نهوض وسقوط بطلات جيم أوف ثرونز

التطور الدرامي للشخصيات النسائية يأت على قدر من التنميط الذي يُقدم فقط عن طريق تعريفهم كنساء تقودهم العاطفة.
دنيا كمال

May 22, 2019

وقت القراءة: 6 الدقائق

رسوم مريم مسفيوي

[تنبيه حرق أحداث المسلسل]

شاهد الجميع منذ يومين، العشرين من مايو، الحلقة الأخيرة التي أنهت الموسم الثامن والأخير من مسلسل صراع العروش والذي تابعه الملايين حول العالم، ومع انتهاء أحداث المسلسل الشهير تتركنا نهايات الشخصيات النسائية تحديدًا في جدل لا ينتهي حول الخطاب الذي يقدمه المسلسل في تقديم صورة المرأة في خضم الأحداث المتتابعة منذ الموسم الأول وحتى نهاية الموسم الثامن.

 

العصور الوسطى تبرر كل شيء

بدأت الأحداث في شكل ظهر في البداية كدراما تحتوي على مشاهد عنيفة وكراهية للنساء وعشرات من مشاهد العري والاغتصاب والعهر الذي ظهر في مشاهد بيوت الدعارة في ”كينجز لاندينج“ وغيرها. وظهرت البطلات الرئيسيات للمسلسل في صور مزرية من الضعف مع سيطرة واضحة من الرجال على الأحداث في إشارة أن كل شيء يُسمح به في زمن أقرب للعصور الوسطى التي لم تحصل فيها المرأة على حقوق أو امتيازات من أي نوع.

تأت الشخصيات النسائية الرئيسية متمثلة في ”دينيريس تارجاريان“ (داني) و”سيرسي لانستر“، الأولى امرأة تخطو خطواتها الأولى في عالم النساء البالغات، تعيش كلاجئة وهاربة في قارة أخرى وتخضع لأخيها الذي يبيعها لقائد جيوش ”الدوثراكي“ في مقابل أن يساعده على استرداد حكم عائلته في قارة ”ويستروس“، أما الثانية فهي زوجة الملك الحاكم للسبع ممالك، تبدو منذ البداية قوية وذكية وتحاول السيطرة على مجرى الأحداث ولا يمر وقت طويل قبل أن تتخلص من زوجها لتقوم بالسيطرة على الممالك السبع مع حكم ابنها غير الشرعي.

 

بدايات الشخصيات النسائية

نجد الشخصيتان تتحدثان منذ الموسم الأول بكثير من الانبطاح والاستسلام لكل من الأشخاص الذين دفعوا بهم إلى الزواج من رجال لا يطيقونهم من أجل تحقيق مصالح تخص القوة، ونجد أيضاً على مدار الأحداث تطور كبير في شخصية الاثنتان. تبدأ شخصية دينيريس تارجاريان، صاحبة الحق الأوضح في الحكم في عالم يعترف بتوريث الحكم لأفراد عائلته، في التطور تدريجيًا، ولكن بشكل يثير الاستغراب في نفوس الكثير من النساء المتابعات للحلقات. فبعد أن يغتصبها زوجها ”كال دروجو“ وبشكل مستمر يظهر على الشاشة وفي لقطات ليست قليلة، تسعى داني إلى كسب ثقته وحبه عن طريق تعلمها لأوضاع جنسية مختلفة من خلال مساعدتها ”دوريا“ التي تخبرها أنها تعلمت كيف ترضي الرجال منذ كانت في التاسعة من عمرها. تلك الإشارات من الصعب أن تمر مرور الكرام على أي امرأة تجلس أمام التلفاز في غرفتها لتشاهد هذا النوع من محاولة التنميط وإظهار المرأة أنها لن تستطيع الوصول إلى قوة مجتمعية إلا عن طريق استخدام نفسها كأداة جنسية في محيطها الاجتماعي. كانت هذه المشاهد هي الأولى في المسلسل التي تعطي انطباع عام أن هناك شيء يثير الغضب بشكل أو بآخر، خاصةً عندما تحولت العلاقة الزوجية بين دينيريس وكال دروجو من الاغتصاب الزوجي إلى علاقة مليئة بالحب والعاطفة. بالنسبة لي كامرأة وبشكل شخصي تمامًا لم أسمع في حياتي عن امرأة تقع في حب شخص اغتصبها من قبل.

