نساء عربيات يتفوقن في ابتكار فنهن الخاص: يسرى الهواري

تتميز يسرى في الغناء وعزف الأكورديون بأسلوب فني مستقل.
زينب حسين

March 19, 2019

وقت القراءة: 7 الدقائق

بدأت يسرى ذات 35 عامًا تعلم الموسيقى الكلاسيكية والبيانو من سن صغير جداً. درست الفنون الجميلة لديكور المسرح والسينما في الجامعة، وعندما تخرجت بدأت تشتغل في المسرح كممثلة ومؤدية في القاهرة سنة 2006 مع فرقة الطمي المسرحية. بدأت العزف على الأكورديون في 2010 بالصدفة عندما وجدت أكورديون صغير في بيتها القديم وقررت أن تحاول العزف عليه. بدأت التعلم على انفراد، وبعد بحثٍ طويل عن مختلف المعاهد لدراسة الآلة والاحتراف فيها، سافرت يسرى إلى فرنسا سنة 2014 لتدرس في مدرسة الأكورديون بجامعة كليرمون فيران. عندما رجعت للقاهرة بدأت العمل على ألبوماتها الفنية، لتتميز بعد ذلك في الساحة الفنية المصرية للموسيقى المستقلة.

تصوير فؤاد البطراوي

 

مرآه: كيف بدأت حياتك الفنية؟

يسرى: “لا يوجد أي أحد في عائلتي يمارس الموسيقى أو الفن. لكن اهتمامي بالفن كان منذ طفولتي، دائماً في المدرسة كانوا يبعثون رسائل لأهلي حيث يقومون بإخبارهم أنني بارعة في الفن والموسيقى. من بعد ذلك استجابوا أهلي لرسائل المدرسة واتخذوا قرار أن أبدأ دروس الموسيقى. فقد درست الفنون الجميلة في الجامعة أيضاً، كنت أرسم وكنت أهتم عمومًا بالفنون. لكن في السنة الثالثة تخصصت في ديكور المسرح والسينما، حيث كنت أقرأ كثيرًا عن المسرح، في ذلك الوقت اهتممت كثيرًا بالمسرح وشعرت أنه يجب أن يكون لدي مكان ما فيه. أول ما تخرجت من الجامعة، بدأت العمل في شركة إعلانات كمديرة فنية ومصممة جرافيك لمدة 6 سنوات، وذلك بالنسبة لي كان عمل لربح المال فقط، في نفس الوقت كنت أشعر أنه يجب علي عمل شيئًا آخر، لذلك حاولت أن أعمل في المسرح كذلك لكنه كان شيء صعب أن أوفق بين الإثنين”.

ما علاقتك بفن تصميم الغرافيك؟

“كنت أحب الرسم، كما أنني كنت استخدم الحاسوب منذ صغري، لذلك كان أمر سهل أن أمارس تصميم الغرافيك، وقد أفادني كثيرًا. عندما اتخذت القرار في أن استقيل من العمل وأن أركز على الموسيقى فقط، شرعت في تصميم كل إعلانات الحفلات الخاصة بي وحتى واجهات الألبوم، وتعديلات مقاطع الفيديو الكليب الخاصة بي. استخدمت كل المهارات التي اكتسبتها عند ممارستي للغرافيك في عملي الآن”.

ألم تكن استقالتك من عملك مجازفة؟

“نعم كانت مجازفة، وقد مر وقت طويل بدون أي دخل مادي. من الصعب أن يكون لك من الموسيقى مدخول خاصةً في مصر، وفي الكثير من الأحيان فإنني أدفع النقود من أجل إنتاج أعمالي وتنظيم الحفلات. لكنني كنت أعمل أن أدخر المال من جهات أخرى لها علاقة بالموسيقى، مثلًا في سنة 2014 كنت أعمل كمذيعة على برنامج راديو، حيث كنت أعمل على تقديم برامج الموسيقى المستقلة. كنت أعمل أيضاً على تقديم ورشات الموسيقى والكتابة مع الأطفال والمراهقين مع جمعيات ومؤسسات. من بين أهم الورشات كانت للاجئين السوريين في لبنان وذلك لجعل الأطفال يعبرون عن ما بداخلهم بطريقة موسيقية. فهاته الطرق التي كنت اتخذها لجني المال والتي لم تكن بعيدة عن الموسيقى”.

