خلف الكواليس: نساء وبنات تم إجبارهن على ارتداء الحجاب

"أشعر أن علاقتي مع نفسي قد تختلف تماماً إن لم أكن مضطرة لارتداء الحجاب".
جنان اسماعيل

March 19, 2019

وقت القراءة: 6 الدقائق

هذا جزء من عمل فني بالصور يركز على نساء وبنات تم إجبارهم على ارتداء الحجاب، إن كان مفروض عليهن من قبل عائلاتهن أو ضغط المجتمع أو غيره. أسلوب التصوير كان من اختيار الأشخاص؛ سُإلوا باختيار مكانهم المفضل — أي مكان ذات معنى أو مكانة غالية عندهم. مكان يحبونه، مكان يكرهونه، أو مكان ”التغيير“.

(لأسبابٍ واضحة متعلقة بالموضوع، تم استخدام أسماء مستعارة وإخفاء وجوه الشخصيات، حمايةً لهم.)

في المحتوى أدناه: مقاطع من الحديث معهن.

”ب“ في غرفة جلوس منزلها: ”عند وجود أهلي، أشعر أني مصباح طاولة عادي. فور ذهابهم، أشعر أني كهذه الأضواء.

”ب“

سورية

عندما كنت في 12 من عمري، كان الموضوع يتوارد لمدة سنة، لكني كنت أحاول تأجيله وتجاهله. وكنت أقول لهم أني متحمسة لارتدائه لكن عندما أصبح أكبر سنًا وأكون متأكدة من قراري. وفعلاً، أُجل الموضوع إلى فصل الصيف، عندما قرروا فجأة بتأدية العمرة. واكتشفت أنهم قد حجزوا لي تذكرة من دون معرفتي — مرةً أخرى. كنت في 12 من عمري، فقلت لهم أني لا أريد الذهاب، لا أزال صغيرة، أريد أن أبقى مع بقية إخوتي وبنات عمي، ولكنهم أجبروني على الذهاب.

ذلك الأسبوع كان من أسوأ الأسابيع، فعند خروجنا من السعودية وفي طريقنا إلى المطار، قالوا لي: ”على فكرة، ما فيكي تشيليه“.

صدمت.

نعم؟

.”ما فيكي تشيليه“

ماذا تقصدون؟

”إذا بتطلعي من البيت بدونه، رجليكي بينكسروا“.

لم يبق لي أحد ألجأ له، وهذا كان الطبيعي مع أهلي.    

وهذا كان السياق لسنين، حتى صرت في سن الـ15. أدت تلك السنين إلى انهيار عصبي مما دفعني إلى مواجهة أهلي: “اسمعوني، أريد التحدث عن الموضوع. لا أشعر بالسعادة. متعقدة، متضايقة، نفسيتي تعبت؛ الموضوع بيؤثر في بطرق سلبية”. أبي ليس من النوع الذي يتحدث ويستمع، فرده من الآخر كان: “نفسيتك لا تهمني، فلن أكون مسؤول عن سيئاتك. نقطة انتهى”.

بعد أسبوع، كنت في المدرسة وكان الجو حار كجهنم. ذهبت إلى الحمام بين الدروس لأخلع الحجاب من اختناقي من الحر. دق الجرس وكنت على وشك أن أرتديه ولكن شيء ما ثار بي في تلك اللحظة وقلت لنفسي: “أتعلمين أين جهنم؟”

ورجعت لصفي من دونه.

وهكذا بدأت بخلعه كليًا في المدرسة. كنت أضعه عندما يعود أهلي ليرجعوني إلى المنزل. أخلعه عندما أكون مع أصدقائي لشعوري بالأمان معهم، ولكن عندما يكون المكان عام جداً ولا أشعر بأمان، يبقى على رأسي. وهذا وضعي حتى اليوم.

”أ“ في حديقة في دبي، الإمارات؛ المدينة التي شعرت فيها بالحرية (بعيدًا عن أهلها في أبو ظبي).

”أ“

إماراتية

أشعر أن علاقتي مع نفسي قد تختلف تماماً إن لم أكن مضطرة لارتداء الحجاب. والآن، لست معتادة أن يلاحظني الناس. ففكرة الحجاب تعلمك راحة الاختفاء، وتعودك وتجعل من الأمر طبع. فلن ترتاحي بنظرة الناس لأجزاء منك، جسديًا. وهذا شيء يشعرني بالارتباك، وأحاول الاعتياد عليه حتى اليوم. وكوني إماراتية، خلعه شيء يشعرني بالبارانويا. كأنني أخاف من ردة الفعل، مع القليل من الاضطراب ما بعد الصدمة. فعندما كنا صغارًا، كانت الأوضاع أحزم وأشد. وكان من الطبيعي جداً أن يأتي شخص ما، لا تعرفينه، ويتحدث مع عائلتك أو أي فرد من عائلتك أو ينشر كلام عنك بقول “هذه الفتاة كذا وكذا، وهي ليست بمهذبة”، وينتشر مثل هذا الكلام بسهولة.

