ورق عندما تخرجت ورجعت من لندن إلى جدة. لكنني أمارس مختلف الأعمال، فلدي بعض أعمال اشتغلتها على الخشب والخزف أيضاً.”

و كيف تجدين الأفكار لأعمالك؟

“أغلبية الأعمال تمثل هوية الفرد ضمن المجتمع، و أغلب الأشياء التي اشتغلت عليها جاءت من بعد رحلتي الشخصية في استكشاف هويتي كإنسانة من منطقة الحجاز، و كأهلي من مكة. أغلبية الأعمال تتمحور نحو هذا المحتوى. توجد الكثير من الطرق عن كيفية إيجاد أفكاري، لكنني أرى أن هذا هو مصدر إلهامي في كثير من الأعمال. الحجاز كان له ثقافة استثنائية جدًا، سواء في عادات المجتمع أو المعمار. لكن خسرنا الكثير من تلك الثقافة في ظل التغييرات التي حدثت، كل شيء قديم لم يعد موجودًا الآن، ما بقى من الحجاز هو سوى واجهة لا تمثله، سواء من الأبراج أو المباني السكنية العالية. لقد تم تدمير كل المؤشرات التاريخية بسبب تهميش قيمة التراث، الكثير منه كان مهمل حيث لا أحد يهتم فيه. استبدلت المباني الأثرية بمباني سكنية و ذلك لكي تستوعب الكثير من الناس، أو حتى لتوسعة الحرم. فقليلاً ما نجد شيء مذكور عن العمران أو تاريخ الثقافة الحجازية، لذلك أحرص في شغلي أن أركز على هذا المضمون، و أحاول أن أوصل للناس ما هو الحجاز، و ما معنى أن تكون من الحجاز.”

هل يوجد ما يميز الثقافة الحجازية أو الإسلامية في نظرك؟

“الحجاز هو هويتي أنا شخصيًا، لكن الذي جذبني للفنون التقليدية هي الفنون الإسلامية، و كيف أن الفنون هي امتداد للشخص والدين الإسلامي. الفن الإسلامي هو فن جد روحاني، وأظن أننا نفتقد الكثير من معانيه في الوقت الحالي، حيث أن كل شيء أصبح مادي. ممارسة الفنون الإسلامية هو شيء روحاني بالنسبة للفنان و المتلقي أيضاً، لأنه يشعر بكل الرحلة الوجدانية التي يمر بها الفنان في مرحلة خلق العمل، بالنسبة لي فإنني أهتم بالفن الإسلامي بشكل عام، وثقافة الحجاز بشكل خاص. الذي يميز الثقافة الحجازية والإسلامية هي أنها تحتوي على عمق لا يوجد الآن، سواء في الوسط الفني أو في أي من المجالات الأخرى عامةً. كل شيء أصبح سريع الوتيرة ومادي. لذلك فإنني أرجع إلى شيء فحواه جد روحاني، و أحاول أن أخلق منه شيء يمكن أن يمثل الناس والمجتمع.”

لنتحدث عن بعض أعمالك، لنبدأ بهاته الصور.

“ثلاثية ملجأ Trilogy of Refuge”

“هذا العمل يمثل رحلة أي لاجئ كما تصورتها. منذ بدأ المرحلة عندما يكون في وطنه إلى وقت وصوله إلى المنفى. أحاول أن أجسد في هذا العمل حالة أي لاجئ أو أي إنسان يشعر على أنه غريب في وسطه. العمل يتكون من ثلاثة صور، أول صورة هي مجموعة من الناس تسبح في الأمواج و تحاول أن تنجو بحياتها، فهي تجسد المعاناة أو صراع الحياة. اللوحة الثانية تجسد رجل و امرأة يستندان على نخلة، فهي تجسد مرحلة ما بعد الخروج من معاناة الصراع التي كانت في البحر، و هما يحاولان أن يكونا على الأرض. المرحلة الثالثة تجسد طائر العنقاء الذي يخلق نفسه من الرماد و كل ما احترق، و هذا يبين كيف أن الإنسان يمكن أن يخلق نفسه من جديد و من رحم المعاناة، و كيف أن المعاناة يمكن أن تكوّن إنسان جديد. في كل المراحل، توجد بعض الجمل من أغنية فيروز ”سنرجع يومًا“، و هي تجسد معاناة اللاجئين و ما يعني العودة للكثير من الناس المغتربين عن أوطانهم.”

“كل يغني على ليلاه Kul yoghani ala Laylah

“”كل يغني على ليلاه” عبارة عن سلسلة دمى على الخشب، استلهمت هذا العمل بعد فترة طويلة من ممارستي لفن المنمنمات. عمومًا هذا الفن كان الهدف الأساسي منه هو سرد القصص، فبعد ما درست هذا الفن و مزاولته، شعرت أن كل ممارساتي هي عبارة عن سرد وتكوين قصص. الدمى تجسد المثل، فهي شخصيات أنا خلقتها، منها المغنين و الراقصين و مؤديين من كل الأنواع على مسرح. اخترت العنوان لأنني أشعر أن المجتمع العربي يؤدي مسرحية، و أنه غير حقيقي في أقواله، أفعاله و حتى تصرفاته. حاولت أن أسخر من الوضع الذي أرى المجتمع فيه وأجسده كعبارة عن مسرحية.”