 

لماذا اخترت آلة الأكورديون؟

“اختياري لآلة الأكورديون كان صدفة في البداية، لأنه كان لدي أكورديون صغير من المدرسة، وفي 2009 وجدته بالصدفة في بيت أهلي وبدأت أعزف عليه، فقد أُعجبت بصوتها الجميل. وبدأت أبحث عن دروس لتعلم الأكورديون، لكنني لم أجد أي فرص في مصر. لذلك أخذت الموضوع كتحدي، رغم أن الناس من حولي كانت دائماً تعلق على أن الأكورديون كان كبير على جسمي الصغير، أو أنه لا توجد فتيات تعزف أكورديون، فكنت عندما أسمع مثل هاته التعليقات تصبح لي رغبة أكثر في أن أكمل في مساري كعازفة أكورديون. خاصةً أنني شعرت أنها آلة قد بدئت تختفي مع الأجيال الجديدة، وأنها آلة مهمة ورغبت كثيرًا أن أحافظ على بقائها. عندما لم أجد أي مدارس أو معاهد تختص في الآلة هنا في مصر، حببت أن أخوض التحدي وأن أبدأ في تعلمها. تعلم الآلة كان صعبًا بالنسبة لي في البداية، لكنني ضغطت على نفسي لأتابع، وكل ما كان يمر الوقت كنت أحب الأكورديون أكثر لأنها آلة صوتها عالي ولا تحتاج إلى ميكروفون، كما أنه لها علاقة بالترحال والسفر والغناء في الشارع. أشعر أنها آلة غجرية وثورية، حيث لها حكايات وثقافات تنقل، فتوجد في الكثير من البلدان ويتم العزف عليها بطرق مختلفة. فقد بحثت كثيرًا عن الأكورديون ووجدت أخيرًا مدرسة الأكورديون في فرنسا، كان مكانها معزولًا قليلًا حيث يمكنك التركيز على الموسيقى كثيرًا. في دراستي هناك، كنت حرة لاختيار المنهج التي أريد أن أدرس به، وقد كنت أعزف الآلة لمدة خمس سنوات، لذلك أردت أن أعرف الطرق الصحيحة في العزف”.

ما هي أنجح لحظة في حياتك الفنية؟

“توجد الكثير من اللحظات التي اعتبرتها لحظات نجاح في حياتي، والتي لم أكن أتوقعها بتاتًا. أول بداية مع أغنية “السور”، كانت بداية غير متوقعة، لم تكن لي أي خطة لمشروع فني. فقد كتبت الأغنية وعرضتها على أصدقائي، فلم أكن محترفة في الأكورديون حيث كنت أعزف بطريقة بسيطة. فعندما عملت على نشر الأغنية، انتشرت انتشارًا كبيرًا جداً، مما فاجأني. فالكثير من الناس عرفتني وبدأت تكلمني رغم أنني لم أكن محترفة بعد، بالنسبة لي ذلك العمل حملني من مكان إلى مكانٍ آخر واعتبرته أول حدث هام في حياتي. في حدثٍ آخر عندما كلمني المخرج المصري محمد خان من أجل العمل على أغنية فيلم “فتاة المصنع”، كانت بالنسبة لي لحظة سعيدة جدًا، لأنه هو أكثر مخرج أحبه، كان من الأشخاص الذين تمنيت العمل معهم، وكونه يفكر في العمل معي كانت مفاجأة بالنسبة لي. من أنجح اللحظات، كانت أيضاً عندما حصلت على منحة آفاق لتحضير ألبوم، وعندما أنهينا التمويل الجماعي من أجل التسجيل. توجد الكثير من اللحظات التي سعدت بها حقاً في مساري الفني. لكن حتى في الأخير أنا دائماً كثيرة الشك بعد كل اللحظات الناجحة، لأنني أفكر بالأسباب التي أدت إلى ذلك لأننا نعيش في وقت حيث أن ليست كل الأشياء المشهورة بالضرورة جيدة”.

