عن فِكر الجاهلية في حديث الشوارع العربية

لماذا تتعارض الأمثال الشعبية مع كُنه إنسانية المرأة، وتقلل من الاحترام لكينونتها؟
دانية أ. موسى

February 18, 2019

وقت القراءة: 3 الدقائق

اللغة وعاء الثقافة، وسجل للإرث الإنساني للشعوب على امتداد التاريخ. ولا شك أن ما تكتنزه اللغة من مفردات ومصطلحات وتعابير، يعكس وجهة نظر الشعوب الناطقة باللغة، ولو في حقبةٍ ما، بالموصوفين بكلماتها وتعابيرها. واللغات، على عكس ما يعتقده الكثيرون، في حالة تطور دائم وقواميسها في انفتاح على المعاصرة والتحديث. واللغويون، على عكس ما يظنه الكثيرون أيضاً، لهم صولاتهم وجولاتهم ومحاولاتهم في إدخال مفردة إلى مرجعٍ رسمي من مراجع اللغة، وحروبهم الطاحنة في محو كلمة من مرجع آخر. وفي الوقت الذي يطالب فيه الكثير من اللغويين المتحدثين بالإنجليزية، والمناصرين لحقوق النساء استخدام كلمة واحدة للتعبير عن العاملين والعاملات في بعض المهن بالإنجليزية، تلك اللغة المعروفة بكونها لا تفرّق في المسمّى الوظيفي بين المذكر والمؤنث، ممن لا تنطبق عليها القاعدة كالممثلات والممثلين (actors and actresses)… في ذات الوقت، تمر إحدانا بقرب مقهى عربي على الشارع، فيتناهى إلى مسمعها حديث بين رجلين يشكوان ضنكَ العيش، وقلة الحيلة، وصعوبة تأمين متطلبات الحياة والأبناء، فيختمان الحديث بـ(هَم البنات حتى الممات).

إن النظر إلى الموروث الشعبي اللغوي في المنطقة العربية، وما يتم تداوله منه على ألسن العامة، يجعل الناظر يعتقد أننا لازلنا نعيش في حقبة الجاهلية، فالأمثال التي تجري على الألسن لتسهيل الفهم، وتكثيف الفكرة، وتدعيم الرأي، غالباً ما تسيء للمرأة صراحةً، أو تحط من قدرها إلى ما دون الرجل، في أحسن الأحوال. لتتحول إلى ثقافة شعبية رائجة، وخطيرة بما تنطوي عليه من معاني صادمة، تتعارض مع كُنه إنسانية المرأة، وتقلل من الاحترام لكينونتها.

ما بين الدعوة الصريحة إلى تعنيف المرأة، لمجرد كونها أنثى، تلك الفكرة التي تعد إحدى ركائز العقلية الجاهلية، التي كانت ترى في النساء عارًا، وضعفًا، وخيبةً، وفالاً سيئًا، وما بين التنميط، أي اختزال أدوار المرأة المتعددة في صورة نمطية واحدة مرتبطة بالنساء إما لأسباب تاريخية، أو لأسباب أيديولوجية متعلقة بإملاءات الفكر الذكوري على المجتمع، وبين النظر إلى المرأة بدونيّة، واستخدام الرجل كمعيار للخير والصلاح والرفعة الإنسانية وربطها به حتى عند مدحها، ما بين كل هذه الأفكار، تناقلت الألسن العربية عشرات الأمثال التي ترسم صورةً عن المرأة قد تتعارض كليًا مع حقيقتها المعاصرة. فماذا قالت النساء في مجموعة من الأمثال المتداولة التي جمعتُها من الشارع العربي وطرحتها عليهن؟

“البنت يا تسترها… يا تقبرها!”

في الحديث عن هذا المثل الشائع، تقول أمل مراوي (28 عامًا): “الحياة هبة إنسانية من الخالق، وليست عطيّة من أحد على المرأة ليقرر الإبقاء عليها أو قبرها”، وتقول لافا المَلا (25 عامًا): “إنه تجلّي واضح للعنصرية تجاه النساء. إن الإنسان الواعي يعرف الفرق بين الخطأ والصواب بغض النظر عن جنسه”، بينما ترى جوري كلثوم (25 عامًا) أن “المثل عنصري، وليس مبنيًا على أي شكل من أشكال المنطق” وتضيف: “لا يوجد حتى أساس إسلامي لمفهوم “الستر القاصر على النساء”، فالرجال والنساء إسلاميًا، مأمورون بنفس القدر بالحفاظ على العفاف قبل الزواج، والسعي إلى الارتباط الشرعي… وليس الأمر قاصرًا على الفتاة فقط”.

 

“المرأة لو طلعت المريخ… آخرها للطبيخ!”

