هل يحق للمرأة العاملة أخذ إجازة الدورة الشهرية؟

البعض يراها خدش للحياء وهناك الذي يراها عائق للمساواة بين الجنسين.
شروق المليجي

September 8, 2019

وقت القراءة: 5 الدقائق

رسوم فريبيك

استجابت شركة مصرية مدعوة باسم ”شارك أند شريمب“ لدعوات مجموعة من الحملات النسوية على السوشيال ميديا مطالبةً بحق النساء العاملات في أخذ إجازة مدفوعة الأجر خلال الدورة الشهرية، وتعتبر هذه السابقة الأولى من نوعها في الوطن العربي حيث وُضعت مصر في صدارة الدول العربية التي تقدم إجازة مدفوعة الأجر للنساء العاملات خلال فترة ”البيريود“، ويذكر أن هناك عدة دول في قارة آسيا تمنح المرأة إجازة أثناء الدورة الشهرية منها الهند وتايوان والصين واليابان وكوريا الجنوبية ومؤخرًا انضمت لتلك القائمة إيطاليا التي تعتبر من أولى البلدان التي تمنح إجازة للبيريود في أوروبا وجدير بالذكر أن شركة ”شارك أند شريمب“ تمنح إجازة يوم واحد في الشهر مدفوع الأجر بدون أي إثباتات أو شهادات مرضية من العاملات في الشركة على عكس أغلبية البلاد التي تم ذكرها حيث تكون الإجازة غير مدفوعة الأجر أو تؤخذ فقط في حال وجود إثباتات طبية أو في الحالات الحرجة وفي بعض البلاد مثل كوريا الجنوبية يتم منح المرأة مكافأة إذا قررت أن لا تأخذ أجازتها الشهرية خلال فترة البيريود كطريقة للتحايل على النظام.

 

وليس على غير المتوقع، ثار الآلاف من الناس بسبب البيان الذي نشرته الشركة على صفحة الفيسبوك الخاصة بها وتداولته العديد من مواقع الأخبار، وانهالت التعليقات الهجومية والمتحيزة ضد المرأة من الرجال والنساء الذين اعتبروا هذا القرار أمرًا يستدعي السخرية، ولكن مثل ردود الأفعال هذه ليست بشيء مفاجئ، فنحن ما زلنا محاطين بثقافة ”العيب“ ويعتقد الكثير أنه من العيب أن نناقش، لا بل أن نذكر، الدورة الشهرية على الملأ، فكيف لنا أن نجعل منها إجازة رسمية كل شهر حيث يعلم كل من في الشركة بموعد الدورة الخاص بكل امرأة؟ وغير ثقافة ”العيب“ والتي تبدو أنها من أكثر الأسباب التي أدت إلى وجود الكثير من المعارضين، فهناك أسباب أخرى عديدة من المعارضين لرفض تلك الفكرة.

 

وفي استفتاء أجرته مرآه، ذكر البعض رفض الفكرة ولكن كان وجه اعتراضهم هو تسميتها ”إجازة الدورة الشهرية“ بشكل صريح، فلا يوجد مانع لديهم لمنح النساء تلك الإجازة وكان اقتراحهم هو أن يتم دمج تلك الأيام مع الإجازة المرضية أو السنوية فستحصل النساء على حقهم في أيام إجازة أكثر من دون أن تتسبب لهم في إحراج أو ”فضيحة“ في مكان العمل بسبب معرفة زملائها أو مسؤول الموارد البشرية بسبب غيابها، وهذا التفكير أيضاً ينبع من فكرة أن الدورة الشهرية شيء يجب أن تخجل النساء منه لأن هذا الأمر يؤدي إلى نزع الحياء من مجتمعاتنا، بالرغم من كون الدورة الشهرية عملية طبيعية تحدث لجميع النساء كل شهر، وينبع ذلك من حقيقة أن المجتمعات العربية تعتبر أي شيء متعلق بجسد المرأة سرًا لا يُسمح بذكره أو مناقشته أو الاعتراف به ومن ضمن ذلك الدورة الشهرية، وتؤدي تلك القناعة بلزوم التكتم إلى العديد من المضاعفات والأفكار الخاطئة لدى النساء والرجال على حدٍ سواء فيما يتعلق بالأمور التي تخص المرأة.