 

شاهدوا ردة فعل خالتو لولو وهي تشاهد جيم أوف ثرونز لأول مرة في حياتها:

 

المرأة سبب كل الشرور

ولكن، وإن ابتعدنا قليلًا عن التفاصيل التي يعرفها كل متابعين مسلسل صراع العروش فسنجد أن التطور الدرامي للشخصيات النسائية يأت على قدر من المستحيل إغفاله من التنميط الذي يُقدم فقط عن طريق تعريفهم كنساء تقودهم العاطفة وتخلو عقولهم من المنطق مما يقودهم إلى الموت أو الجنون. وباستثناء ”آريا ستارك“ و”يارا جريجوي“ و”بريان أوف تارث“، نرى باقي الشخصيات النسائية إما مسطحة للغاية مثل الشخصيات الثانوية التي لم تظهر كثيرًا مثل ”تاليسا ستارك“ زوجة ”روب“ التي تعمل كممرضة لا رأي لها في الحرب ولا يهمها سوى الزواج من روب حتى إن تسبب هذا في خسارته للحرب. وبالفعل يلوم معظم شخصيات المسلسل النساء على أي خسارة سياسية تحدث لهم، فنرى كبير عائلة ”الكارستارك“ يلوم روب على خسارته الحرب بسبب زواجه من تاليسا، أما روب نفسه فيلوم أمه التي يرى أنها انقادت وراء مشاعرها عندما حررت ”جيمي لانستر“ ولم تفكر في الهدف الأكبر وهو الحرب. أما سيرسي لانيستر فجميع الكوارث التي تقوم بها يعيدها الكُتّاب إلى طبيعتها كأم تحاول حماية أولادها، ويُقدم هذا في العمل على أنه أمر لا يقود سوى إلى العنف والجنون.

وإن وضعنا كل هذا جانبًا ونظرنا إلى الشخصيات التي مرت بتطورات ضخمة مثل شخصية دينيريس تارجاريان، فإن قررنا أن ننحي جانب الاغتصاب الزوجي ونعتبر أنها على قدر خارق من القوة يكفي لأن تتجاوز هذه التروما (صدمة نفسية) وتنتقل من موضع قوة إلى الآخر، فنجد أن الكتاب قرروا في النهاية أن يصفوا قراراتها بالعاطفية والاضطراب العقلي وأيضاً الاندفاع الذي يصاحب كونها امرأة تحكم جيوش ضخمة، ولم يتوانى المشاهدين – ذكورًا وإناثًا – من تبرير الجنون الأخير الذي أدى بها إلى حرق العاصمة بأكملها وهدها على رؤوس المدنيين أنه حدث بسبب رفض ”جون سنو“ أن يستجيب لرغباتها الجنسية في الليلة الأخيرة قبل المعركة، وانهالت المنشورات التي تهتف أن السبب الرئيسي في جنون دينيريس هو الرفض العاطفي والجنسي الذي عانت منه قبل ساعات من المعركة.

ًأما سيرسي، ففي موسم سابق قامت بحرق معبد”بيلور“ على رؤوس أعدائها أيضاً في لفتة انتقامية أعادها الجمهور أيضا لكونها امرأة لا تتحلى بالتروي الكافي، فهي ليست مثل أبيها الأذكى كثيرًا، والذي يومًا ما برر ”الزفاف الدامي“ بأنه حدث على قدر كبير من الرحمة انتهت فيه الحرب عن طريق قتل بضع عشرات في حفل بدلًا من مئات الآلاف في ساحة المعركة. وعلى الرغم من القوة التي تحلت بها سيرسي منذ بداية الأحداث، اختار الكتاب أن يمنحوها نهاية رقيقة وهي تبكي قبل موتها مباشرةً، لأنها في النهاية امرأة خائفة بل وأيضاً حبلى.

