وللذكر مثل حظ الأنثيين

قانون المساواة في الميراث فتح لِباب النقاش أم الكفر؟
آية أحمد

December 11, 2018

وقت القراءة: 5 الدقائق

أشعلت تونس نار الحوار للمرة الثانية، بندائها للمساواة والعدالة الاجتماعية للمرأة التونسية. وذلك بعد أن أقرت الحكومة التونسية مشروع قانون المساواة في الميراث بين المرأة والرجل، وإحالة المشروع للبرلمان للموافقة النهائية. وقد أشعل هذا الاجتهاد التونسي ردود الفعل السلبية لدى الكثيرين، لاعتبار البعض أن في القانون “فتح باب الاجتهاد” ومخالفة لتشريعات تقسيم الإرث الإسلامية.

والجدير بالذكر أن القانون لم يفرض المساواة في نصيب المرأة من التركة، بل أحق لصاحب التركة من أن يوزع أملاكه بالشكل الذي يراه مناسبًا لعائلته. حيث لم يمس القانون بنصوص القرآن أو السنة التي تعالج تشريعات تقسيم الميراث، وذلك لتصنيف المفتين المؤيدين للقانون التونسي أن أحكام الميراث تقع تحت بند “الحقوق الشرعية” التي يجوز التنازل عنها وليس تحت بند الفرائض التي لا مخالفة فيها.

ومن هنا خلق القانون التونسي إعصار من ردود الفعل المتضاربة على وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام المرئي وعلى القهاوي، فالبعض رأى القانون خروجاً عن حدود الله (كفر) والبعض اعتبره بصيص أمل لفتح باب الاجتهاد الديني لما يلائم متطلبات العصر وخطوة إيجابية في مسيرة كفاح المرأة للمساواة.

و كفتاة عربية ومسلمة يمسني الموضوع ويثير اهتمامي، فتصفحت تويتر ووسائل الإعلام لأفهم الجدل القائم وما قد يكون له من توابع على مسائل فقهية أخرى تقف بين المساواة في حقوقي مع الرجل، ولكني انصدمت بأني “ما فهمتش حاجة” بل بالعكس ضعت أكثر.  

ولذلك قررت أن أطرح الموضوع بطريقة مختلفة وأن أسلط الضوء على بعض الأسئلة التي راودتني بعد متابعتي للطرق التي اتبعها الأغلبية في طرح الموضوع ومناقشة أفكارهم. فهل نحن قادرون على مناقشة وطرح أسئلة عن الدين بدون تكفير الطرف الآخر؟ وما هو الخط الفاصل بين حرية النقاش والجهل بأساليب الحوار المتحضر؟ يعني، هل نحن متحضرين فعلاً أم نختلق التحضر؟

المحزن المضحك فعلاً، كان في مدى انشغال طرفي النقاش في إسكات بعضهما مما أدى إلى ضياع محور النقاش الرئيسي، فالأصوات المعارضة انهالت بتكفير المؤيد منها و الأصوات المؤيدة انهالت بتسميات ليبرالية غريبة على كل من يعارضها. فكان جهل كلا الطرفين بموضوع النقاش، وتاريخه، وسبب الاجتهاد هو بطل المشهد على تويتر ووسائل الإعلام. والأكثر إضحاكاً، كان عدم معرفة الكثيرين عما إذا كانت “للذكر مثل حظ الأنثيين” هي آية، أم حديث، فتوى، أم جزء من آية.