 

وشَبَه الكثير أخذ إجازة للدورة الشهرية بمثابة أخذ الرجال والنساء إجازة يوم الخميس لقضاء ”وقت سعيد“ أو أخذ النساء إجازة في فترة التبويض بسبب قلة تركيزهن والعديد من السيناريوهات الأخرى المبالغ فيها لمحاولة التقليل من أهمية إجازة الدورة الشهرية ولفت الانتباه إلى أن هذا الأمر يؤدي إلى خدش الحياء وقد يفتح الباب إلى المطالبة بأشياء أخرى ضد عادات وتقاليد مجتمعاتنا العربية ولكن هذا تصور خاطئ وغير مبني على أساس، فالمتلازمة السابقة للحيض شيء مثبت علميًا ويسبب أعراض حقيقية والتي قد تكون شديدة عند بعض النساء لدرجة تمنعهم من القيام بأي نشاطات في يومهن، فكيف لنا أن نقارنها بأخذ إجازة لأسباب هرائية وغير معقولة؟ مثل هذه التعليقات المازحة تبرهن لنا عن مدى قلة الوعي والمعرفة في المجتمع بالأعراض التي تواجهها الكثير من النساء خلال الدورة الشهرية، وهذا الأمر يستدعي لتثقيف الأشخاص عن هذا المسألة وزيادة الوعي في المجتمع. 

 

وهناك الذين اعترضوا بسبب اعتقادهم أن النساء ستستغل تلك الإجازة سواء احتجن إليها بالفعل أم لا وان أصحاب العمل يجب عليهم ألا أن يفترضوا صدق الموظفة حيث أن ذلك سيضر العمل واعتبر ذلك حجة ضعيفة ولهؤلاء المعترضين لذلك السبب أحب أن أذكرهم بأن هناك عوامل عديدة تحدد كفاءة الموظفة، فإذا كانت الموظفة غير صريحة فهي على الأرجح لا تهتم بالعمل من أصله وليست مخلصة له وفي تلك الحالة تكون هي كشخص السبب في قلة الإنتاج وليس إجازة الدورة الشهرية هي المسبب الرئيسي، ومثالاً على ذلك منظمة ”كوين فيكتوريا وومنز تراست“ في أستراليا التي قررت منح النساء من موظفيها إجازة يوم في الشهر أو العمل من المنزل أثناء الدورة الشهرية بدون تقديم أي إثباتات لذلك وتقول كاسميرا ميليكان، مسؤولة السياسات في المنظمة أنها تتبع سياسة الصدق مع موظفيها وأنه حتى الآن لم يستنزف أي أحد من موظفيها ال12 يومًا كاملين.

 

وعلى الرغم بأن من طالب بتلك الإجازة هن نساء نسويات يسعين من أجل أن تأخذ المرأة حقوقها، فعلى الصعيد الآخر وجدنا نساء نسويات معترضات على هذا القرار خوفًا من أنه قد يشوه صورة المرأة ويؤكد على وجهة نظر المجتمع الشرقي بأن المرأة ضعيفة وغير قادرة على العمل مما يجعلها أقل شأنًا من الرجل، ناهيك عن أنها الآن ستعتبر عائقًا في أماكن العمل بالنسبة للكثير من الشركات فإذا ساد هذا القرار في الشركات الأخرى، قد يمتنع أصحاب العمل عن تعيين النساء وستكون الأولوية للرجال حتى أكثر من الوضع الحالي. ونظرًا إلى ردود الأفعال والانتقادات التي نشأت من المعلقين على شبكات التواصل مثل ”ما تقعد في البيت أحسن“ و ”عشان كدة الست مش مفروض تشتغل“ فهو بالفعل خوف عقلاني ومنطقي من قبل بعض النسويات.