أشعر بعدم الارتياح في الحالات التي اضطر بها لارتدائه. فمثلاً، لو كان لدي مهنة حكومية، كنت قد اضطررت لارتدائه طوال الوقت. وفي مجالي، يجب علي أن أقابل رجال أكبر مني سنًا، وإن كان شخص ذات أهمية يجب علي ارتدائه، وهذا يشعرني بعدم الارتياح. لا أشعر كأني ”أنا“، ولكن كأنني متنكرة.

الكثير من الناس يقولون أن ”من الأفضل أن لا تلبسيه من البداية، على أن تلبسيه ثم تخلعيه“، و هذا يشعرني بالغضب. لا تسمعين هذه الأشياء إلا من الرجال الذين لا يُجبرون على ارتدائه، أو النساء الاتي لم يتم اجبارهن، أو حتى ناس لم يذوقوا مرارة الإجبار ويقولون ”احترمي العباءة“ أو ”احترمي الشيلة عندما تلبسيها“. هذا غباء، فنحن مُجبرين ومكرهين على ارتدائها، فسنتصرف بها كيفما شئنا ونرتديها كيفما أردنا. هذا شيء شخصي. إنها فقط قماشة، وليست بشيء أريد أن أخصص له أهمية.  

”س“ في غرفة مطفأة الحريق في ممر المبنى، المكان الذي تركت فيه حجابها ومعطفها أول مرة تركت المنزل من دونهم.

”س“

فلسطينية

منذ سنتين، قبل رمضان بالظبط، قالت لي أمي ”غصبًا عنك سترتدين الحجاب“. ارتديته ونظرت إلى نفسي في المرآة وسألت نفسي كيف سأخرج من المنزل بهذا الشكل؟ لم أستطع أن أتقبل نفسي به، وأكثر موقف شعرت به بعدم الارتياح هو عندما ذهبت لأرى أقاربي لأول مرة وأنا مرتديته، فمن الأسباب التي أدت إلى إجبار أمي لي هو لأن كل أقاربي الأصغر مني قد ارتدوه.  

كنت قد جهزت نفسي نفسيًا وقلت أني سأبدأ بارتدائه حول أصدقائي وعائلتي… ففي يوم من الأيام، كنت سأخرج مع أصدقائي على أساس أنني ”متحجبة“ الآن، ولكن في لحظة خروجي من المنزل، لم أستطع التحمل، فخلعته ولبسته عند عودتي. فعدّى ذلك اليوم وغيره وغيره…

الكثير من الناس يسألوني: ”لما لا تقولين لهم أنك لا تريدين ارتدائه؟ قولي لهم أنك تريدين خلعه“ وكأنه أمر بسيط، فقد حاولت مراتٍ عدة، وأعلم أنها ستكون مشكلة كبيرة إذا رأوني بدونه.

أشعر أنني أفقد الكثير من الأشياء واللحظات. عندما أكون مع أهلي، نذهب إلى أماكن ومطاعم جميلة، لكن لا أحب أن أتصور، فأفتقد ظهوري في الصور لأن في كل صوري مع عائلتي تكون بالحجاب، وعندما أكون مرتديته لا أشغل نفسي بوضع أي مستحضرات تجميل لأني أشعر أني بشعة عند ارتدائي الحجاب لسبب ما… في بعض الأحيان نذهب للسباحة ولا أستطيع أن أسبح، فأجلس واتفرج، فمن المستحيل أن ألبس ”البوركيني“، قد أقتل نفسي قبل أن ألبسه فلا أزعج نفسي حتى.

من الأشياء التي أزعجتني عندما أُجبرت على ارتدائه هي أن الجميع كان يبارك لي ويهنئني، مما جعل الأمر واقع وجعلني فعلاً أعتقد أنه محور حياتي الآن. الكوابيس الوحيدة التي تراودني هي معرفة والديّ أنني أخلعه.

هـ في مكان مجهول في الشارقة.

”هـ“

عراقية

لم استوعب حتى صرت في 14، 15، 16 من عمري… لم يخطر على بالي عدم اهتمامي بالحجاب إلا حينها، ولكني سأرتديه يومًا ما لو كانوا يريدونني أن أرتديه. لكن هنا كانت البداية لصعوبة التعبير عن نفسي، لأن الحجاب هو مجرد مظهر في مجتمعنا، أليس كذلك؟

عندما كنت طفلة، لم أكن أهتم بملابسي، أو كيف كان شكلي، ولكن عندما بدأت أهتم، وجدت نفسي محاطة: ”غير مسموح أن تلبسي هذا، وغير مقبول أن يكون شكلك هكذا، وممنوع أن تفعلي ذلك و ذاك…“ وفي اعتقاد والدي، الفتاة غير مسموح لها بالضحك بصوتٍ عالٍ أو أن ترتدي كعب عالي ليس لأن الكعب يبديني بشكل معين، بل لأنه يصدر صوت وهذا الصوت يجذب الانتباه…  