تضحك لطيفة الخميس (16 عامًا) من المثل قائلة: “النساء فعلاً صعدن إلى المريخ، وهذا المثل المجحف لازال منتشرًا”. وتعترف نور دبسي (29 عامًا): “يمكن أن أذكر مثلاً شبيهًا، وأنا أسعى جاهدة للتوفيق بين تجهيزي الطعام مع صديقتي في المطبخ، والعناية بصغاري، على سبيل المزاح ليس إلا” وتضيف: “هذه الأمثال تعيش في مكان ما من اللا وعي المجتمعي، وربما خرجت من رحم الحياة البدائية”. تشعر ديمة النادي (22 عامًا) بالغبن حيال المثل وتعبّر عن ذلك قائلة: “إنه تقليل من قيمة المرأة وجهودها وإنجازاتها، التي يمكن أن تسبق بها جميع الرجال، ولا تقتصر على دورها بالمطبخ”. و لحلا حميدان (22 عامًا) رأيها الخاص في هذا المثل حيث تتسائل: “من قال أن الطبخ إهانة؟… أنا أنتظر أيام العطلة لأطبخ… لأني أرى في الطبخ فنّاً، ويراه كثير من الأشخاص الذين يمتهنونه ومنهم (بعض الرجال) حلمًا، ومشروع حياة”.

“امرأة بمائة رجل”

ترى لين زيات (22 عامًا) أن هذا المثل وما على شاكلته: “يعتبر الرجل معيارًا ليقاس على أساسه حجم دور المرأة، وهو أمر مجحف في حقها”. بينما ترى سارة غانم (27 عامًا) أنها “من المؤسف أن الشارع العربي حتى عندما ينوي مدح المرأة، يستخدم الرجل مقياسًا لمدى صلاحها” وتتساءل بضجر: “لمَ لا نعتبر المرأة مثل الرجل وكفى؟”. ترى حلا حميدان (22 عامًا) أنه “من الغريب أن نحصر كل صفات الشهامة والإخلاص والشجاعة والأخلاق في كلمة “رجولة” فالرجل في اللغة: الذكر البالغ من بني آدم… والمرأة: الأنثى البالغة، فلمَ نربط الهوية الجندرية بالخطاب الإنساني؟”

وفي الحديث عن الأمثال التي ظلمت المرأة بالمُجمل، ترى دينا فايد (21 عامًا) أنه “من الضروري أن نطّلع على الحقبة التاريخية التي ظهرت هذه الأمثال فيها… وأن نتخطّاها، فلربما تشاجر رجل مع زوجته، تاريخيًا، وحدّث رفاقه في القهوة عن المشاجرة بغضب، ليخلّد حكواتي الحارة حديثه في إحدى قصصه، فتتناقله الألسن ويتحول ما قاله رجل في ساعة غضب… إلى موروث شعبي!”

والحقيقة أن تاريخ ظهور بعض الأمثال المتداولة مشكوكٌ في صحته، ومعتمد بشكل أساسي على ما تناقله الناس من أحاديث وأقاصيص عبر التاريخ المحكي للمنطقة العربية، وما قرنه الدارسون للموروث الشعبي، ببعض الحوادث والوقائع المسجلة تاريخيًا. لكن، وبالنظر إلى كون العرب عُرِفوا بالبلاغة وحسن البيان منذ فجر التاريخ، سندركُ أن الشارع العربي ليس عاجزًا عن التخلي عما تناقلته الألسن من مئات السنين من أمثال، أكل عليها الدهر وشرب، لا تتناسب مع كُنْه الحضارة، ولا تعبّر عن واقع المرأة العربية، ولا تمنحها المكانة التي تستحقها… وربما قد حان الوقت لابتكار أمثال جديدة، تعيد للمرأة مكانتها المسلوبة، وتخاطب الشارع العربي بمنطق “النساء شقائق الرجال” لا بمنطق “موت البنات… من المكرمات!”

مقالات مقترحة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على عازفة إيقاع
دخلت سارة البُططي (35 عامًا) عالم الإيقاع من بوابة المدرسة، حيث اعتادت ملازمة حجرة الموسيقى والعزف على الطبلة والمشاركة في...
قصص شابات عن التحرش الجنسي في مكان العمل
رسوم يارا مراكي التحرش الجنسي ليس بظاهرة جديدة ويُعَّرف التحرش الجنسي بأنه شكل من أشكال الاعتداء اللفظي أو الجسدي بطريقة...
تحدثنا مع نساء تزوجن رجال أقل منهن في التعليم
الصورة من شترستوك ”التكافؤ بين الطرفين“ هو أحد الشروط التي أقرها الشرع والعرف الاجتماعي للزواج، وهو الشرط الذي شابه الكثير...
تجربتي بعد عام من العمل الفريلانس كفتاة عربية
رسوم يارا مراكي حين دخلت المدرسة الثانوية، قررت ماذا أريد أن أصبح وما الكلية التي أرغب في الالتحاق بها -...