واستخدم كل من الطرفين جميع الأسلحة التي تمكنه من إثبات “كفر” أو “ضياع” أو “راجعية” الطرف الآخر. فالأصوات المعارضة دعمت أصواتها بأحاديث تتحدث عن “حدود الله” وأجزاء اختارتها بعناية من آيات قرآنية عن “الخروج عن أوامر الله” لترفع بذلك راية الفوز وتعلن “إعراض تونس وأي مؤيد لهذا القانون عن أمر الله ورسوله”. وبذلك وضعت حد فاصل بينها وبين الأصوات المؤيدة بدون أي محاولة لفهم وجهة نظر الآخر أو حتى توضيح وجهة نظرها. فبالنسبة لهم أي تأييد للقانون التونسي هو ببساطة “كفر”…   

 

“للرجال عليهن درجات… كفاية كفر بقا”

“كفاية كفر بقا” و “بعيد الشر علينا” و “سوف يأتي يوم على الأمة التونسية” هو بعض ما أجمع عليه المعارضين للقانون التونسي على وسائل التواصل الاجتماعي، متمثلة آراءهم في التويتات التالية:

وصرحت الأغلبية المعارضة أن تطبيق القانون التونسي وأي مؤيد للقانون هو “خارج عن ملة الله ورسوله”، حتى لو كان هذا الشخص مفتي. وأتى ذلك في إعلان الأزهر الشريف عن موقفه الحاسم ضد القانون التونسي، وتبرأه التام من أي صوت داخلي معارض. فعند خروج صوت مخالف، متمثل في الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أعلن الأزهر من تبرؤه الكلي للدكتور وتصريحاته، بالرغم من تبني الجامعة لعديد من آرائه المؤيدة فيما سبق. فهل الاختلاف “كفر”؟

وانهال الكثير من عامة الناس بأجزاء مقتطفة من الآيات والأحاديث، التي تناسب أفكارهم وتُقوّم الرجل على المرأة، مستشهدين “بأن شهادة الرجل الواحد تعادل شهادة امرأتان”، وأن “للرجال عليهن درجات”، متعجبين من مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة… وإجماعاً منهم بأن كل من يطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة لا يعقل أو يتعقل!  

والنتيجة كانت ردة فعل منقسمة من النساء التونسيات والعربيات، فالبعض منا أسرعن في التبرؤ من حقوقهن في المساواة خوفاً من كلمة “كافرة”، وأخريات أعلن تركهن للدين بمجمله، أما أنا “فاحترت” ولم أستطع تأييد أني أقل من الرجل اليوم، فأنا معيلة لعائلتي، ومساعدة لإخواني من الذكور و”أكيد مش شايفة إن الراجل يفوقني بدرجات”.  وأيضاً لم أستطع ترك ديني بمجمله…

“كالحمار يحمل أسفاراً”

فاتجهت للكتاب، والمتحررين الذين وقفوا في صفوف تأييد القانون التونسي ليخوضوا حرباً “تويترية” عنيفة ضد هؤلاء من “الرجعيين” و”مضطهدين حقوق المرأة” و “المتعصبين”، واضعين بذلك تشريعاتهم “التويترية” الغريبة والمتناقضة. وما أضحكني فعلاً، كان التضارب الواضح في نهج “تويتاتهم”، فكيف للذي يناهض من أجل المساواة من أن يضطهد حرية الآخر في التعبير عن رأيه؟

فأنا أومن بأن جزء من تقليدك لنفسك بوسام “التحرر” و “العلم”، يكمن في استطاعتك من محاورة الآخر بمحايدة وبدون أحكام سابقة. فأنت بعلمك تدرك أنك لا تحاور “الطرف المعارض فقط”، بل تطرح أفكارك على كل من يتابعك ويحترمك.

ولا أشك بأن الكثيرات مثلي من المحايدات والمؤمنات بالوسطية، وقفن في حيرة. فنحن ننادي بالحرية والمساوة ولكننا أيضاً مؤمنات بالله ولا نريد الخروج عن حدوده. فبقي السؤال، كيف لنا من أن ندلي بأصواتنا بدون تكفيرنا من طرف أو اتهامنا “بالحمار الذي يحمل أسفار” من الطرف الآخر.

