هل حقاً نحن نسخة من أمهاتنا؟

"قرأت الكثير من الكتب في علم التربية وعلم النفس لكي لا أشابهها في اعتمادها على نصائح جدتي الرجعية".
وسان عبد الحق

December 27, 2018

وقت القراءة: 2 الدقائق

“لا، لن تحصلوا سوى على قطعة واحدة من الحلوى” “لم أضع البروكولي في الطعام فأكمل طبقك الآن”…

كان يومًا اعتياديًا كغيره من الأيام، أحاول فيه أن أفصل بين ابني وابنتي في عراكهما الشبه يومي، وغالبًا ما يبدأ الأمر باستخدامي للمنطق في الفصل بينهما ليخلص بكذبة بيضاء من تأليفي. أقنعت نفسي بأن كذبتي عن قطع البروكولي الصغيرة التي أضفتها لطبق المعكرونة ما هي إلا واحدة من هذه الكذبات البريئة، وأنني لم أكسر ميثاق الصدق بيني وبين أبنائي، وفي هذه اللحظة بالذات أدركت بأنني أصبحت نسخة مطابقة من أمي.

قبل هذه اللحظة لم يخطر لي أبداً أنني قد أشبه أمي بشيء، فهي الزوجة وربة المنزل التي تهوى الطبخ وإعداد الحلويات، وعلى الرغم من شغفها بمهنة التعليم إلا أنها تركتها في سن مبكر، أما أنا، فأنا أعتد بكوني امرأة عاملة أسعى بدأب النمل لأوازن بين حياتي العملية وعائلتي، كما أنني أتحاشى بكل وعي الوقوع في مطب قضاء ساعات طويلة في إعداد طبق سيُقضى عليه في نصف ساعة على الأكثر.

أمي كانت تضع قطع البروكولي خلسة ودون علم منا في معظم الأكلات وكانت تنكر ذلك كل مرة، كانت تخبرني كل مساء عندما تضعني في السرير بأني المفضلة لديها بين أخواتي، لأكتشف بعدما كبرت أنها كانت تقول ذلك للجميع، كما أنها كانت تخبرني بأنني في حال لم أتوقف عن أكل السكاكر فإنني سأغدو ملونة بلون آخر قطعة أكلتها إلى الأبد، وكنت أتفاجأ في كل مرة أحتفظ بها بلوني الأصلي لتجيبني أمي: “لقد حالفك الحظ هذه المرة.”

ما الذي حدث؟ متى أصبحت نسخة عنها؟ أيسعدني ذلك أم أنني أخشاه؟ ألست أفتخر بذلك كونها المرأة المثالية والصديقة ومنبع الحنان لكل العائلة؟ أليست المتكأ لي عند شعوري بالضعف من ضغوطات الحياة؟

ذهولي اللحظي دفعني للاستغاثة بصديقتي المقربة، كانت دهشتي تنبع من شعوري بالنفور من هذا التشابه، فأنا التي أعشق أمي، قرأت الكثير من الكتب في علم التربية وعلم النفس لكي لا أشابهها في اعتمادها على نصائح جدتي الرجعية، فأين أخطأت؟

حدثتني سمر بدر عن اللحظة ذاتها التي أيقنت بها أنها أصبحت قريبة جداً من أسلوب والدتها في التربية، وقالت: “على الرغم من أنني مقربة جداً من والدتي، إلا أنني كنت أخالفها الرأي في بعض الأمور، إذ كنت أرى أنها تبالغ في قلقها على كل شيء، إذ لم تكن تجد وقتًا للراحة. وأنا الآن، ما بين حرصي على حضور درس السباحة لعمر وقلقي من أن تلتقط زين عدوى الرشح مرة أخرى، اكتشفت أنني أشبه أمي كثيرًا في اهتمامها بأدق تفاصيل حياتنا تمامًا كما أصبحت أفعل مع أطفالي.

أما سرى الرفاعي، فلها رأي مخالف، فهي دائماً ما تلجأ لوالدتها عندما تقع في حيرة مع أولادها، وتقول: “أشعر بأني محظوظة جداً بوالدتي التي اختصت بتربية الطفل، وكانت تستعمل أسلوب الدمى المتحركة لتعلمنا العديد من العبر والدروس التي ترسخت في أذهاننا بشكل عميق جداً، كالثقة بالنفس والإصرار والصبر وغيرها. وأنا الآن أستخدم الحكايا والسكتشات في تربية أولادي لا سيما عندما يواجههم موقف صعب في المدرسة أو مع أصدقائهم.”

حديثي مع صديقاتي جعلني أتوصل لنتيجة أراحتني بعض الشيء، كلنا نشعر برغبتنا بأن نكون مختلفين عن أهالينا، فنحن كأطفال نرغب بالاستكشاف والخروج عن المألوف ومواجهة القوانين، سواء كانت صارمة أم لا، تلك القوانين التي وُضعت لتقيد من حريتنا غير المسؤولة آنذاك، الأمر الذي جعلنا ننظر إلى طفولتنا نظرة كنا نفسر فيها حسن التربية بقمع حقيقي لثوراتنا. وعلى الرغم من استنتاجي الفصيح والمتأخر إلا أنني أجزم بأن تشابه أسلوبي التربوي مع أسلوب والدتي، والمحكوم بالجينات وبالعادات، هو ما أسعفني في كثير من المواقف التي كنت أجدها شديدة الصعوبة.

مقالات مقترحة

أول مرة علاج نفسي… أنا مش مجنونة
فقدان للتركيز، نوبات من الهلع، أرق، ذلك الشعور الغريب والثقيل الذي يصاحبني أينما ذهبت، شعور أشبه بظل يمحو بقدراتي على...
العلاج النفسي 101: دليل مرآه المبسط لأساسيات الصحة النفسية
نمر جميعًا بمواقف وشخصيات يصعب علينا التعامل معها، وفي لحظة تفلت منا مشاعرنا، نفقد أعصابنا، بدون وعي منا لأسباب هذا...
هكري حياتكِ: خمس حيل حياتية لسنة 2019
سنة جديدة تعني لائحة جديدة من الأحلام، قائمة جديدة من وعودك لذاتك بحياة أصح وأسعد وأكثر نجاحًا، ولكن ماذا إذا...
نصائح من علم ”الفينج شوي“ لتحقيق النجاح في المنزل والعمل
مثلما تؤثر طاقة أو هالة الشخص فيمن حوله، تؤثر طاقة الأماكن أيضاً في حياة قاطنيها بالسلب أو الإيجاب وفقًا لعلم...