بالنسبة لي، منظورهم وتصورهم للحجاب لم يكن دينيًا منذ البداية أبدًا، فلذلك خلعه لم يكن قرارًا ضد الدين. وكانت دائماً قدرة تحملي له تقل أكثر فأكثر… حتى وصلت إلى المرحلة التي أنا فيها الآن؛ مرحلة الراحة (مثل خلعه في الأماكن العامة). الأمر لم يكن أبداً عن حلال أو حرام، بل عن ماذا لو رآني والدي؟ ماذا لو فلان الذي يعرف فلان الذي يعرف فلان رآني؟ وماذا لو أحد ما رآني وصورني؟ وحتى الآن، أضعه حول رقبتي في حال اضطررت لارتدائه على رأسي، لأنني أشعر دومًا أنني مراقبة. أعرف بنات قد خلعوه وعائلتهم تعلم وتقبلت ذلك، ولكنهم يتصرفون مثلي ويضعونه حول رقبتهم لأنهم تعودوا على الشعور بأنهم مراقبين.

”ن“ في غرفتها.

”ن“

عراقية

أول مرة جاءتني الدورة الشهرية، كان ذلك أول شيء قالته لي أمي. كنت خائفة ومتوترة ولجأت لها، فنظرت لي وقالت: ”يلا، لازم تتحجبي“… هذا الشيء الوحيد الذي قالته لي؛ كنت في 12 من عمري…

أخذ مني الأمر سنة لأحاول أن أقنع أمي ألا تقول لوالدي أن الدورة جاءتني، لأن اللحظة التي سيعرف بها سينتهي كل شيء. ولكن أتى يوم أخبرته فيه بدون علمي، وكانت هذه اللحظة الحاسمة التي قرر فيها أبي أني سأتحجب، وأعطاني مبلغ مالي كـ ”هدية“ لأشتري ملابس تناسب الحجاب.

كنت مصدومة ولكني قررت أن أتقبل الوضع وتقبل أنه ليس بوسعي فعل أي شيء حيال الأمر. كنت كل يوم أستيقظ وأبكي كثيرًا قبل خروجي من المنزل. لم أصدق أنني كنت مجبورة له، ومنذ تلك اللحظة حتى بدأت أن أخلعه، كنت أشعر بالضعف.

أشعر بالضعف والكبت عندما أرتديه لأنني مجبرة عليه، ولكن عندما أخلعه أشعر وكأن لا أحد يستطيع أن يؤذيني، أشعر بالثقة والقوة وأشعر أيضاً بشيء من التمرد. في البداية، كلما خلعته كنت أشعر بتدفق الأدرينالين، وأذهب إلى أي مكان وأنا أشعر بالحماس والإثارة، فترتفع طاقتي للسماء!

بدأت بخلعه بالتدريج في الجامعة، وكلما زادت المواقف الحرجة والصعبة، كلما قل اهتمامي. قلت لنفسي من الآن فصاعدًا، سأخلعه أينما ذهبت وسأرتدي ما يحلو لي. لا يهمني ما يقول الناس عني، وإن رأوني يومًا ما بدونه ويومًا آخر مرتديته وأنا مع أهلي، ليس لهم الحق أن يحكموا علي، لأنهم ليسوا بمكاني ولا يمرون بنفس الشيء. هل تريدون أن تُضربوا أو تُقتلوا أو تُحبسوا؟ أبي لن يتقبل أبدًا فكرة خلعي له، وهذا شيء يجب علي أن أتعايش معه، فليس بإمكان أي شخص التدخل.

مقالات مقترحة

حواء بعد الأربعين: حملة تدعم النساء لمقاومة التمييز ضدهن
[embed]https://www.youtube.com/watch?v=yjRiF0YbSc0[/embed]   طرقت ”عبير ضيف“ أبوابًا كثيرة باحثة عن عمل يناسبها، لم تيأس من محاولة العثور على وظيفة في إحدى...
سألنا نساء عربيات: ماذا تعني بيئة عمل آمنة لكن؟
رسوم يارا مراكي لا زالت آلاف السيدات في العالم العربي يحلمن ببيئة عمل آمنة لا يتعرضن فيها للتمييز ضدهن، ولا...
مواقع التواصل الاجتماعي: هل تعكس واقع المجتمعات العربية؟
لازالت إحصائيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تزايد مستمر على مستوى العالم ليصل عدد المتابعين لهذه المواقع عالميًا إلى 3.484...
المرأة السعودية في عصرها الذهبي
رسوم شهد ناظر تحتفي المملكة العربية السعودية هذه الأيام باليوم الوطني السعودي والذي يصادف 23  سبتمبر من كل عام، هذا...