 

وتزعم هؤلاء النساء المعارضات على أن المرأة قوية وقادرة على أن تقوم بعملها على أكمل وجه أثناء الدورة الشهرية كما فعلت على مر العصور وأننا لسنا بحاجة إلى إجازة فنحن نستطيع أن نكون ذوات كفاءة ومنتجين في عملنا بالرغم من الألم. وبينما بعض النساء بالفعل لا يعانين من أعراض خلال الدورة الشهرية سواء كانت نفسية أم جسدية، يوجد العديد من الأخريات اللاتي يصبن بأعراض حادة، وفي رأيي أن حتى في تلك الحالات لا يعني ذلك أبدًا أن المرأة ضعيفة أو غير مؤهلة للعمل في المطلق، فالجميع يمر بمتاعب جسدية ومشاكل نفسية سواءً كانوا رجال أم نساء ويضطر الكثير إلى أخذ إجازات مرضية للراحة، وفي بعض البلاد النامية يوجد ما يدعى ”بيوم الصحة العقلية“ وهو عندما يأخذ الموظف إجازة مرضية بسبب حالته النفسية أو العقلية التي قد تمنعه عن القيام بمهامه في العمل دون الحاجة إلى تقديم شهادة مرضية وهذا ليس مقتصر على النساء فقط، ففي النهاية يجب أن نتذكر أن الموظفون هم بشر وليسوا مجرد أرقام، وبما أن الجميع معرضين لأن يمرضوا فهل يصح لنا أن نقول أن كل من يستنفذ جميع أيام إجازاته المرضية هو شخص غير كفء ولا يجب أن يعمل من الأصل؟ الإجابة بالطبع هي لا فهو غير منطقي أن يتوقع أصحاب العمل ألا يمرض أي من موظفيهم فلماذا إذًا يعتبر المعارضين أن إجازة البيريود هي دليل على أن النساء غير قادرين وناقصين كأشخاص؟  

 

ويمكننا أن نطبق نفس ذلك المنطق المتحيز جنسيًا على الرجال إذا أردنا، فمن المعروف مثلاً أن الرجال يظهرن أعراض أشد بكثير من النساء عند الإصابة بنزلة برد، ويؤكد دكتور ”كايل سو“، أستاذ طب في جامعة ميموريال في نيوفاوند لاند في كندا، على وجود أدلة في الأدب العلمي على أن لدى الرجال استجابة مناعية أضعف للفيروسات المسببة للبرد ولهذا السبب يصبح الرجل طريح الفراش عند إصابته بالإنفلونزا أو البرد ويصبح متخاذل جسديًا وذهنيًا، فلماذا إذًا لا نستخدم تلك المعلومات في أن نبرر لأنفسنا أن الرجال ضعفاء وغير قادرين ولم يخلقوا من أجل العمل إذا كانوا لا يستطيعون التحرك بسبب نزلة برد عادية تأتي لكل شخص على الأقل مرة في السنة؟ هناك عوامل كثيرة أخرى تحدد كفاءة أي شخص كموظف وليس أهمها هي أيام الحضور والغياب فتحمل المسؤولية والإخلاص في العمل والذكاء وتنظيم للوقت والسرعة والصراحة ومراعاة الضمير… وغيرهم الكثير كلها صفات إن تواجدت في الموظف أو الموظفة تعوض عن أيام تغيبهم عن العمل وتحدث الفارق الكبير في مدى إنتاجية الموظف ونجاح الشركة.

مقالات مقترحة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل
رسوم يارا مراكي التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...
سألنا النساء: هل حصلتن على مناصب قيادية في عملكن؟
ما مدى إمكانية وصول النساء إلى مناصب قيادية في أعمالهن المختلفة؟ ربّما لا زلن في حاجة إلى وقت طويل لتحقيق...