 

النساء القويات في صراع العروش

على صعيدٍ آخر ظهرت شخصيات مثل يارا جريجوي كمثال للمحاربة غير المبالية ولكنها في نفس الوقت تظهر كامرأة ذات ميول مثلية لا تهتم بأي علاقات عاطفية ولم نرى لها حتى علاقة واحدة طبيعية مع امرأة، بل على العكس ظهرت بشكل أقرب للذكور وهي تغازل النساء في إحدى بيوت الدعارة وتتعامل بنفس المنطق الذي يتعامل به أقرانها الرجال من تشيئ للنساء في سياق الأحداث. أما المحاربة الأقوى والأكثر نبلًا وهي بريان أوف تارث، فيقدمها الكتاب كامرأة قوية تحترف القتال وتمتلئ بعقد النقص بسبب تنمر الرجال من حولها على شكلها وطولها المبالغ فيه الذي يصل إلى تسميتها بـ”الجميلة بريان“، التسمية التي يقصدون عكسها تمامًا. وتظهر بريان أيضاً كفتاة عذراء لا تجارب لها على الإطلاق في الجنس أو في العلاقات إلى أن يقوم جيمي لانستر بفك عقدتها ويمارسان الجنس في الموسم الأخير قبل أن يهجرها ذاهبًا إلى سيرسي.

ربما استطاع الكُتّاب أن يجدوا مبررات كي تجن النساء في جيم أوف ثرونز، وربما لا يكون تقديمهم بهذا السوء على الرغم من كل شيء، وربما اختلفت أيضاً الأحداث في منتصف القصة التي قدمت المرأة بشكل مغاير بل وبه بعض من القوة. بالتأكيد لم تكن دينيريس تارجاريان ضعيفة عندما حررت إقليم العبيد بأكمله وقادت جيوش الدوثراكي وجيوش الأنصاليد في رحلتها الطويلة. أيضاً لم تكن سيرسي امرأة خائفة عندما كان شبح هزيمة معركة ”بلاك ووتر“ يحوم حول قلعتها وكانت على وشك تناول السم مع ابنها، الحل الذي وجدته وقتها أفضل من الهزيمة، ولا شك أن آريا كانت مثال للبطلة الشجاعة التي تصر منذ كانت طفلة على القتال والانتقام لعائلتها على الرغم من كل شيء. بالتأكيد أيضاً أن في منتصف الأحداث – الموسم الرابع والخامس – لم يكن التركيز على تنميط بطلات المسلسل بهذه القوة مثل المواسم الأولى ومثل المواسم الأخيرة. ولكن مع إصرار الكُتّاب أن تنتهي القصة بهذه السذاجة الشديدة التي تؤدي إلى عدم انتباه البطلة الرئيسية للأحداث إلى الخيانة القادمة من حبيبها، بل وتترك غرفتها بلا حراسة وترمي نفسها في أحضانه دون الانتباه أنه على وشك طعنها بعد لحظات، فهذا يبدو كأنه إصرار من هؤلاء الكتاب على إظهارها بذكاء حتمًا أقل من الذي رأيناه بها طوال المواسم السابقة.

هل أعطت جيم أوف ثرونز ما تستحقه بطلاتها في تلك النهاية؟ هل يجد الكتاب الحاليين بطلات جيم أوف ثرونز على قدر من الذكاء أو من الاستحقاق الذي يجعلهم يبدأوا قصصهم كأشخاص لديهم فرص متساوية أم فقط يتناولهم السرد كأدوات من أجل دفع رجال ويستروس إلى مصائرهم؟ من المؤكد أن الكُتاب دفعوا ببطلات المسلسل إلى الكثير من المعاناة التي لا نراها بنفس التوازن مع الأبطال الذكور الذين تنحصر معاناتهم في الحروب وفي استخدام سيوفهم في المبارزة في معارك ضخمة. من المخيف أيضاً أن نجد إحدى الشخصيات المفضلة مثل جيمي لانيستر وهو يجبر سيرسي على ممارسة الجنس تحت جثة ابنها في الموسم الرابع، الأمر الذي لم يدفع الكثير من المشاهدين – أكثرهم نساء – إلى كراهية جيمي، إحدى الشخصيات المفضلة لديهم على الرغم من كل شيء، بل وربما تعمد الكثيرون أن يتناسوا هذا المشهد حتى إن كان هذا الفعل لا ينتمي فقط إلى العصور الوسطى وإنما يحدث طوال الوقت لنسبة غير قليلة من النساء حول العالم.

الأزمة هنا ليست في تقديم مشاهد عنف جنسي ضد النساء في مسلسل تليفزيوني أو في مشهد سينمائي أو حتى في رواية، فهذه أشياء تحدث – ليس فقط في ويستروس – وإنما في كل بلاد وقارات العالم، أما الأزمة الحقيقية فهي عدم الوقوف أمام هذه المشاهد والتعامل معها على أنها أمر واقع، شيء من الطبيعي أن نتقبله كمشاهدين وكنساء وجزء من الواقع الذي نعيشه فلا يفزعنا عندما نراه سواء في العالم الخيالي أو في العالم الحقيقي.