أسلوبك في الغناء مختلف جداً عن الأسلوب العام الذي يوجد في صدارة الإعلام والذي يكون له هدف تجاري فقط، لماذا اخترت منهج مختلف؟

“أنا أحاول أن أكون حقيقية في التعبير عن نفسي لأن الموسيقى تنبع مني وتعكس حياتي في القاهرة وأفكاري اتجاه المستقبل أو أحلامي اتجاه المكان الذي أعيش فيه. فكل شيء شخصي، حتى طريقة التلحين، ولا أظن أنني أفكر كثيرًا في شكل المنتج لأنني أحاول أن أكون معبرة بشكل صحيح عن نفسي وعن المكان الذي أعيش فيه. بخصوص الموسيقى التجارية، أظن أن لها تصنيفات غير دقيقة، لأنه شكل إنتاج فقط وليس شكل تلحين. ولكن في بلدنا فالفارق واضح بين الموسيقى التجارية والموسيقى المستقلة، وهذا أدى إلى هذا التصنيف. في دول أخرى يكون التصنيف متعلق أكثر بالنوع أو الصنف، ولكن هنا الموسيقى التجارية شكلها ثابت حيث تتشابه كثيرًا على مدار سنوات طويلة، لها شكل واحد في التلحين والإنتاج الموسيقي والأصوات المستخدمة. عندما بدأ الناس يعملون خارج هذه الطريقة المعتادة، بدأت تظهر تلك التصنيفات كموسيقى تجارية وموسيقى مستقلة. أرى أنه يجب أن تكون هناك طرق مختلفة في كلا الصنفين، يجب أن يكون هناك تنوع في أشكال الموسيقى وكذلك تجارب لأصوات جديدة وكلمات وهندسة صوتية مختلفة. في مصر توجد الكثير من الأفكار الجميلة، ولكن المشكلة هي عندما تعمل الناس مع المنتجين، يفرض عليهم الالتزام بأساليب موحدة والتي تفقد الفنانين أساليبهم الأصلية. لذلك فضلت أن أعمل بدون منتج، لكي لا يفرض أي منهج معين يجب علي اتباعه، فأريد دائماً أن يكون لي حرية الاختيار في طريقة التسجيل والوقت، ولن تكون لي حرية الاختيار في العمل إذا كنت أعمل مع منتج معين”.

هل هناك أي رسائل تنوين إيصالها من خلال فنك للمستقلين وما هي القضايا تنوين الغناء عنها؟

“في رأيي ليس من الضرورة أن يكون الفن لتعليم الناس أو رسائل للمجتمع. فالفن لا يعطي إجابات بل يطرح أسئلة. فأنا أعبر عن نفسي وعن ملاحظاتي، وعن تجربة امرأة في عمري تعيش في القاهرة وعن تجاربها. فمثلًا أغنية “في الشارع” تتحدث عن القبلة، أن كل شيء يمكن أن يحدث في الشارع، الناس يمكن أن تشتم وتضرب وتقتل بعضها البعض، وتتشرد لتنام على الأرض، ولكنها فضيحة كبيرة لو قبلنا بعضنا البعض في الشارع. لكنني أحاول أن أتحدث عن نفسي أكثر، فكل الأغاني تقريبًا تكون عن مواضيع شخصية، رغم أنني لست دائماً من يؤلفها. وفي بعض الأحيان تكون مضحكة، فمثلًا في أغنية “جيسيكا”، فالحكاية شخصية عن الفتاة التي أخذت مني خطيبي، الأغنية عندما أغنيها في أي مكان وحتى في أوروبا أو أمريكا يتفاعل الناس معها بشكلٍ رائع. عندما اختارتنا السفارة الأمريكية في المصر للقيام بجولة في أمريكا لمدة شهر، وكانت لأول مرة نقابل الجمهور الأمريكي، كان شيئًا مبهرًا كيف استقبلت الناس الأغاني والحكايات، حتى أنهم كانوا مهتمين بعد الحفلة أن يتحدثوا معي ويسألونني عن الحكايات وشعروا بها بشكلٍ كبير رغم أنهم لم يفهموها. أنا الآن في مرحلة كتابة أغاني جديدة، لأن السنة الماضية قضيتها في التجوال من أجل العروض فقط. أنا حاليًا متوقفة عن الحفلات وأعمل على الأغاني القادمة، وليست لدي خطة معينة لكنني في طور الإشغال فيها”.