دليل المُحاورة المتحضرة

نتيجة لما شهدته خلال الأسابيع الماضية من مهازل، قررت وضع دليل لكل متحاور عربي متحضر، يريد طرح آراءه وأفكاره على تويتر أو في القهوة أو مع عائلته، خصوصًا إذا كان الموضوع عن المرأة:  

  1. يجب أن تدرس الموضوع وتقوم ببحث شامل عن الفكرة التي تريد طرحها. يعني مثلاً لو أنت مع القانون التونسي للميراث، اقرأ القانون، وبنوده، وتوابعه، ثم أفهم المشهد السياسي والاقتصادي لتونس والبلاد العربية، وأكيد اقرأ الآية الخاصة بالميراث وافهم تفاصيلها!
  2. إطرح أفكارك بدون إهانة أو سب للطرف الآخر، يعني مثلاً، أنا مع القانون لأنه يقف مع المرأة، وشارك فكرتك بمواقف عاصرتها شخصياً، “ويا ريت تتحاور مع أمك، أو أختك، أو مراتك عن تجاربهن وآرائهن”. وأخيراً إدعم رأيك بالحقائق التي بحثت عنها في الخطوة رقم 1.
  3. تنبأ أن يختلف معك الآخر. طبيعي جداً! “والأحسن وأحسن” أن تدرك أنك قد تكون على خطأ وأفكارك غير صحيحة!
  4. في حالة اختلاف الآخر معك، استخدم النقاط التي بحثت عنها في الخطوة رقم 1 واتبع طريقة الطرح الموضحة في الخطوة رقم 2 لتعرض حقائقك الداعمة بدون تحقير أو تعالي.
  5. وأخيرًا، إعرف أنه أكثر من 90٪ من الحوارات المتحضرة لا تنتهي بفوز أحد الأطراف، بل أفضل النتائج هي عندما تترك الآخر بفكرة جديدة وتوضح له وجهة نظر مختلفة. يعني لا تتوقع أن يقوم الآخر بتسليمك “ميدالية الحوار”…

ما وضحه لنا القانون التونسي هو أنه لا زال أمامنا الكثير لنستطيع التحاور مع بعضنا بطريقة قد توصلنا لحل وتدفع عجلة التغيير للأمام. وكان بصيص الأمل هو قلة قليلة، متمثلة بأصوات الشباب، وبعض العلامّة كالدكتور سعد الدين الهلالي والقنوات الإعلامية المستقلة، التي أخذت على عاتقها الارتقاء بالحوار وتوعية القارئ بالوقائع والتوابع ووجهات النظر المختلفة، والأحلى أنهم استشهدوا بالآية كاملة.

ثقافة الاختلاف هي أحد أهم دوافع عجلة التغيير الاجتماعي وتقدمه، لكن الاختلاف للاختلاف يولد التخلف والتعصب وليس أكثر. فأبسط أدوات النقاش المتحضر هو العلم ودراسة موضوع النقاش، ليس لخرس الصوت المعارض بل لتكوين رأي وصوت قوي مدرك وقائع الأمور ومحترم لجميع وجهات النظر.

 

حسابي على الانستغرام؛ رسوم كريستينا عتيق.

مقالات مقترحة

حواء بعد الأربعين: حملة تدعم النساء لمقاومة التمييز ضدهن
[embed]https://www.youtube.com/watch?v=yjRiF0YbSc0[/embed]   طرقت ”عبير ضيف“ أبوابًا كثيرة باحثة عن عمل يناسبها، لم تيأس من محاولة العثور على وظيفة في إحدى...
سألنا نساء عربيات: ماذا تعني بيئة عمل آمنة لكن؟
رسوم يارا مراكي لا زالت آلاف السيدات في العالم العربي يحلمن ببيئة عمل آمنة لا يتعرضن فيها للتمييز ضدهن، ولا...
مواقع التواصل الاجتماعي: هل تعكس واقع المجتمعات العربية؟
لازالت إحصائيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تزايد مستمر على مستوى العالم ليصل عدد المتابعين لهذه المواقع عالميًا إلى 3.484...
المرأة السعودية في عصرها الذهبي
رسوم شهد ناظر تحتفي المملكة العربية السعودية هذه الأيام باليوم الوطني السعودي والذي يصادف 23  سبتمبر من كل عام، هذا...