 

   “Gilded Path الطريق المذهب”

“عملت على هذا المشروع في شكل تركيب، في معرض “تدفق” في جدة. هو عبارة عن ورق معدني مذهب يشكل مسار متاهة، حيث يمكن للشخص أن يمشي خلال هاته المتاهة. الفكرة هي نوع من الفنون التأملية، فالغرض منها هي أن بدل من أن يضيع الإنسان الطريق في المتاهة، فالدخول منه هو نفسه المخرج، أي واحد يمكنه الدخول إلى المتاهة في خط وحيد و مستقيم إلى أن يصل إلى المركز. مرحلة الوصول إلى المركز في هاته التجربة تمكن الشخص من أن يرى الطبق الذي كان يبدو جد معقد، عندما يدخل تتضح له كيف أن المسار جد بسيط، فهو مسار واحد و لكن يبدو بمسارات مختلفة. حاولت أن أقدم هذا النوع من أنواع الفنون التأملية و الذي هو قديم جدًا، كما أنني أدرج فكرة الصراط في الدين الإسلامي، أنه مهما تغيرت الطرق الذي يحاول الإنسان أن يمشيها في حياته، في النهاية إذا رآها الإنسان من منظور أكبر فهو طريق واحد و يؤدي إلى مكان واحد.”

 

Qusasat قصاصات”

“عندما رجعت من لندن، أردت التخلص من الكثير من الأشياء خاصةً الكتب، فوجدت عندي رواية ”عبير“ التي كانت جد مشهورة في الثمانينات والتي في رأيي ليس لديها أي معنى، و لم أقرأ تلك الرواية قط. لذلك قررت أن أصنع منها شيء فنّي بدلاً من أن أرميها في النفايات. ”قصاصات“ كانت مثل بداية الرسم لمشروع ”الكل يغني على ليلاه“، لأن نفس الشخصيات التي عملتها في المجموعة كانت موجودة في ”قصاصات“ أيضاً، لكن ”قصاصات“ خلقت قبل مشروع ”كل يغني على ليلاه“، فهي مثل مرحلة تجريبية.

ذلك العمل كان  كنموذج عن الفن التلصيقي، توجد بعض القطع من الكتب التاريخية. فمكة عبارة عن الثقافة الحجازية، و البنت الواقفة أمام الكعبة تمثل الجزء الفضولي داخلي الذي يريد أن يعرف كل شيء عن مكة وكيف كانت قبل أن تتحول إلى مدينة حديثة و تخسر الكثير من معالمها والكثير من طبيعتها. فحاولت أن أجسد المكة التي كنت أتمنى أن أعيش فيها، وهي ممثلة في هذا العمل. يمكن أن نرى في اللوحة التضاريس التي كانت موجودة حولنا، حيث أن العمران والجبال موجودان و متجانسان معًا.

هذا العمل يجسد دخولي للفن الإسلامي، لأنني لم أخطط أن أدخل هذا الفن من قبل، خاصةً أنني كنت أقوم بأعمال مختلفة من قبل كالكرافيتي وفن الشارع. وعندما وجدت نفسي أمارس الفنون التقليدية أو الإسلامية، واعتبرتها رحلة روحانية أكثر. كما أن الفن الإسلامي يجسد جزء كبير من أعمالي وهو يدفعني إلى البحث عن  ذاتي. عند دخولي هذا الفن، قد خرجت منه إنسان مغاير تمامًا وهذا ما يمثله العمل الثاني من السلسلة.

إنه عمل يمثل رحلة الإسراء و المعراج، و هاته الرسمة يمكن أن تجدها في العديد من الثقافات كالعثمانية والفارسية أو حتى الهندية. نماذج كثيرة حاولت أن تسلط الضوء على رحلة الإسراء و المعراج. شخصيًا، فكرت أن أذكر قصة الإسراء و المعراج و في نفس الوقت، أتعامل معها كأنها متماشية مع وقتنا الحالي كأنها قطعة معاصرة. خاصةً أن هذا الفن لم يعد ممارسًا من طرف الكثير من الناس، وحتى الفنانين يعيدون نسخه كما هو. لذلك قمت برسم المباني، لتبيين طابع من العصرية في الصورة، و كذلك لحث الناس على التفكير في القصة.”

مقالات مقترحة

نساء يوجّهن رسائل المحبة والدعم للشخصيات المؤثرة في المجتمع
عملت المرأة السعودية طوال السنوات الماضية على إثبات وجودها في مختلف المجالات والقطاعات، وذلك لرغبتها في أن تكون مُشارك رئيسي...
مقابلة مع المخرجة السعودية مرام طيبه
"ذوي الاحتياجات الخاصة؟ هل كل ما يحتاجه هو كرسي متحرك؟" إجابة هذا السؤال بنعم قد تعكس عدم الوعي الكامل للعالم...
سعوديات يحكين عن تجربتهن في الحصول على رخصة قيادة
بعد مضي العام على صدور القرار السعودي الذي نص على السماح بقيادة النساء للسيارات في المدن السعودية، شهدت مراكز المرور...