 

نهايات محبطة

جاء الموسم الأخير كبيان واضح للتقليل من شأن معظم الشخصيات النسائية، فسيرسي تقبل بممارسة الجنس مع ”يورون جريجوي“ الذي لا يهتم إلا بمضاجعة الملكة في مقابل خدماته في الحرب، داني تفقد عقلها وتحرق المدينة بأكملها عندما يرفض جون سنو ممارسة الجنس معها، آريا تقرر أن أهم شيء يجب أن تقوم به قبل معركة الليل الطويل هو ممارسة الجنس مع جندري، ”سانسا ستارك“ تشير إلى اغتصابها من ”رامزي بولتون“ ومن معاملة ”جوفري براثيون“ الوحشية معها كتجارب ضرورية كي تصل إلى ما وصلت إليه من خبرة وذكاء، حتى آريا تظهر في لقطات حرق كينجز لاندينج وهي خائفة وتهرب من موقع المعركة على الرغم من استثمار الكتاب فيما سبق لكثير من الحلقات في تطوير مهاراتها القتالية سواء مع ”سيريو فوريل“ أو ”ساندور كليجين“ أو في ”برافوس“ مع ”جاكن هاجار“، تلك المهارات التي لم تجعلها مؤثرة بالشكل الكافي في المعركة الأخيرة.

 

في الحقيقة أنني أعتبر نفسي من أكثر متابعي مسلسل جيم أوف ثرونز ولاءً، وأعتبر أيضاً أنه من أفضل ما كُتب للتليفزيون في السنوات الماضية إن لم يكن في العموم، وفي الحقيقة أنني مثل غيري، تزعجني التأويلات المبالغ فيها ومحاولات لَي أعناق القصص المسلية حتى نخرج منها بتنظيرات يراها البعض مقحمة ومبالغ فيها، ولكن للأسف هذا الموسم فاق كل التصورات في مدى سوء نهايات الشخصيات وتنميط كل بطلات المسلسل اللاتي إما يفعلن أشياء غاية في الجنون أو العنف، مما يهدم أي تطور مرت به الشخصيات لدرجة تصل إلى التحقير منهن أو إظهارهن وكأن مصدر قوتهم الأوحد جاء من تجارب عنيفة أو جنسية.

من الأفضل أيضاً ألا ننظر للمسلسل كنسويات غاضبات يحملن الأمور أكثر من حجمها لأننا في النهاية نتحدث عن مسلسل تليفزيوني تجاري هادف للربح وخاضع لإرادة صناعه دون النظر إلى تأويلات نسوية حانقة، ولكن أيضاً من المهم عدم إغفال أن التركيبات النفسية التي يكرسها المسلسل للنساء هي صور صادمة وتعيسة ومن المحبط أن يصر مسلسل كان على قدر ضخم من الذكاء حتى الموسم السادس على الأقل، على تصوير المرأة بهذا الشكل المخزي الذي لا تكتمل فيه نهاية شخصية نسائية واحدة ناجحة – ربما تعتبر آريا هي الشخصية الوحيدة – دون الرجوع إلى أن السبب في نجاحها يعود فقط إلى رجل اغتصبها أو عنفها يومًا ما. هذا نوع من النهايات لا يثير سوى الحزن والغضب والكثير من الإحباط.

مقالات مقترحة

المرأة الغجرية بين التقديس وتوارث النظام الأمومي
تصوير وتصميم الفنان والمصور شريف مختار كنت عائدة من المدرسة الثانوية بعمر الخمسة عشر عامًا، حينما ترامت إلى مسامعي نبرات...
سألنا نساء لماذا صاموا وكان الإفطار لهن مباح؟
رسوم راما دوجي الخجل من الدورة الشهرية أمرًا ليس غريبًا على الفتيات، لكن الخوف من اكتشاف ذلك أثناء رمضان يصبح...
برامج الطبخ في رمضان: منافسة جندرية
الصورة من شترستوك مع قدوم شهر رمضان، تتنافس البرامج الفضائية على جذب المشاهدين من خلال برامج الطهي. وتقدم كل قناة...
سألنا نساء عاملات عن أول يوم دورة
الرسوم من شترستوك لا يخلو حديثًا نسائيًا حول الدورة الشهرية من ذكر أعراض كآثار نفسية مصاحبة للطمث، وهو ما فتح...