هل واجهت أي تحديات خلال مسارك الفني؟

“أكبر تحدي لفنان مستقل في مصر هو أنه يستمر مع كل الضغوطات المادية، الأعمال الفنية الجيدة تحتاج إلى وقتٍ طويل وصبر، وتوجد مسؤوليات أخرى كالإيجار والمصاريف اليومية. توجد الكثير من الناس لا تكون قادرة على إكمال المسيرة الفنية، لذلك يبدأ الإنسان بالبحث عن أشياء أخرى بديلة ليصرف عن نفسه. أكبر تحدي أيضاً هو أنه لا يوجد أي مساعدات للفنانين في مصر، يوجد ضعف عام في الأماكن والإمكانيات التي تشجع الناس أن تتمرن فيها. وتوجد عوائق أكبر بكثير، مثلاً لتنظيم حفلة في مصر، يجب عليك دفع مبلغ هائل من التصريحات والضرائب، في الأخير قد ينتهي الحال في عدم قدرة دفع المبالغ المادية من أجل كل ذلك، وخاصةً لو أن الحفلة كانت بتذاكر رخيصة وأنت تحتاجين دفع الإيجار للمكان. يوجد ظلم كبير، فنفس الأشياء التي تطبق على تامر حسني نفسها تطبق على فرق في بدايات مسارها الفني والتي ليست لديها نفس الإنتاج. العمل الفني في مصر صعب ومحدود جداً، والأماكن التي يمكن أن تمارس فيها الأنشطة فهي فقط في القاهرة، ورغم ذلك فإنها قليلة جداً. وكل هذه تحديات صعبة تجعلني أستيقظ كل صباح وأسأل  نفسي، هل الأمر حقاً يستحق أن أبذل كل هاته المجهودات وأن أتعرض إلى ضغوطات عصبية، لأنني أحتاج إلى أن أدفع الكثير من التصريحات والنقود بلا ربح مادي، و هذا يدعني أشك كثيرًا في الجدوى من كل أعمالي”.

من هم مشاهديك ومستمعيك؟

“أتمنى أن لا تكون لي قدرة أن أفكر في نوعية المشاهدين قبل ما أكتب أغنية معينة، في رأيي هاته القضية تفسد الفنان. ولكن أرى أن أكثرية المشاهدين يكونون شباب جامعة، وفي بعض الأحيان يوجد ناس كبيرة في السن. عند قيامي بحفلات خارج مصر، يكون الجمهور مختلف ونحن نختبر كيفية تلقي الجمهور الأغاني باللغة العربية، و كيف يتفاعلون معها”.

إذا خيروك بين المسرح والغناء فماذا ستختارين؟

“أنا أشعر أنهما قريبين جداً من بعض، خاصةً أن مشروعي الغنائي، أشعر أنه مسرحي أكثر مما هو غنائي، لأن صوتي لا يعتبر صوت طربي أو صوت قوي يعتمد على قوة الغناء. دائماً في حفلاتي الغنائية أعتمد على التعبيرات والأداء أكثر، توجد الكثير من الناس التي تحضر الحفلات وتقول لي أنني أشبه المسرحيين الفرنسيين، وذلك هو تأثير الأكورديون حيث يوجد تشابه كثير للمدرسة الفرنسية في الغناء، حيث أروي بضع حكايات وأؤدي مقاطع مسرحية خاصةً في العروض المنفردة. يوجد جزء كبير له علاقة بتعبيرات الوجه والتمثيل أثناء الغناء”.

تصوير ديفيد ساروي

مقالات مقترحة

حكايات من دفتر التمييز بسبب الحجاب: نساء واجهن الرفض بسبب مظهرهن
تصوير شروق غنيم لا زال كفاح النساء مستمرًا للحصول على حريتهن وحقوقهن المهدرة في مجالات العمل والحياة الاجتماعية، ولا زلن...
المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي
تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات...
برامج الطبخ في رمضان: منافسة جندرية
الصورة من شترستوك مع قدوم شهر رمضان، تتنافس البرامج الفضائية على جذب المشاهدين من خلال برامج الطهي. وتقدم كل قناة...
قائمة مرآه الموسيقية: صورة المرأة في الأغاني الشعبية الحديثة المعروفة بالمهرجانات
اتخذت أغاني ”المهرجانات“ مكانة بين مستمعيها، تتضاعف كل يوم ورغم ظهورها الذي لا يتعدى عشر سنوات، فإنها أخذت في الانتشار...